لستَ مجرّد رقم!   
الخميس 1437/9/12 هـ - الموافق 16/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:49 (مكة المكرمة)، 15:49 (غرينتش)
في الشوارع العتيقة ثمة ذاكرة! ثمة زهر لا تزال تفوح منه رائحة الماضي.. ثمة عشق!

في الشوارع وهي تربت على كتف بعضها، حنانٌ يمتدّ بدفئه حتى يظلل البيوت.. وينثرُ أمنيات أصحابها رذاذاً على بوّابات العمر وقد طال انتظارهم لتحقُّقها.

في الشوارع العتيقة تاريخُ ميلاد لكلّ الفصول.. وقد ألقت على جبهة الزمن غار انتصارها.. لتبدو القدس في الأعين المسكونة بالحلم حمامةً تحلّق في سماء الصَفح وحدها.. تراقبُ الطوفان وقد ابتلع ملامح الظلم بصمتٍ وخشوع!

في الشوارع العتيقة كلماتٌ بالدّم كُتبت! وفي صفحات ليلها لمَعت بعزم الثورة السكّين! ما باعت مدينتُنا ضفائرَها! ولا استسلمت للجلاد! ما دنّسَ المحتلُّ مخدعها! وقد صارت أسواراً لها الأجساد.. رمادُ الظُّلم يعكّر صفو العين ولا يعميها، فالدمع إنْ أسعفها يحميها! وإن خذلتها الأهداب..

في القدس تجمّدت الكلمات في أفواه المسكونين بالبرد غير أنّ قلوبهم لا تزال تشتعل! وقودها الألم حين تَنشرُه في العروق الدماء!

في القدسِ تجمّدت الكلمات في أفواه المسكونين بالبرد غير أنّ قلوبهم لا تزال تشتعل! وقودها الألم حين تَنشره في العروق الدماء! القدس أنفاس الأنبياء وهم يزرعون بالمحبّة فضاء المكان.. يروونها بالصبر! فتثمر صمودا في النفوس! ليصير أهلها أوتاداً كالجبال تُثبِّت عروبةَ شوارعها، وتحمل على أكفّ صبرها القرآن! عصيّةً على الخلع! عصيّةً على المحو.. ولا تندثر رغم قسوة المحتلّ ملامُحها..  

وماء وردٍ تحمله قوافل الروح! على أبوابها بالوَجْد ينتظر.. يكاد يتفطّر حسرةً وهو بأغلاله ينتظرُ.. أن تُفتحَ له أبوابُها! أن يلقى بقطراته على قبابِها والمحراب.. لعلّها في صحن المسجد تستريح.. وتضع عن كتفيها بقايا عطرها! ماءُ وردٍ ينتظر منذ سنين.. وقد حملتهُ كفُّ صلاح الدين لرحاب طُهرها!

وحائط البراق مِن عمق وجعه يئنُّ.. وقد شوَّهته أكفُّ الغزاة! وحرمته الإنصاتَ للترتيل.. كانت الصلاة حبات عقدٍ من نور تُطوّقه وهو يغفو على ظهر الصمت خاشعا، بينما تُسبّحُ بأنفاس الصّبح حجارتُه.. كعرقٍ توزّعت عليه بالعطر أوراقُ الياسمين.

القدس مدينة إنْ لم تولَد فيها، تولَد بها! قدرها أنْ تتجدَّدَ بالميلاد، ويتجدَّد بها! وهي كزيتونها تكاد تضيءُ به، ويكاد بها يُضاء! في القدس ثمة مطر! ثمة صخب يحدثه الغيم وهو يراقب الصلاة تُعتقل على أبوابها، ويمزّقُها الرصاص! ثمة دموع تتساقطُ بالحزن منْ أعين السماء.. وهي تشهدُ في باحة الأقصى كيف تُسفك ظلماً الدماء..

جرح الأقصى غائر! وما امتدت إليه الأيدي بالضّماد! ما توقّف نزفه وما خّف ألمه! تستجيب له أمّتنا بصُفرةٍ تجتاحُ وجهَها وكفّيها، ويمتدّ أنينُها من الأبواب وقد قهرتها الأقفال! مرورا بالرصاص النائم في البنادق وقد غلّفها الصدأ، وتعذّبت الأيدي التي تحملُها بالصبر والانتظار.. وحتى الذّبْح الذي صار آيةَ الأخوّة المنسيّة في مضارب العرب وقد تفرّقوا حتى صارت دماؤهم بلا ثمن!

ونسوا وسط ضجيج الدم أنّ القدس لكلّ الذين عرفت الضادُ طريقَها لألسنتهم، ولكل الذين صدّقوا بوعد السماء.. ذاكرة البسطاء أشدّ مضاء من ذاكرة من يحكُمهم! فذاكرة الأيدي في مواجهة ذاكرة البصر! ومن يزرع بالصبر حلماً، بدمه يرويه إن عزّ الماء وانقطع المطر! فهذا زمنهم، زمن الزرّاع.. وزمن الثمر!

ذاكرة البسطاء أشدّ مضاء من ذاكرة من يحكُمهم! فذاكرة الأيدي في مواجهة ذاكرة البصر! ومن يزرع بالصبر حلماً، بدمه يرويه إن عزّ الماء وانقطع المطر!

زيتون المقدس أحلامٌ زرعها الفاتحون بيد الفداء وقد غسلوا عن أكتاف أمّتهم عارها! من رحم الأرض ومن رحم أمٍ تولد الحياة! أرأيت إذ رأيت بيت المقدس وهي تحارب الغزاة بأرحامها!

فيا مَن تسكن قلب المدينة الصابرة، يا ثمرة رحمٍ فلسطينيّة! لستَ مجرّد رقمٍ في قائمة السكان.. أنت سكّين في خاصرة المحتلّ توجعه، ويخاف إن أخرجها النزيف! أنت لبنة في سور المقدس وقد أحاط بها، ليمنعها من الغزاة ويحميها.. لستَ مجرّد رقم! أنت جوهر صمودها، ونقاء صبرها وهي تقاوم القهر وحصار عدوّها للّقمة وللحياة فيها.. بيتك القديم يحمل بقايا قلبك والذاكرة! وحيطانك التي لا تزال تقاوم معاول الزمن، تعرف بأنها لا تملك اليوم أن تستريح، وقد صارت جزءا من المعركة!

كلّ مقدسي على أرضه مرابط! حيطانه سلاحه، ووجوده نار البندقية، وكل قدمٍ فلسطينية في القدس تحمي التراب من تحتها.. فعزيزة على الأمّة تلك الأقدام، ومن واجبها أن تقوّي خطوها.. وحين نعدّ سكّان المدينة الصابرة إنما نحصي عتادنا وذخيرتنا فيها.. ولسنا نذكرُ مجرّد أرقام!

ولنا في القدس لقاء..

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة