بحر جنوب الصين.. نزاع سيادة ينذر بمواجهة دولية   
الأحد 1437/10/6 هـ - الموافق 10/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 10:46 (مكة المكرمة)، 7:46 (غرينتش)

بحر جنوب الصين مسطح مائي يقع في شرقي آسيا؛ يعتبر أكبر بحار العالم ويتحكم في منطقة ملاحة دولية حيوية وحساسة ويضم ثروات طبيعية هائلة، وتتنازع النفوذ فيه الصين وأربع دول متشاطئة معها عليه هي فيتنام والفلبين وماليزيا وسلطنة بروناي. لكنه قد يتحول إلى ساحة حرب باردة جديدة أو مواجهة عسكرية بين القوتين العظمييْن الصين والولايات المتحدة.

الموقع والأهمية
يقع بحر جنوب الصين في منطقة شرقي آسيا ويشمل المنطقة الممتدة من سنغافورة إلى مضيق تايوان، ويعد أكبر بحر في العالم بعد المحيطات الخمسة إذ تبلغ مساحته 3.5 ملايين كلم2، وتتناثر فيه أكثر من 250 جزيرة أهمها أرخبيلات نانشاتشيونداو وشيشاتشيونداو وتشونغشاتشيونداو.

يتفرع بحر جنوب الصين من المحيط الهادي ويربطه "مضيق تايوان" ببحر شرق الصين، والجزء الجنوبي الغربي منه يمتد من خليج تايلند إلى بحر جاوة. والماء في كافة أنحاء هذه المنطقة ضحل غالبا (أقل من 61 مترا). أما الجزء الشمالي الشرقي للبحر فعميق، وأطول الأنهار التي تصبّ فيه هي "نهر اللؤلؤ" و"النهر الأحمر" و"نهر ميكونغ" و"نهر تشاو فرايا".

وتوجد في بحر جنوب الصين ممرات ملاحية رئيسية وحيوية للعالم أجمع صار بسببها ثاني أكثر الممرات البحرية العالمية ازدحاما بحركة سفن الشحن، إذ تمر عبره 300 سفينة يوميا (200 منها ناقلات نفط) محملة ببضائع تتجاوز قيمتها السنوية 5.3 تريليونات دولار، تمثل ثلث التجارة العالمية العابرة وخُمس البضائع الداخلة إلى الموانئ الأميركية والخارجة منها.

ويُعتقد أن هذا البحر يحتوي على احتياطيات ضخمة من الطاقة (النفط والغاز) تُقدر بما يتراوح بين 23 و30 مليار طن من النفط و16 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. وتقول التقديرات الصينية إن نحو 70% من احتياطياته من النفط والغاز توجد في مناطق مياهه العميقة التي تبلغ مساحتها 1.54 مليون كيلومتر مربع، أو المناطق البحرية التي يتجاوز عمقها 300 متر.

كما أن بحر جنوب الصين غني أيضا بالثروات المعدنية والسمكية التي يعتمد عليها قرابة 300 مليون إنسان من سكان المنطقة لكسب معايشهم، ويضم في أعماقه العديد من الكابلات الحيوية لخدمات الاتصالات الدولية.

أطراف النزاع
يعد بحر جنوب الصين -إلى جانب مضيق تايوان وشبه الجزيرة الكورية- إحدى بؤر التوتر الثلاث الكبرى بشرقي آسيا، وقد بدأ النزاع على ملكيته قبل عقود بين الدول المتشاطئة عليه، وتحديدا بين الصين وكل من الفلبين وماليزيا وفيتنام وسلطنة بروناي. وذلك نظرا لثرواته وحيوية موقعه في حركة الملاحة العالمية.

وظل هذا النزاع -الذي يتمحور حول مطالبة كل دولة بامتلاك أكبر عدد ممكن من جزر البحر التي لا يتجاوز حجم بعضها بضع صخور- يشتعل ويخبو بين الفينة والأخرى، وتسبب أحيانا في حدوث مواجهات (بعضها بين الصين وفيتنام) عندما باشر الصينيون بناء جزر صناعية في البحر خاصة في منطقتيْ جزر باراسيل وجزر سبراتلي.

ودخل النزاع مرحلة جديدة وبدأت أمواج التوتر تتلاحق في هذا البحر منذ مطلع الألفية الثالثة، إثر تنقيب الدول المتنازعة -خاصة الصين- عن احتياطيات الطاقة على عمق أكبر في مياهه، في الوقت الذي تحشد فيه قواتها البحرية وتحالفاتها العسكرية.

ويرجع النزاع جزئيا إلى أنه بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار -التي أقرت عام 1982 وصدقت عليها كل الدول المتنازعة على بحر جنوب الصين- تستطيع كل من هذه الجهات السيادية المالكة أن تطالب بمنطقة اقتصادية خالصة عرضها 200 ميل بحري تمكنها من الاستغلال المنفرد لمصائد الأسماك والموارد النفطية، والاحتفاظ بما لا يتجاوز 12 ميلا بحريا فقط من المياه الإقليمية.

وتطالب الفلبين وماليزيا وفيتنام وسلطنة بروناي بالسيادة على مناطق متداخلة من هذا البحر، بينما تؤكد الصين أنها صاحبة حق تاريخي فيه وفقا لـ"سجلات تاريخية"، وتقول إن الصينيين القدماء هم الذين اكتشفوه في القرن الثاني قبل الميلاد، وهذا هو "الدليل التاريخي" الذي يمنحها سيادة غير قابلة للجدل على نسبة 90% من جُزره والمياه المحيطة بها.

ويستند ادعاء الصين امتلاك حق السيادة هذا إلى "الخط الحدودي ذي النقاط التسع" الذي يمتد بعيدا إلى الجنوب من أراضي الصين، وكان موضع نزاع متكرر منذ اقترح لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية. ودعت دوما بكين لإجراء "محادثات ثنائية" لحل النزاع على أساس "احترام الواقع التاريخي والقانون الدولي".

إجراءات صينية
قامت الصين بأعمال واسعة النطاق لاستغلال أراضي هذا البحر للبناء فيها واستثمار ثرواتها واستخدامها في عمليات تسلح تنذر باندلاع مواجهة عسكرية فيها مستقبلا. وأثارت الصين قلق جيرانها والقوى الدولية المهتمة بالمنطقة بتوسيع أعمال بناء الجزر الاصطناعية التي أضافت لها أكثر من 1200 هكتار خاصة في جزر سبراتلي المتنازع عليها أساسا بين الصين والفلبين.

وحولت بكين بذلك شعابا مرجانية إلى موانئ ومهابط طائرات وبنى تحتية متنوعة، بما في ذلك مهبط جوي بطول ثلاثة آلاف متر بأحد المواقع، وأقامت بنى تحتية متنوعة تشمل مواقع عسكرية لنصب منظومة للدفاع الجوي تتضمن بطاريات صواريخ أرض جو ورادارات متطورة وطائرات مقاتلة. وتقول وزارة الدفاع الصينية إن بحريتها تجري سنويا "تدريبات روتينية" في هذا البحر.

وفي مايو/أيار 2012 أعلنت الصين بدء تشغيل أول جهاز للحفر في المياه العميقة من البحر قريبا من منطقة جزر سبراتلي. ويأتي ذلك في إطار جهود بكين للبحث عن موارد جديدة للطاقة تقلل اعتمادها على الاستيراد من دول أخرى وتضمن استمرار نموها الاقتصادي.

وأوضحت أن الشركة الوطنية الصينية للنفط البحري (سنووك) شرعت في تشغيل الجيل السادس من جهاز الحفر نصف المغمور بالماء الملقب "سنووك 981" في مياه البحر، على عمق مياه يبلغ 1500 متر. وكانت عمليات التنقيب البحري الصينية تتم في السابق عند عمق أقل من 300 متر تحت سطح المياه.

وفي أواخر عام 2013 أجرت حاملة الطائرات الصينية "لياونينغ" لأول مرة سلسلة من الاختبارات العلمية والتدريبات في بحر جنوب الصين، لاختبار نظامها القتالي على نحو شامل بمشاركة مدمرتين وفرقاطتين وطائرات وغواصات.

وفي مايو/أيار 2014 تصاعدت وتيرة العنف المناهض للصين في فيتنام بعد أن أرسلت الشركة الوطنية الصينية للنفط منصة للحفر النفطي في المياه العميقة في جزر باراسيل المتنازع عليها أساسا بين الصين وفيتنام التي تقع الجزر على مسافة 240 كيلومترا من ساحلها، وبعثت بكين سفنا لحماية تلك المنصة.

وفي 5 أغسطس/آب 2015 أعلنت الصين وقف مشاريع البناء التي تنفذها في بحر جنوب الصين، وطلبت من الولايات المتحدة -التي تجري باستمرار مناورات بحرية في المنطقة مع حليفتيها الفلبين وفيتنام في إطار تعهدها بالدفاع عنهما- عدم التدخل في الخلاف بين الدول المعنية بالنزاع عليه.

ويرى خبراء أن إجراءات الصين "العدائية" في بحر جنوب الصين -فضلا عن ملكيتها غير المحددة للمنطقة وثروتها السمكية- ستؤدي إلى الإفراط في الصيد الجائر المدمر، وتدهور الأنظمة البيئية البحرية، وتهديد الأنواع المعرضة لخطر الانقراض؛ فمنذ عام 2010 تناقصت الاحتياطيات من الأسماك في جزر سبراتلي والجزء الغربي من هذا البحر بنحو 16%.

ويقولون إن جهود استصلاح الأراضي التي تبذلها الصين في المنطقة تنتهك العديد من الاتفاقيات البيئية الدولية، وأبرزها اتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية، مما يعرّض الثروة السمكية للخطر ويهدد مصالح قرابة 300 مليون إنسان يعتمدون على موارد بحر جنوب الصين لكسب معايشهم.

تسوية أم مواجهة؟
احتل الخلاف بشأن بحر جنوب الصين على الدوام صدارة الاهتمام في مؤتمرات المنتدى الإقليمي لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي لا تضم الصين لكنها تضم كمبوديا الحليف الاقتصادي الوثيق للصين، والمؤيدة لموقف بكين الداعي لحل النزاع بشكل "ثنائي" دون تدخل أي طرف خارجي خاصة أميركا، بينما تطالب الفلبين وفيتنام بمشاركة دولية في تسويته.

لكن مراقبين يرون أن واشنطن نجحت في إعطاء هذا النزاع طابعا دوليا بعد نجاحها في إخراجه من دائرة الخلافات الثنائية بدفعها دول "آسيان" إلى التفاوض كطرف واحد مع الصين، وقد أثمر ذلك عام 2002 التوقيع على إعلان "مدونة سلوك" غير ملزمة، تدعو لـ"ممارسة ضبط النفس" وتحظر على أي طرف القيام بإجراءات أحادية استفزازية. وعُززت هذه المدونة بإعلان مشابه وقعته الصين وآسيان يوم 21 يوليو/تموز 2011.

وفي يوليو/تموز 2014 دعت وزارة الخارجية الفلبينية الدول الأطراف في النزاع والأعضاء في "آسيان" إلى تشكيل جبهة موحدة للتعامل مع مزاعم الصين السيادية بشأن هذا البحر. وحذرت إندونيسيا على الدوام من مخاطر هذا النزاع على تماسك رابطة "آسيان"، وقالت إنه "إذا لم تتم إدارته بشكل جيد فإنه قد يخرج عن نطاق السيطرة".

أما الولايات المتحدة الأميركية -التي تحث الصين على السعي للتحكيم الدولي لتسوية نزاعاتها البحرية- فأعلنت صراحة وفي غير ما مناسبة أن استمرار التوتر في هذا البحر يقوّض مصالحها الإستراتيجية، كما دعت مرارا إلى إيجاد آلية دولية لحل النزاع، الأمر الذي اعتبرته الصين تدخلا سافرا في شؤون وقضايا المنطقة.

ودعت وزارة الخارجية الأميركية في يوليو/تموز 2011 الأطراف المعنية بهذا النزاع إلى دعم مطالبها الإقليمية بـ"أدلة قانونية تتماشى مع القانون الدولي المعروف"، مشيرة إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الدولي لعام 1982 التي تضمن حق الملاحة داخل مياهه. وذلك في تحد واضح لإعلان الصين السيادة على قطاعات واسعة من هذا البحر.

وأثارت واشنطن على الدوام -وهي حليفة لفيتنام والفلبين- غضب بكين بإعلانها أن لها أيضا مصلحة في ضمان حرية الملاحة والتجارة في المنطقة. وتقول أميركا ودول أخرى إن من شأن المشاريع الصينية أن تؤثر سلبا على حركة الملاحة في هذا البحر، وتمنح الصين أفضلية في منطقة تشهد تنافسا تجاريا كبيرا.

ورغم أن واشنطن لا تتدخل فعليا في النزاع؛ فإنها تؤكد أن حماية الطرق البحرية والجوية في المنطقة أمر حيوي. وقد أرسلت سفنا وطائرات حربية إلى المنطقة مما أثار غضب بكين.

وفي 19 سبتمبر/أيلول 2015 قالت قيادة القوات العسكرية الأميركية في المحيط الهادي إن على واشنطن أن تتصدى لمزاعم السيادة الصينية في البحر بتسيير دوريات قرب الجزر الصناعية التي شيدتها بكين هناك. وأبدت بكين قلقها من هذه التصريحات.

وتحذر هذه القيادة من أن الصين قد تسيطر "بحكم الأمر الواقع" على منطقة بحر جنوب الصين الإستراتيجية، إذا استمرت في تسليح كل الجزر الاصطناعية التي أقامتها. وتقول إن "الصين يمكن أن تملك في النهاية المراقبة على الممرات البحرية والجوية في هذه المنطقة الأساسية للتجارة العالمية".

وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول 2015 أبحرت المدمرة الأميركية "لاسن" المزودة بصواريخ موجهة على بعد أقل من 12 ميلا بحريا من إحدى الجزر الاصطناعية التي تبنيها بكين بأرخبيل سبارتلي في مهمة مدتها ساعتان "لضمان حرية الملاحة"، الأمر الذي سارعت بكين إلى التنديد به معتبرة إياه "توغلا يهدد سيادة الصين ومصالحها الأمنية".

وتطالب الصينُ الولاياتِ المتحدة بوقف "محاولات تأجيج الصراع في بحر جنوب الصين ومراقبة ما يجري في بحر جنوب الصين بنظرة واقعية وتقييم محايد وعادل، إذا أرادت بالفعل الحفاظ على السلام والاستقرار في المحيط الهادئ"، وتتهمها بـ"النفاق السياسي وعدم الحيادية والوقوف إلى جانب الفلبين وفيتنام في نزاعهما مع بكين بشأن قضايا تتعلق بسيادة الصين على أراضيها".

وحين أبدت الفلبين في أبريل/نيسان 2016 استعدادها للسماح للقوات الأميركية باستخدام خمس قواعد عسكرية على أراضيها بعضها قريب من هذا البحر؛ اتهم وزير الخارجية الصيني وانغ يي -في مقابلة مع برنامج "بلا حدود" على قناة الجزيرة بُثت يوم 18 مايو/أيار 2016- الفلبين بعسكرة بحر جنوب الصين من خلال القواعد العسكرية المتنوعة التي تبنيها في المنطقة، ووصف تصرفاتها فيها بأنها "تفتقر إلى الشرعية والمشروعية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة