خطر التنمية على البيئة في جاوا الإندونيسية   
الأحد 1438/1/7 هـ - الموافق 9/10/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:38 (مكة المكرمة)، 9:38 (غرينتش)

جزيرة جاوا الإندونيسية، أشهر جزر البلاد، ظلت محور الأحداث السياسية والاقتصادية لقرون مضت، هي أكثر جزر العالم كثافة سكانية، يقطنها نحو 145مليون نسمة، يشكلون قرابةَ 57% من سكان إندونيسيا، ما يعني بلغة التنمية مشاريع عمرانية وصناعية تتزاحم على حساب البيئة.

انطلقنا للتعرف على صور مما يصفه خبراء بالكارثة البيئية في جاوا، بدأنا بمرتفعات تشيتاتاه في جزئها الغربي الأوسط، حيث يفترض أن يكون الطقس هنا معتدلا والجو نقيا، لكن الواقع ليس كذلك، فمنذ عام 1970 وأنشطة التعدين لا تتوقف في هذه الجبال، صحيح أن منافع المحاجر الاقتصاديةَ للمستثمرين وفيرة، لكن ناشطين يقولون إنه يفترض وبعد مضي قرابة نصف قرن أن تعيد الحكومة هذه المناطق إلى وضعها السابق محمية طبيعية أو منطقة سياحية.

ديدين شريف هدايات/ رئيس منتدى شباب تشيتاتا في جاوا الغربية
"أعمال التعدين أدت إلى أضرار بيئية في الجبال الكارستية هنا، ما تسبب في انهيارات أرضية، وتراجع عدد عيون المياه العذبة، كما أن الدخان المتصاعد من المصانع أضر بصحة السكان، المشكلة هنا معقدة، كما أننا نعاني أزمة قيم، حيث تراجعت روح التعاون بين السكان، وصارت الثقافة السائدة البحث عن الربح الآني والسريع من العمل في التعدين في هذه المحاجر".

تابعنا نشاطَ التعدين في أحد المعامل، حيث تقطع الأحجار بهذه الكسارات على مدار الساعة، صناعيا وعمرانيا تمد هذه المصانع القطاع العقاري بأحجار الرخام الذي يجمل المنازل والأبراج، كما تستخرج من هذه الصخور مواد تدخل في صناعة بعض الأدوية ومنظفات الأسنان، ويتوقع القائمون على هذه الصناعة استمرارها لعشرات السنين، دون النظر إلى الكلفة البيئية الباهظة، ويبدو وقف أعمال التعدين هنا صعبا، لما تدره من دخل على الحكومات المحلية وبعضِ السكان.

ديدين شريف هدايات
"نكافح من أجل توجيه المواطنين إلى وظائف أخرى لأن أحد العوائق التي تجعل من الصعب الحفاظ على البيئة إشكالية توفير عمل بديل لكل من يعمل في المحاجر".

وليس ببعيد عن مصانعِ الرخام وكسارات الأحجار تنتشر في جاوا مصانع الإسمنت، بل إن بعض المناطق تعاني تلويث أجوائها بسبب وجود مصنعين أو أكثر، فالطلب على مواد البناء لم يتوقف خلال العقود الماضية وبصورة متزايدة، وإذا ما شرع في بناء مصنع جديد فإن هذا قد يثير غضب سكان الريف المتوجسين من أضراره.

وهذا ما دفع تسع سيدات من إقليم جاوا الوسطى إلى اختيار أسلوب مختلف للتعبير عن رفض السكان تشييد مصنع إسمنت في منطقة ريمبانغ، فقد غرسن أقدامهن في قوالب إسمنتية خلال اعتصام أمام القصر الرئاسي بجاكرتا، ومازلن يواصلن اعتصامهن في مرتفعات كيندينغ بجاوا الوسطى، وهي واحدة من القصص التي تتحدث عن اختلال التوازن بين المنفعة الاقتصادية والحفاظ على الثروات الطبيعية.

ميرنا سافيتري/ الأمينة العامة لمنتدى إندونيسيا للعدالة الزراعية
"منذ العهد الاستعماري ونحن نعاني سوء الإدارة في تنفيذ المشاريع العمرانية والتنموية في جاوا، والحل لمواجهة هذه الإشكالية ظل دائما يتركز على نقل مزيد من السكان من جاوا إلى الجزر الأخرى، ولكننا نتساءل إذا كانت جاوا ذات الأهمية الاقتصادية تعاني سوء إدارة بيئية فكيف سيكون حال الجزر الأخرى؟".

ويعترف مسؤولون بأن المشاريعَ الاقتصاديةَ والعمرانيةَ التي أتت على معظم محافظات جاوا قد تجلب لسكانها عواقب وخيمة جراء ما خلفته من أضرار، فقد تراجعت مساحة الغابات الاستوائية في جزيرة جاوا من نحو 12 مليون هكتار بدايةَ القرن الـ19 إلى أقل من أربعمئة ألف هكتار وربما دون ذلك.

محمد رزال كارليانشاه/ المدير العام لشؤون معالجة التلوث والأضرار البيئية بوزارة البيئة الإندونيسية:
"لا ننفي تلك المشكلة البيئية لأننا لو نظرنا إلى الغابات فإن ما تبقى منها هو دون ثلث المساحة الأصلية لها، رغم أن القانون الخاص بتخطيط الأراضي وتوزيعها يوجب الحفاظ على ثلث مساحات المحافظات كغابات، كما أن أنهار جزيرة جاوا صارت تُحمل وتستهلك أكثر من طاقتها، ولهذا جهزنا قرارا يخص الحد الأعلى والأدنى لمستويات الاستفادة من الأنهار حتى يعرف ولاة المدن والمحافظون في أي ضفة من ضفاف الأنهار يمكن أن يسمح بإنشاء مشاريع استثمارية".

أمام الكاميرا:
إشكالات جذرية تحيط بالمشاريع التنموية تؤكد بمجموعها عدم تطبيق سياسة واضحة وحازمة تهدف إلى الحفاظ على ما تبقى من مصادر المياه والغابات وغيرها من الموارد الطبيعية الحية، التي استنزفت بإفراط حتى أدى ذلك إلى اختلال التوازن البيئي والتأثير سلبا في حياة الملايين من السكان.

الفيضان في جاكرتا
ولهذا ليس مستغربا تعرض جاكرتا لفيضانات من حين لآخر، فالتوسع العمراني والمجمعات الصناعية لم تترك مساحات خضراء تمتص مياه الأمطار الغزيرة، وحسب دراسة لوزارة البيئة والغابات الإندونيسية فإن هناك ما يزيد على 760 نقطة في سبعين محافظة بجزيرة جاوا معرضة لكوارث كالفيضانات والانهيارات الأرضية بسبب تعرية الجبال مما كان يكسوها من غابات كانت تختزن أشجارها مياه الأمطار، أما اليوم فلا مجال للمياه التي تهطل على الهضاب والجبال إلا أن تتدفق باتجاه المدن في السهول والسواحل.

ميرنا سافيتري/ الأمينة العامة لمنتدى إندونيسيا للعدالة الزراعية
"نطالب الحكومة بمراجعة كل المشاريع التي تعتمد على الثروات الطبيعية وبحل النزاعات على الأراضي الزراعية، وأن تكون هناك لجان متخصصة تشرف على الشراكة في الانتفاع من الثروات الطبيعية في قرى جزيرة جاوا".

ويأتي حديث خبراء البيئة عما يسمونها الأزمةَ البيئيةَ التي تجتاح جاوا في وقت تعد فيه مشاريع المرافق من جسور وطرق سريعة وموانئ، من أولويات الحكومة الإندونيسية الحالية، وبعضها نفذ جزئيا ثم توقف العمل فيه لإشكالات تحيط به، كهذا المشروعِ في محافظة بوغور، المنطقة السياحية المعروفة، حيث بدأ العمل على شق طريق جديد قبل تجميد الأشغال فيه، وإن اكتمل هذا المشروع فإنه سيؤدي إلى زحف عمراني على المساحات الخضراء في هذا الجبال.

لكن ألا يمكن أن ينقذ الجاويون جزيرتهم؟ سؤال يتبادر بعد مشاهدة كل ما لحق بالبيئة من أضرار. هنا توجهنا إلى السواحل الشمالية لإقليم جاوا الغربية، لنرى كيف استجاب الصيادون في محافظة إندارمايو للتعرية التي أتت على سواحل بلدتهم منذ عام 2006، وقد تفاقم الأمر بعد ذلك بسبب تغيرات المناخ والمشاريع العمرانية، فتآكلت مساحات المزارع وزاد ارتفاع أمواجٍ البحر في هذه الشواطئ، هنا انطلقت مبادرة لإعادة تخضير السواحل بالمنغروف وغيره من النباتات الخضراء.

علي صادقين/ رئيس منتدى حماية سواحل محافظة إندرامايو
"آمل أن يدعم مشروع حماية سواحل إندرامايو وأن يشارك في هذا المبادرة أعداد أكبر من مجموعات الصيادين بشكل جاد، وإن شاء الله إذا نجحنا في استزراع حزام أخضر على طول سواحل البلدة، فإن مستوى معيشة الصيادين ومن يعتمد على أحواض زراعة الأسماك والمأكولات البحرية سيتحسن، تحدينا الأكبر هو رفع مستوى الوعي، وألا تتوقف الحكومة عن دعم هذا المشروع وتشجيع الناس على المشاركة فيه".

تجربة صيادي إندرامايو تؤكد أنه بالإمكان نجاح مبادرات أهلية، لكن الأمر يستلزم رفع مستوى الوعي البيئي بين السكان، حتى إذا صارت البيئة قضيةَ رأي عام وجد الساسة أنفسهم مضطرين إلى الاهتمام بالبعد البيئي في قراراتهم.

صهيب جاسم-لبرنامج مراسلو الجزيرة-إندرامايو-إقليم جاوا الغربية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة