ماذا يريد العرب من المفوض السامي لحقوق الإنسان؟   
الأربعاء 1435/10/18 هـ - الموافق 13/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:23 (مكة المكرمة)، 17:23 (غرينتش)

عبد الحسين شعبان*

لم تعد مسألة حقوق الإنسان في العالم أجمع، فكرة رومانسية أو ترفا فكريا أو مسألة كمالية وثانوية، بل أخذت تدخل في صميم المطالب الشعبية وتشكل جوهر الأهداف والمبادئ المشتركة لتيارات متباعدة ومتعارضة تاريخيا.

ولأن العالم العربي وقع ضحية هدر سافر وصارخ لحقوقه، فإن حاجته إلى تأمين احترام حقوق الإنسان هي الأكثر إلحاحا سواءً على المستوى الجماعي أو الفردي بحكم التدخلات الدولية ومحاولات فرض الهيمنة والاستتباع عليه، من جهة. ومن الجهة الأخرى الممارسات السلبية من جانب الحكومات والجهات الرسمية، فضلاً عن جماعات التعصّب والتطرّف، التي تحاول توظيف الموروث على نحو سلبي لهدر الحقوق والحريات وعدم الإقرار بالتعددية والتنوّع، تلك التي تعتبر جميعها من سمات البشر اللصيقة بالإنسان على مرّ التاريخ.

وعلى الرغم من اتساع دائرة الاهتمام بحقوق الإنسان على المستوى الدولي، حيث تتسابق الأمم والشعوب على مقاربتها باعتبارها دليلاً للتحضر والتقدم، إلاّ أن الثقافة الحقوقية في العالم العربي لا تزال متدنّية وشحيحة، بل إن اتجاها مناوئاً لحقوق الإنسان على الصعيد النظري والعملي لا يزال قوياً، وهو الذي يعتبر الفكرة "بدعة" غربية، يُراد منها الهيمنة على العالم العربي وتسخير موارده لصالح القوى الدولية المتنفذة، وينسى أصحاب هذا الاتجاه من التيارات السياسية والدينية أن ذلك يؤدي إلى إبعاد بلداننا وشعوبنا عن التفاعل الحضاري والثقافي مع العالم ومع التطور الدولي للفكرة ذاتها، مثلما يستخف برافدنا الثقافي العربي الإسلامي للحضارة الكونية.

لأن العالم العربي وقع ضحية هدر سافر وصارخ لحقوقه فإن حاجته إلى تأمين احترام حقوق الإنسان هي الأكثر إلحاحا سواءً على المستوى الجماعي أو الفردي

جوانب مضيئة
ثمة جوانب إيجابية ومضيئة كثيرة في تاريخنا لها علاقة بفكرة الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، ابتداء من حلف الفضول الذي يمكن اعتباره أول جمعية لحقوق الإنسان في العالم (قبل الإسلام) يوم اجتمع فضلاء مكة وتعهدوا أن يكونوا يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، وهو ما دعا الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإبقاء عليه من بين جميع أحلاف الجاهلية بعد الدعوة الإسلامية، أو ما ورد في القرآن الكريم من إعلاء شأن الإنسان على سائر المخلوقات ومن الدعوة إلى مبادئ الحق والعدل، أو في "دستور المدينة" من الاعتراف بالتنوّع والتعددية، أو في العهدة العمرية عام 15 هـ عندما تم فتح القدس حيث تعهّد الفاروق عمر (الخليفة الثاني) للبطريرك صفرنيوس بالحفاظ على الأرواح والممتلكات وحق ممارسة الشعائر والطقوس الدينية، وهو ما سار على هديه اتفاق القسطنطينية عند فتحها.

ليس هذا فحسب، بل إن في الفقه الإسلامي جوانب مشرقة ومتقدمة لتمجيد الحريات والحقوق ومبادئ الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة والمشاركة والاعتراف بالآخر، وهي قيم إنسانية تنتصب، لتؤكد رافدنا العربي الإسلامي للحضارة الكونية المتعدّدة.

نقول ذلك بمناسبة قرب مباشرة الأمير زيد بن رعد مندوب الأردن الدائم لدى الأمم المتحدة، لوظيفته الجديدة كمفوض سام لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة خلفاً للسيدة نافي بيلاي اعتباراً من الأول من سبتمبر/أيلول 2014 وذلك بعد مفاتحته من الأمين العام بان كي مون وموافقته.

وتلك لعمري مناسبة مهمة ليظهر العرب والمسلمون دورهم الحضاري والثقافي التاريخي في رفد الفكرة الكونية وإدراج ما يمكن من تراثهم في إطار المشترك الإنساني العالمي، وكذلك هي مناسبة لتأكيد مدى تشبثهم بخصوصياتهم من جهة أخرى، وذلك بقدر مقاربتهم للفكرة الكونية، باعتبارها جهدا بشريا اغتنى بأكثر من مائة اتفاقية دولية من خلال تفاعل الحضارات والثقافات والفلسفات والأديان المختلفة. ولهذا سيقع على عاتق المفوض السامي (العربي) مسؤولية كبيرة لا بد أن يكون جديراً بتحمّلها على المستوى الشخصي أو العام.

تعيين الأمير زيد بن رعد مفوضا ساميا لحقوق الإنسان مناسبة مهمة ليظهر العرب والمسلمون دورهم الحضاري والثقافي التاريخي في رفد الفكرة الكونية وإدراج ما يمكن من تراثهم في إطار المشترك الإنساني العالمي

حاجات ماسة
ولأن رصيد فكرة حقوق الإنسان ارتفع في العالم، من جانب الشعوب والحكومات، ولأن بلداننا الأشد احتياجاً إليها، سواء للمشاركة في الجهد العالمي أو على الصعيد الداخلي، ولأنها أصبحت أداة فعّالة لتحقيق التنمية الشاملة بكل جوانبها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن وجود مفوض عربي يمكن أن يلعب دورا إيجابياً، خصوصاً بتعاونه مع منظمات المجتمع المدني العربي والعالمي، وذلك من خلال عدد من المحاور:

الأول: إظهار الرافد الثقافي التاريخي العربي وتأكيد رصيده كجزء من التاريخ الكوني من خلال دوره الإنساني المضيء وإشعاعه العالمي، وخصوصاً في فترة القرون الوسطى حين كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس. وكمدخل لتلاقح حضارتنا مع الحضارة الإنسانية المشتركة، فإنه يمكن للمفوض السامي أن يعتبر بقرار دولي حلف الفضول إحدى الوثائق التاريخية الخلفية لفكرة حقوق الإنسان الكونية مثل الماغنا كارتا "العهد العظيم" وميثاق حقوق الإنسان والمواطن (الفرنسي) والدستور الأميركي وغيرها، وقد سبق أن تمت مفاتحة الأمين العام للأمم المتحدة بهذه الفكرة، التي تعاطى معها إيجابيا وإن كان على نحو محدود. والأمر يحتاج إلى قرار يمكن للمفوض اتخاذه وتعميمه ليصبح دولياً، وذلك بالتعريف به وبالثقافة العربية الإسلامية الإنسانية.

الثاني: العمل على مناشدة الحكومات العربية للتواؤم مع التطور العالمي لحقوق الإنسان والمرجعية الكونية المعروفة باسم "الشرعة الدولية" باعتبارها منظومة قيمية حقوقية تمثل المشترك الإنساني لبني البشر بغض النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وأصلهم الاجتماعي، ودعوة البلدان العربية للانضمام والتصديق على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

الثالث: التأكيد على الخصوصية الثقافية والدينية وعدم التجاوز عليها تحت عناوين الشمولية والعالمية، لأن الأولى ينبغي أن تكون رافداً إيجابياً لتعميق الفكرة الكونية، وليس للتعارض معها، كما لا يمكن التحلّل من المعايير الدولية بحجة الخصوصية، إلاّ أن هذه الثانية لا ينبغي أن تُستثمر لفرض الاستتباع ونمط حياة وثقافة معينة بزعم الكونية.

الرابع: رسم خارطة طريق للعالم العربي، الذي يحتاج للتحرّك السريع لتدارك النواقص والثغرات التي يعاني منها في مجال حقوق الإنسان، وتلك مسألة مهمة لا بدّ من إيلائها الاهتمام الكبير من جانب المفوض السامي عبر منصبه الرفيع المقام، سواء على المستوى الدولي أو المستوى الشعبي، وذلك لمواجهة التحدّيات العالمية ومنها: قضايا الحرب والسلم، ومسائل التدخل وعدم التدخل، ومسألة مكافحة الإرهاب الدولي، والتفريق بين المقاومة والإرهاب وقضايا المديونية والقروض المجحفة، ولاسيّما للبلدان النامية، وقضية حقوق اللاجئين، والعمالة وقضايا الاندماج، وخصوصية أوضاع العرب والمسلمين في أوروبا والغرب بشكل عام.

الخامس: البحث عن فضاء كوني مشترك للتعبير يشمل المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، وذلك لتعزيز قيم السلام والتسامح والعيش المشترك لأتباع الديانات والمذاهب والقوميات والإثنيات المختلفة، بما يعزّز نبذ العنف والإرهاب ويؤدي إلى احترام حقوق الإنسان والمشترك الإنساني.

السادس: العمل على بلورة رؤية دولية بمساعدة المفوض السامي تشمل الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف تعزيز المناعة الوطنية للدول النامية ومنها البلدان العربية، وخصوصاً إزاء الوحدة الوطنية لكل بلد عربي وعلى المستوى القومي بمواجهة محاولات التفتيت والتفرقة الطائفية والمذهبية والدينية والإثنية والجهوية.

السابع: السعي لرفع درجة الحصانة العربية إزاء محاولات التدخل الخارجي والمحاولات الأجنبية التي تريد اختراق المجتمعات العربية، تحت عناوين مختلفة، لا تأخذ الخصوصيات بنظر الاعتبار، خصوصاً بممارسة نهج انتقائي وسياسات ذات طابع ازدواجي.

يجب أن يكون من أولويات المفوض الجديد الدفاع عن حقوق الأمة العربية وشعوبها، ولاسيّما الشعب الفلسطيني من أجل إقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس في إطار حق تقرير المصير وحق العودة

الثامن: الدفاع عن حقوق الأمة العربية وشعوبها، ولاسيّما حقوق الشعب العربي الفلسطيني من أجل إقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس في إطار حق تقرير المصير وحق العودة، وبالنسبة للشعوب العربية الدفاع عن حقها في التنمية المستقلة ومقاومة سياسات الهيمنة والاستتباع ونهب الموارد الاقتصادية والثروات الطبيعية التي يقف منها القانون الدولي موقفاً معارضاً وغير ذلك.

التاسع: العمل على مساعدة البلدان العربية للوصول إلى التنمية المستدامة، باعتبارها حقاً جماعياً وضرورياً لكل إنسان وللمجتمع كجماعة والدولة ككيان سياسي، من خلال عولمة الحقوق وعولمة الثقافة وعولمة العلم وعولمة التكنولوجيا وعدم وضع العراقيل أمام الشعوب للمساهمة فيها، وللاستفادة منها.
العاشر: مساعدة مؤسسات المجتمع المدني في تقديم تصوّراتها إلى المجتمع المدني العالمي وفي إطار المفوضية العليا للتعريف بدولنا ومجتمعاتنا وتاريخنا، وفي الدفاع عن الحقوق العربية بشكل عام، ولاسيّما للتفاعل مع المجتمع المدني العالمي والتضامن معه.

 وهنا يمكن التأكيد على أهمية الحوار بين مؤسسات المجتمع المدني العربي وبين المفوض السامي لحقوق الإنسان، في إطار تبادل الرأي واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بالآراء، لبلورة رؤية شاملة لتكون قوة اقتراحية وشريكة في تفعيل هذا الدور الاعتباري والحقوقي الريادي، وستكون المسألة ضرورية ، بل حاجة نافعة لبلداننا وشعوبنا وأمتنا العربية.
_______________

*باحث ومفكر عربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة