هوية الروهينغا في مهب الديمقراطية   
الخميس 20/8/1437 هـ - الموافق 26/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:50 (مكة المكرمة)، 13:50 (غرينتش)
صلاح عبد الشكور*
تفاءل العالم كثيرًا قبل بضعة أشهر إبان انتقال إدارة البلاد في ميانمار من الحكم العسكري الذي استمر لعقود طويلة جاثما عليها إلى الديمقراطية التي كانت يوما ما حلم الكثيرين في ذلك البلد الشرق آسيوي.

أصبح هذا الحلم واقعا خلال هذا العام 2016 في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حين فاز حزب "الرابطة من أجل الديمقراطية" الذي تتزعمه أونغ سان سوتشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، ولأن دستور ميانمار يحظر على أي شخص يحمل أولاده جنسية أجنبية تولي رئاسة البلاد -وهو ما ينطبق على سوتشي التي يحمل نجلاها الجنسية البريطانية- انتخب البرلمان الميانماري هتين كياو أول رئيس مدني يتولى مقاليد الحكم في ميانمار، وهو شخص مقرب من سوتشي، وابن كاتب وشاعر معروف في ميانمار، وانتهى الأمر إلى تولي سوتشي منصب مستشارة الرئيس ووزيرة الخارجية.

يعرف العالم أن ميانمار عاشت ولا تزال أزمة حقيقية منذ عشرات السنين بسبب نظرتها إلى العرقيات التي تتألف منها البلاد، وتقسيماتها الطبقية والعرقية التي تحولت فيما بعد إلى نظام طبقي أغرق البلاد في أتون حرب لا تزال تصطلي بنارها عرقيات أصلية تعاني سياسة التمييز والتفرقة على أساس الهوية العرقية والدينية، وتأتي عرقية الروهينغا المسلمة التي تقطن غرب ميانمار في ولاية أراكان على رأس تلك العرقيات التي راحت ضحية إبادة جماعية ارتكبت في حقهم على مدى عقود طويلة استخدمت فيها الحكومات السابقة ورقة الدين والعرق وقودا لتأجيج الصراع والتأليب ضد الروهينغا المسلمين.

ورغم كل الانتهاكات وجرائم الحرب التي ارتكبت في حق الروهينغا في ميانمار فإن التفاؤل بعهد الديمقراطية الجديد كان سيد الموقف، وخاصة أن الرئيس المنتخب ورئيسة حزب الرابطة من أجل الديمقراطية ممن عانوا الاعتقال والإقامة الجبرية وسوء استخدام السلطة معهم إبان الحكم العسكري السابق، فكان الروهنغيون خاصة يتطلعون إلى عهد جديد يمنحهم حقوقهم المسلوبة وعلى رأسها حق المواطنة المسلوب ليعيشوا في وطنهم مثل بقية العرقيات وينعموا بالأمن والاستقرار بعد مشوار طويل من المعاناة والقهر. 

كراهية الروهينغا نتاج عمل ممنهج شارك فيه التيار الديني البوذي مع السياسة والإعلام لخلق رأي عام مناهض لوجود هذه العرقية مكونا أساسيا من مكونات المجتمع الميانماري
كراهية
وبقليل من المتابعة للشأن العام بميانمار، يتضح بجلاء مدى الكراهية المصنوعة ضد عرقية الروهينغا، وهذه الكراهية نتاج عمل ممنهج شارك فيه التيار الديني البوذي مع السياسة والإعلام لخلق رأي عام مناهض لوجود الروهينغا مكونا أساسيا من مكونات المجتمع الميانماري، إضافة إلى أجندات بعض المنظمات المدنية التي أسهمت في خلق عداء حقيقي ضد الروهينغا بدعم من الحكومة العسكرية، فنشأ ما يعرف بفوبيا الروهينغا بل وصل الأمر إلى سخرية الصحافة الميانمارية من الروهنيغا عبر رسوم وكاريكاتيرات مثيرة تحض على الخطاب العنصري والتمييز ضدهم بشكل سافر.

خلال الأشهر الأخيرة ومع ترقب الروهينغيين أن يحظوا ولو بكلمة واحدة من سوتشي صاحبة نوبل للسلام تفاجأ الجميع بحزمة من الإجراءات والتصريحات التي أطاحت بكل الآمال وكانت محل اهتمام المتابعين للقضية الروهينغية في العالم، ففي مايو/أيار الجاري طلبت سوتشي، وزيرة خارجية ميانمار، من سفير الولايات المتحدة التوقف عن استخدام مفردة "روهينغا" التي تشير إلى الأقلية المسلمة التي تعاني من التشرد والاضطهاد في بلادها وتعيش فيها منذ أجيال. 

وقال المتحدث باسم الوزيرة إن بلاده لن تنادي أقلية الروهينغا بذلك الاسم لأنه لا يدل على أنهم مواطنون من ضمن 135 من الجماعات العرقية المعترف بها في البلاد، وفي ذات التوقيت رفض قائد الجيش في ميانمار الاعتراف بأقلية الروهينغا المسلمة في بلاده، زاعما أنه لا وجود لهذا المصطلح الذي أطلقته بعض وسائل الإعلام على مهاجرين من أصول بنغالية يعيشون في البلاد حسب وصفه. لكن الموقف الأميركي كان واضحا حين صرح السفير الأميركي لدى ميانمار بأن بلاده ستستخدم مفردة الروهينغا لأن هؤلاء سموا أنفسهم بذلك، الأمر الذي دفع بمئات الرهبان من القوميين البوذيين إلى الخروج في مظاهرات واحتجاجات أمام السفارة الأميركية.

هنا أسئلة في غاية الأهمية يجب أن نجيب عنها: لماذا يتخوف البوذيون من استخدام مفردة الروهينغا على هذا النحو؟ ومن المستفيد من هذه الورقة سياسيا؟ وما مدى صحة ما يدعيه الراخين والحكومة بأن الروهينغا عرقية غير أصلية في البلاد؟ 

بداية ينبغي أن نعرف أن وراء التخوف من استخدام مفردة الروهينغا عدة أسباب من أبرزها أن السماح بتداول هذا الاسم يضمن ولو عرفا الاعتراف بوجود أقلية لها تاريخ طويل في المنطقة وهو ما سيؤدي يوما ما إلى الاعتراف بأنهم عرقية أصلية في البلاد، وهو الأمر الذي لا يرضاه البوذيون لأسباب دينية وعرقية، ولأن الروهينغا لا وجود لهم في العالم إلا في ولاية أراكان فإن الاعتراف بعرقية الروهينغا يسمح بوجود عرقية منافسة للراخين البوذيين في ولاية أراكان، وربما أدى ذلك إلى تخوفات سياسية عديدة لكون الراخين يتطلعون إلى حكم ذاتي ولهم آمال وطموحات في الاستقلال في ولاية أراكان يعبرون عنها في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم، ووجود عرقية أخرى منافسة لهم تختلف معهم في الديانة يوقعهم في حرج سياسي كبير وربما أعاقت تحقيق تطلعاتهم السياسية في الولاية.

وتنضاف تلك الأمور إلى أن خطاب الكراهية الذي يعمل الرهبان البوذيون المتطرفون على إشاعته لدى عامة البوذيين خلق تصورا مغلوطا عن الإسلام والمسلمين مفاده أن الروهينغا يشكلون خطرا على الهوية القومية وعلى الديانة البوذية، وصور لعموم البوذيين أن ثمة مطامح سياسية يسعى لها الروهنغيون في ولاية أراكان، وأنهم -في حال الاعتراف بهم- سوف يمتدون بدعوتهم إلى باقي ولايات ميانمار ومثل ذلك من هذه التصورات التي زرعها الرهبان عبر خطابات تحريضية ظاهرة في الملتقيات والمؤتمرات المحلية هناك.


سوتشي هي الأخرى جعلت من أزمة ومعاناة الروهينغا ورقة سياسية لكسب تعاطف الراخين وتكذيب الإشاعات التي ظهرت إبّان فوز حزبها بأنها ستمنح الروهينغيين حقوقهم كافة، وهذا بلا شك يثبّت أركان حكمها ويمنحها المزيد من ثقة الراخين والأحزاب المشاركة في العملية السياسية، ولا يستبعد أن ثمة مفاوضات وتنسيقات خفية تجريها الأحزاب البوذية ومجموعات الراخين الموجودين بكثرة في البرلمان الميانماري والحكومة المشكلة لكسر أو عرقلة أية توجهات من قبل الحكومة الحالية لمنح الروهينغيين حقوقهم المسلوبة، خاصة أن سوتشي أبدت عنصريتها حين امتعضت من مذيعة مسلمة أجرت معها حوارا وسألتها عن بعض قضايا العنف الواقع ضد المسلمين في بلادها وقالت بعد اللقاء خارج البث التلفزيوني "لم يخبرني أحد أني سأجري حوارا مع مسلمة"، ولعل هذا التصنيف الديني الذي تتعامل به سوتشي يفسر سكوتها عما يحدث لأقلية الروهينغا من مذابح وإبادات وتهجير قسري شاهده العالم بكل صوره وخاصة ما بعد الأزمة الأخيرة منذ عام 2012.

جميع الكتب التاريخية التي وثقت تاريخ ولاية أراكان تثبت وجود الروهينغا في هذه الولاية وكونهم عرقية أصلية في البلاد، وحتى في عهد الاستعمار البريطاني كان الحاكم البريطاني يثبت وجود الروهينغا وأنهم يعيشون في وئام مع الراخين، وفي المؤتمر الوطني المنعقد قبل استقلال بورما وهو أكبر تجمع وطني في بورما أقر المؤتمر بعرقية الروهينغا وبناء عليه تم إطلاق إذاعة باللغة الروهينغية وأثبت اسم الروهينغا في كل مستندات الدولة وكانت هنالك رابطة للطلاب الروهينغيين في جامعة رانغون عام 1950، وكانت الإذاعات الرسمية في ميانمار تذكر باستمرار وجود عرقيتين في غرب بورما وهما الروهينغا والراخين، وكانت الحكومة الميانمارية قد منحت الروهنغيين بطاقات المواطنة التي سحبت فيما بعد عام 1982، وهنالك مئات الأدلة التي تثبت كون الروهينغيين عرقية أصيلة في البلاد، ويبقى السؤال المحير: كيف تحاول الحكومة الديمقراطية اليوم محو هذا التاريخ وإلغاءه وطمسه من الوجود، في حق شعب مستضعف في وطنه مغلوب على أمره؟!

لم يبق للروهنغيين بعد كل هذه المحاولات المستمرة من حكومة وليدة ظهرت للتو في ميدان الديمقراطية وهي تريد بكل قسوة أن تمحو تاريخا عريقا لشعب كبير وتستميت من أجل طمس اسمه ورسمه من الخريطة كليًّا، لم يبق لهم إلا أن يعلنوا للعالم أنهم لن يتنازلوا عن أصولهم مهما كانت الأسباب، ولن يرضخوا لإغراءات الحكومات، ولن يستسلموا لكل هذه المؤامرات التي تحاك ضد أصولهم وهويتهم، مهما طال الأمر فالحق يعلو وأنصاره موجودون في كل مكان وزمان.
ـــــــــــــ

* إعلامي وكاتب، مدير المركز الإعلامي الروهينغي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة