سجين فرنسي مسلم أسود تجاهلته حكومته   
الخميس 1431/5/1 هـ - الموافق 15/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:56 (مكة المكرمة)، 14:56 (غرينتش)
 شيكو أودع سجن القوات متعددة الجنسيات في بوكا تحت رقم IQZ 000812 3 (الفرنسية)

هيثم مناع

شيكو بابا ندينغ دياكابي مواطن فرنسي بكل المقاييس القانونية, في الدستور كما في التزامات فرنسا الأوروبية والدولية، لكن مشكلته أنه أسود ومسلم.

وعوض الاتجار بأطفال من دارفور اعتبر شيكو احتلال العراق اعتداء على كرامة شعب، وقرر تعلم العربية والتوجه إلى العراق.

ولأنه لم يتدرب على السلاح ولم تكن عنده أية خبرة لا في الحرب ولا في المقاومة المسلحة، اعتقل إثر عملية تفتيش عادية كما ذكر لنا الصليب الأحمر الدولي.

ويبدو أن لون بشرته هو الدافع لتفتيشه من قبل دورية أميركية في مدينة الفلوجة العراقية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

وكانت فرنسا وقتها ما زالت تعتقد بأن احتلال العراق عملية غير قانونية وغير مجدية وتحمل مخاطر لا تحمد عقباها, لذا تم التحقيق بقسوة مع شيكو وأودع في سجن القوات متعددة الجنسيات في بوكا, وأعطي الرقم IQZ 0008123.

أخطر الصليب الأحمر الفرنسي عائلة المعتقل شيكو بابا ندينغ في باريس بأن القوات الأميركية اعتقلت ابنها وجرت مراسلات بين الأهل والإبن.

"
رفضت المحكمة الجنائية العراقية تسجيل معلومات دخول المعتقل الصحيحة إلى الأراضي العراقية وتاريخ اعتقاله من القوات الأمريكية رغم كل الأدلة
"
ومع وصول الرئيس نيكولا ساركوزي ووزير خارجيته الإنساني جدا برنار كوشنر، أصبح شيكو من منابع الإرهاب ومصادر الشر، وجرى نسيانه من قبل الحكومة الفرنسية.

ثم قامت القوات الأميركية بتسليم السجين شيكو إلى القوات العراقية في 28 مايو/أيار 2006 التي أودعته سجن فورت سوس (وهو ثكنة عسكرية سابقة بناها الروس قرب مدينة السليمانية في كردستان العراق), وتم تقديمه للمحكمة الجنائية العراقية في 10 سبتمبر/أيلول 2006.

فوضى قضائية
وتشكلت المحكمة من صائب خورشيد أحمد رئيسا وعضوية القاضيين عدنان محمد هادي وبليغ حمدي حكمت.

وحكمت عليه المحكمة بالسجن خمس سنوات وشهرا واحدا تحتسب من تاريخ 28 مايو/أيار 2006 بجريمة الدخول غير الشرعي للأراضي العراقية.

ورفضت المحكمة الجنائية العراقية تسجيل معلومات دخول المعتقل الصحيحة إلى الأراضي العراقية وتاريخ اعتقاله من القوات الأميركية رغم كل الأدلة ومراسلات السجين مع عائلته في انتهاك واضح لأبسط قواعد المحاكمة العادلة, واعتبرت تاريخ استلام الأمن العراقي له هو تاريخ دخوله الأراضي العراقية في تزوير للوقائع.

وفي 5 فبراير/شباط 2009 أصدر نائب رئيس الادعاء العام قرارا بنقض الحكم السابق وطلب إعادة المحاكمة.

وفي 18 يونيو/حزيران 2009 أصدرت محكمة جنايات كركوك الهيئة الثانية قرارا بالسجن المؤقت سبع سنوات مع احتساب مدة الموقوفية من 28 مايو/أيار 2006 وتسفيره بعد نهاية الحكم, قرارا قابلا للتمييز.

وفي هذه الفترة توفي والد السجين شيكو ومرضت أمه ولم تنجح أخواته في تحريك "السيد الإنساني" في الخارجية المشغول بملف شاليط ولا يعنيه كثيرا أمر فرنسي مسلم من أصل سنغالي ذهب للعراق.

"
مهما كانت جريمة شيكو فقد دفع الثمن، بقي الثمن الأخلاقي الذي تدفعه فرنسا من خلال صمت منظمات حقوق الإنسان فيها، وصمت وزارة خارجيتها
"
وما زال السجين يعاني من فوضى القضاء العراقي ومزاجيته في تسجيل ما يشاء من معطيات وفترة اعتقال وتغييب ما يشاء، وكأن المعتقل لم يكن سجينا في العراق في سجن للقوات الأميركية كانت تعتبرها الأمم المتحدة يوم دخول السيد شيكو بابا ندينغ محتلة للعراق.

وقد اعتقل الأمن الفرنسي عددا من العائدين من العراق ووصل الحكم على بعضهم إلى السجن سبع سنوات.

وكانت سياسة السيد ساركوزي منذ كان في الداخلية ضرورة إفهام الشبيبة المسلمة في فرنسا أن الذهاب إلى مناطق الصراع مثل أفغانستان والعراق له ثمن فادح.

 لكننا أمام حالة خاصة لعدة مظالم وقعت بحق مواطن فرنسي: التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمشينة، وتعمد إلغاء احتساب فترة من فترات الاعتقال، وأكثر من محاكمة تثير تفاصيلها الضحك أكثر مما تستدعي الاحترام، ونسيان في السجن قرر شيكو أن يكسره قبل 29 يوما بإضراب عن الطعام حتى الموت في سجنه في كردستان العراق، ومع ذلك لم ننجح بعد في جعل الصحافة الفرنسية تهتم بهذا المواطن.

فكيف يمكن للمواطن الفرنسي الأسود البشرة المسلم الديانة أن يقتنع بأنه مواطن كغيره؟ كيف يمكن له أن ينسى كيف ذهب ساركوزي لإحضار العاملين في جمعية آرش دو زويه من نجامينا عاصمة تشاد الذين حكم عليهم بجريمة سرقة أطفال، في حين لا يهتم حتى بحق شيكو في مراسلة طبيعية مع عائلته أو زيارة من قنصل فرنسا في أربيل؟

مهما كانت جريمة شيكو، فقد دفع الثمن، بقي الثمن الأخلاقي الذي تدفعه فرنسا من خلال صمت منظمات حقوق الإنسان فيها، وصمت وزارة خارجيتها، وفي التمييز في قمة السلطة بين الأسود والأبيض، وبين المسلم وغير المسلم، وبين من يتطوع  لخدمة الجيش الإسرائيلي ومن يفكر بضرورة مقاومة احتلال أميركي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة