إنجاح مسؤولية الحماية من الفظائع الجماعية   
الاثنين 1436/12/29 هـ - الموافق 12/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:55 (مكة المكرمة)، 20:55 (غرينتش)

سارة بروكماير*
وفيليب روتمان*

اتفق قادة العالم قبل عشرة أعوام على أن المجتمع الدولي يتحمل "مسؤولية حماية" الشعوب من الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي.

وبعد عقد من الزمان لا يزال السجل العالمي في الالتزام بمسؤولية الحماية سيئا حيث لا يزال مئات الآلاف من الناس في العراق وسوريا وميانمار والسودان وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوروندي ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية يشعرون بالتهديد من الفظائع الجماعية. ولو أردنا إنجاح مسؤولية الحماية بالنسبة إليهم، يتوجب علينا أن نثبت خطأ الخرافات وتركيز جهودنا على التحديات العملية للحماية.

إن العديد من المراقبين غير متفائلين بمستقبل مسؤولية الحماية حيث يتوقع هؤلاء عوضا عن ذلك اتساع الفجوة بين الغربيين الذين يدعون للتدخل وأنصار السيادة من غير الغربيين. يرى الكثيرون أن السبب الوحيد لليأس هو الصعود العالمي لقوى مثل الصين والهند، والتي تشترك النخب فيها في عدائها للنظام الذي يقوده الغرب والذي انطلقت منه مسؤولية الحماية. يرى مايكل إيانتيف من جامعة هارفارد أن مقاومة تلك الدول للتدخل سوف تصبح أكثر تأثيرا بشكل متزايد.

لكن هل السيادة هي فعلا ما تدافع عنه القوى الصاعدة؟ وهل الحماية الفعلية للشعوب دائما تتعلق بالتدخل؟

البرلمان البريطاني صوت على عدم التدخل في سوريا، والدول الغربية هي من أقل الدول مساهمة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والدول التي تلقي المواعظ فيما يتعلق بالدبلوماسية والوقاية -مثل ألمانيا- لم تحول الأقوال إلى أفعال بعد

خطأ شائع
لقد أكملنا مؤخرا -كجزء من فريق من الأكاديميين والباحثين من مراكز الأبحاث في بكين وبرلين وبودابست ودلهي وفرانكفورت وأكسفورد وريو دي جانيرو وساو باولو- مشروعا بحثيا مدته ثلاث سنوات والذي يقيّم الجدل الذي كان قائما في العقد الماضي عن الوقاية والتدخل والسيادة والمسؤولية والانتقائية والنفاق. لقد وجدنا أن النظرة السائدة بأن الصراع هو بين الغرب الذي يروج للتدخل والبقية الذين يدافعون عن السيادة هي نظرة مضللة وذلك على أساس النقطتين المهمتين التاليتين:

أولا، أن الغرب بالكاد مهتم بالتدخل دبلوماسيا أو عسكريا من أجل حماية الشعوب من الفظائع الجماعية. لقد صوت البرلمان البريطاني على عدم التدخل في سوريا، والدول الغربية هي من أقل الدول مساهمة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والدول التي تلقي المواعظ فيما يتعلق بالدبلوماسية والوقاية -مثل ألمانيا- لم تحول الأقوال إلى أفعال بعد.

إن من الخطأ كذلك تصوير البقية على أنهم يفتقدون للمشاعر ويدافعون عن مبدأ السيادة في مواجهة المعاناة الإنسانية. إن هذا التصوير يسيء لآلاف من جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة من جنوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية الذين ساعدوا في حماية المواطنين. انظر إلى القوات الجنوب أفريقية والتنزانية التي تستخدم القوة العسكرية تحت إمرة قائد برازيلي من أجل قتال المجموعات المسلحة في الكونغو وإلى العديد من رجال الدولة الأفارقة الذين لعبوا دورا محوريا في جهود الوساطة في طول القارة وعرضها. إن الصين التي عادة ما تكون مترددة عندما يتعلق الأمر بالتدخل السياسي والعسكري تلعب دورا ذا أهمية متزايدة في مفاوضات السلام في جنوب السودان.

ثانيا، أن الدعم الدولي للحماية من الفظائع الجماعية لم يمت على الإطلاق. صحيح أن إساءة استخدام الناتو لتفويض مجلس الأمن الدولي المتعلق بتغيير النظام في ليبيا سممت الأجواء وصحيح أن استيلاء روسيا الخطابي الساخر على لغة الحماية بالنسبة لجورجيا وأوكرانيا صب الزيت على النار الجيوسياسية التي أعاقت بشكل مأساوي أي عمل ذي معنى لحماية الناس في سوريا.

لكن مجلس الأمن وافق على التدخل في ليبيا، وأجاز التدخل من قبل قوة فرنسية أفريقية من أجل منع الإبادة الجماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى. إن هذا يعكس تحولا مهما مقارنة بالتسعينيات عندما لم يحرك المجتمع الدولي ساكنا بينما كانت هناك إبادة جماعية في رواندا وسربرنيتشا. واليوم عندما يحصل تداخل مع المصالح الإستراتيجية الأخرى ولا تقف في الطريق الاعتبارات الجيوسياسية الأكثر شمولا فإننا نجد أن الدول أكثر استعدادا بكثير للتصرف وخاصة ضد اللاعبين من غير الدول مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو بوكو حرام أو الثوار الكونغوليين.

للأسف حتى في تلك الحالات فإن العالم لا يمتلك ما يكفي من قصص النجاح التي تضاهي جهوده. فمن أجل حماية الشعوب بطريقة أكثر فعالية من الجرائم المتعلقة بالفظائع الجماعية يتوجب على الحكومات والمنظمات الدولية ومجموعات المجتمع المدني التركيز على التحديات العملية والتعلم من الأخطاء السابقة.

إن من الضرورات الملحة أولا الحاجة إلى نقاشات بناءه فيما يتعلق بكيفية إدارة مجلس الأمن لممارسة القوة العسكرية فبعد تغيير النظام في ليبيا فإن من غير المرجح أن تعطي القوى العالمية مجددا تفويضا مطلقا من أجل التدخل العسكري الإنساني من قبل أطراف أخرى. إن مقترحات الإصلاح من الحكومة البرازيلية وريوان زونجزي وهو مفكر صيني تعطينا نقاطا جيدة من أجل البدء بتلك النقاشات.

ثانيا، يحتاج صناع السياسات والأكاديميون والنشطاء حول العالم لمعالجة مسألة كيفية الحماية بشكل فعال. إن جميع أدواتنا (العقوبات وحفظ السلام التابع للأمم المتحدة والعمليات العسكرية) لديها سجلات متفاوتة. إن حماية الناس من جرائم الفظائع الجماعية ترتبط دائما بتقييم المخاطر وتحديد أهون الشرور في وضع معين وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكننا جميعا تبني نظرة أكثر نقدية للإستراتيجيات المفضلة لدينا والجوانب التي يصعب علينا معرفتها.

إن إحدى تلك الوسائل هو أن يتوقف كل طرف عن وعظ الطرف الآخر وأن ينخرط عوضا عن ذلك في مناقشات بناءة ومنفتحة وربما تستطيع البرازيل أو جنوب أفريقيا تعلم بعض الدروس من قيام الإدارة الأميركية مؤخرا بإنشاء هياكل للإنذار المبكر من أجل تحديد أي تهديد بارتكاب فظائع قبل حدوثها. وفي الوقت نفسه يجب أن تنقل الهند والعديد من الدول الأخرى خبراتها التي تمتد لعقود في مجال حفظ السلام التابع للأمم المتحدة لأوروبا والولايات المتحدة.

إن أيا من تلك الاقتراحات لا يتطلب حدوث اختراقات غير واقعية ضمن مواجهات جيوسياسية مشحونة للغاية وعوضا عن ذلك هي تتطلب التواضع والانفتاح على الرأي الآخر من قبل صناع السياسات في كل مكان. ونظرا لوجود آلاف الأرواح التي تعتمد على تطبيق مسؤولية الحماية فإن من الأهمية بمكان أن يتعلم قادتنا كيف يمكن إنجاحها.
_______________
* باحثة مشاركة في معهد السياسة العامة العالمي في برلين.
* مدير مشارك في معهد السياسة العامة العالمي في برلين 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة