حركة حقوق الإنسان: الحصيلة والمستقبل   
السبت 1/12/1429 هـ - الموافق 29/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:49 (مكة المكرمة)، 10:49 (غرينتش)

 

منصف المرزوقي

تحتفل حركة حقوق الإنسان العالمية هذه السنة بالذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي سنته الجمعية العامة في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1948.

لنذكر أن هذا النص، الذي لا يتجاوز صفحتين بديباجته ومواده الثلاثين الضامنة للحقوق الفردية والسياسية والاقتصادية الاجتماعية، هو أول وفاق عالمي قاطع للثقافات والعقائد والأنظمة السياسية حول الحقوق الدنيا التي يجب أن يتمتع بها كل آدمي يعيش على سطح هذه الأرض.

هو الجذع الذي تولدت عنه عشرات المواثيق والإعلانات منها العهدان الدوليان للحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية عام 1967 والمعاهدة الدولية ضد التعذيب عام 1984، ثم إعلان حقوق الطفل عام 1991. حتى النصوص الإقليمية مثل الميثاق الأفريقي أو الإسلامي أو الأوروبي لحقوق الإنسان ليست إلا زيادة أو نقصانا تدور في فلك الوثيقة المؤسسة.

هو مرجعية وكالات الأمم المتحدة التي تعنى بمتابعة إعمال هذه الحقوق من طرف الدول الأعضاء، ناهيك عن منظمات المجتمع المدني على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي والتي جعلت منه الرابط الفكري، حتى لا نقول العقائدي، الذي يجمع بين نشطاء منظمة العفو الدولية في الصين والأرجنتين، أو بين نشطاء الحركة العربية من الدوحة إلى نواكشوط.

الأهم من هذا كله أننا أمام نص يطمح ليكون أول مشروع مشترك للبشرية. ذلك ما يتضح من الديباجة: "فإن الجمعية العامة تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي يجب أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، ليسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاتهم، واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام ومن خلال التعليم والتربية، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، ويكفلون بالتدابير المطردة الوطنية والدولية الاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية". هذا ما يمكننا من القول إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو المشروع العالمي لتحقيق الإنسان.

"
حقا لا نستطيع وضع مؤشرات مرقمة لقياس ما تحقق من الحقوق التي بشر بها الإعلان، لكننا نستطيع تخيل الفراغ الرهيب لو لم يوجد النص
"
السؤال: ما الذي تحقق لحد الآن منه؟

لا أصعب من تقييم مثل هذا المشروع حيث يتسم بتعدد المستويات (الأخلاقي والتشريعي والسياسي)، وحجم المعني بالأمر (الإنسانية جمعاء)، وتنوع الوسائط (دول من كل صنف، مجتمعات فقيرة وغنية، مجتمعات مدنية حرة وأخرى مكبلة).

حقا لا نستطيع وضع مؤشرات مرقمة لقياس ما تحقق من الحقوق التي بشر بها الإعلان، لكننا نستطيع تخيل الفراغ الرهيب لو لم يوجد النص. ما يمكن قوله أيضا بصفة مؤكدة إن وجوده هذا، وبناء المؤسسات الأممية والجمعيات المدنية والحراك العالمي لنشره والدعوة لقيمه، هو في حد ذاته قفزة جبارة إلى الأمام.

هذا لا يجب أن يخفي عنا مناطق الظل كما أظهرتها تجربة العقود الستة الأخيرة.

إذا اكتفينا بمتابعة مؤشر واحد هو التعذيب فإننا نستطيع الجزم بأن العمل الحقوقي ساهم في تقليصه ولو بنسبة غير معروفة، لكن ما أبعدنا عن الهدف.

فمنظمة العفو الدولية أحصت ما وقع في نصف قرن بعد ظهور الإعلان: 153 بلدا يمارس فيها التعذيب، منها 66 بلدا بكيفية خطيرة. كما قدرت المفوضية العليا للأمم المتحدة للاجئين عام 2003 أن ربع اللاجئين في العالم، أي قرابة الأربعة ملايين نسمة، تعرضوا للتعذيب.

حدث ولا تسأل عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي. ففي عالم اليوم يجاهد للبقاء 250 مليون طفل يعملون في حالة قريبة من السخرة منهم عشرات الملايين من أطفال الشوارع وهم قرابة المليونين في مصر وحدها. وفيه أيضا يموت جوعا سنويا قرابة الثلاثة ملايين بينما يعيش ثمانمائة مليون على الكفاف المطلق.

يصبح السؤال: حتى وإن كانت حركة حقوق الإنسان بمنظومتها الفكرية والأخلاقية ومؤسساتها الأممية وحراك تنظيماتها المدنية، مجرّد عنصر من بين عناصر التحضر الإنساني، كيف يمكن رفع فعاليتها علّنا نتقدم بخطى أكثر سرعة على الطريق الطويل؟

للرد عليه لا بد من تفحّص الإستراتيجية التي اعتمدت منذ ستة عقود والتي تمحورت حول خطين أساسيين.

- الخط التشريعي الذي قادته الأمم المتحدة وأنتج كما هائلا من المواثيق والإعلانات تشكل الشرعة الدولية بطموحها لتكون دستور البشرية.

- الخط الدعوي والاحتجاجي الذي قادته منظمات المجتمع المدني على الصعيد العالمي والإقليمي والوطني وتشكل منظمة العفو الدولية أحسن ممثل له.

لنلاحظ أن الخاصية المهمة للتيار جعله من الشخص المحور النضال الحقوقي، لا كانخراط في المنظومة الفردانية لليبرالية الغربية، بل لاعتباره الإنسانية جمعاء ممثلة في كل شخص، مثلما نريد خريطة الوطن اليوم مرسومة على جلد كل مواطن.

ثمة إذن قطع جذري مع الفكرة الخطيرة الموجودة في السياسة أن الإنسانية، أو الوطن، مبدأ في المطلق مستقل عن البشر الذين يعطونه وجوده، ومن ثم يجوز في الحالات القصوى التضحية "بالثلثين الفاسدين لإنقاذ الثلث الصالح".

المشكلة أن التركيز على حالات محددة مثل تكريس كل الطاقة لإنقاذ شجرات معدودة والغابة تحترق باستمرار لأن هناك من يضرم فيها النار.

أضف لهذا أن تكديس المواثيق -على أهميتها وضرورتها- عمل سحري عندما يتعلّق الأمر بسنها أنظمة استبدادية لا هاجس لها إلا البقاء في السلطة بكل ثمن ومنه انتهاك حقوق الإنسان. أما التوجه إليها بالاحتجاج والتوصيات فكمعاتبة الذئب على "ذئبيته" أو قراءة شعر عمر الخيام في أذن غوريلا.

لو دققنا في الأسباب العميقة للنتائج المتواضعة للإستراتجيتين لاكتشفنا أنها مرتبطة بنقطة الضعف الأساسية في الإعلان.

لنتذكر أنه جاء كرد فعل على فظاعات الحرب العالمية الثانية، بضغوطات مكثفة من المجتمع المدني الأميركي والأوروبي خاصة، لكن تحت إشراف دول الديمقراطية منها استعمارية، والاشتراكية منها دكتاتورية، ودول الجنوب إما غائبة وإما تدور في فلك الأولى أو الثانية.

"
لقد كان حق تقرير المصير للشعوب المستعمرة ضمن مسودة الإعلان لكنه أسقط بضغط الدول الاستعمارية ورضوخ الدول الاشتراكية
"
مثل هذه الدول لا يمكن أن تتفّق إلا على مبادئ عامة وصيغ فضفاضة تعكس موازين القوى ولا تمس مصالحها.

لقد كان حق تقرير المصير للشعوب المستعمرة ضمن مسودة الإعلان لكنه أسقط بضغط الدول الاستعمارية ورضوخ الدول الاشتراكية.

بديهي أن مثل هذه الدول، وهي كالسباع المشدودة لبعضها بعضا بسلاسل المصالح، لا تقبل إلا بنص لا يحدد المسؤوليات عن غياب الحقوق الدنيا. هكذا اكتفت الديباجة بالتلميح لأعمال في الماضي "أثارت بربريتها الضمير الإنساني" دون تحديد الأعمال في الحاضر والمستقبل التي يمكن أن تتعهّد بربرية لم تنته بزوال الفاشية.

ولو قمنا اليوم بالمسكوت عنه في النص لاكتشفنا أن القوى التي تتسبب في انتهاك حقوق الإنسان ثلاث.

1-المنظومة الفكرية الفاسدة
إن الحروب تنشأ في العقول قبل أن تتبلور على ساحات المعارك. بداهة ثمة مسؤولية كبرى لرجال الفكر والعقيدة الذين يزرعون في النفوس أفكار الحقد العرقي والديني والطائفي والقومي.

هذه الأفكار هي بمثابة قنابل موقوتة ستنفجر يوما في وجه مئات الآلاف من الأبرياء. هي ليست نتاج الغباء أو حب الشر بقدر ما هي نتيجة ضيق رقعة الشعور بالانتماء والمسؤولية.

فالطائفي لا يعتبر نفسه منتميا إلا لطائفته ومسؤولا إلا عن مصالحها وما عداها للتجاهل والعداء، وفي أحسن الأحوال "للتسامح" أي الصبر على الموجود الذي لا يمكن التخلص منه.

زمن طويل سيمر قبل أن يتوسع شعور الانتماء والمسؤولية إلى المستوى المطلوب الذي يتطلبه خلاصنا جميعا، أي وعي كل شخص في العالم أنه لا عائلة له سوى البشرية ولا وطن له إلا الأرض.

ثمة إذن عمل جبار ينتظر كل المفكرين في كل مكان، لا لمواجهة الخصوصية بالعالمية، ولكن لبلورة أحسن ما في الخصوصية لتكون زهرة في باقة العالمية، ولبناء الطابق الأعلى من الانتماء للإنسانية والمسؤولية تجاهها على طوابق الجهة والعشيرة والشعب والأمة والدين.

2- المنظومة السياسية الفاسدة
انتهاكات الحقوق الفردية والسياسية مرتبطة بالنظام الاستبدادي ارتباط الظل بالماشي تحت الشمس. هي من خصائصه الجوهرية لذلك هو مثل الاستعمار والعبودية يحتاج للاستئصال لا للإصلاح.

الملفت للانتباه السرعة التي تأقلمت بها الدكتاتوريات مع تنامي الحركة الحقوقية عبر التجاهل أو اتهامها بالعمالة أو بتبني خطابها لإفراغه من كل محتوى.

وفي كل الحالات تبقي هذه الدكتاتوريات الطرف الأقوى في اللعبة بما أن الحركة الحقوقية تتوجه لها بمنتهى الأدب للمطالبة بالإصلاح ولا تمس بشرعية حكمها.

إنها كما تظهر تجربة الستة عقود الأخيرة سياسة الحرث في البحر، كل هذا لتجاهلها قاعدة أننا أمام بشر ومؤسسات تمثّل الجزء المظلم في الطبيعة البشرية.

لا شك أننا سنتقدم بسرعة على درب "الأنسنة" بتوخي منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي أهدافا ووسائل جديدة تسعى مهما كانت الآجال الزمنية إلى:

- تبني الأمم المتحدة نصا يجعل الاستبداد السياسي جريمة ضد الإنسانية.

- إنشاء محكمة دستورية أممية تبتّ في شرعية الانتخابات التي تجري في أي بلد مع رفض الاعتراف والتعامل مع أي نظام يستولي بالقوة والتزييف على سيادة شعبه.

- توسيع صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية لتتبع كل دكتاتور ولو كان في الحكم، ناهيك عن رؤساء أجهزة إرهاب الدولة التي يحكم من خلالها.

- إحداث جائزة نوبل معاكسة تسند سنويا لدكتاتور السنة أو للكاتب الملهم الذي يحث على الكراهية، أو للمؤسسة أو لرجل الاقتصاد الذي سببت تصرفاته في كارثة إنسانية ما أدت إلى منع الغذاء والدواء عن الملايين.

"
محكوم علينا نظرا لازدواجية طبيعتنا أن يكون النضال من أجل "أنسنة" البشرية مشروعا لا نهاية له ومعركة كل لحظة
"
3-المنظومة الاقتصادية الفاسدة
تحتضن لندن منظمة تدعى البند 19، مهمتها الدفاع عن حرية الصحافة المضمنة في هذا البند من الإعلان.

لكن لا توجد إلى اليوم منظمة تدعى البند 25 (الحق في الصحة). ولو وجدت مثل هذه الجمعية الدولية لاصطدمت بكثرة وخطورة الانتهاكات التي تتسبب فيها شركات صيدلية عملاقة تدفّع في علاج نقص المناعة المكتسب عشرة آلاف دولار سنويا، في حين لا تتجاوز كلفته الثلاثمائة دولار، وتصديها المخزي، لأنها تستحوذ على البراءة، لبلدان مثل البرازيل وجنوب أفريقيا التي تحاول صنع الدواء وتوفيره للفقراء.

هكذا لا يتحصل على الدواء إلا 5% من الأربعين مليون مصاب يموت منهم سنويا ثلاثة ملايين.

مثال من بين حالات لا تحصى لشركات عالمية كبيرة تتسبّب في كوارث بيئية واقتصادية وصحية ولا أحد يتابعها لأننا قصرنا الاستبداد، بما هو تحكم أقليّة في الأغلبية بالخديعة والقوة، على السياسة ناسين أنه آفة أيضا في عالم المال.

نحن مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالتوعية أن حالة حقوق الإنسان الكارثية اليوم ليست نتيجة قضاء وقدر وإنما أساسا نتيجة سياسات قصيرة المدى وأحيانا مجرمة يتحمل مسؤوليتها مفكرون ورجال سياسة واقتصاد ومؤسسات ودول، وأنه بقدر ما نفهم آليات الانتهاك ونتتبع مصدرها بقدر ما نرفع من فعاليتنا في تقديم العلاج.

هذا العلاج لا يكون إلا بالمراهنة على الجزء الخير من الطبيعة البشرية بالتعليم والتربية والمشاركة الجماعية. وأيضا بشدّ الانتباه إلى النصف المظلم من هذه الطبيعة والذي يتطلب منا اعتبار انتهاك حقوق الإنسان جرائم ضد الإنسانية وراءها مجرمون من مختلف الأنماط والمستويات يجب رصدهم بدقة ومتابعتهم، على الأقل تسميم عيشهم كما يسمّمون عيش الملايين.

وختاما لنذكر بالردة التي مثلتها غوانتانامو أو بمغزى محاصرة المارة في لندن بملايين الكاميرات، وواضعين بين أعيننا أن كل المكتسبات حتى في أعرق الديمقراطيات مهدّدة دوما.

محكوم علينا نظرا لازدواجية طبيعتنا أن يكون النضال من أجل "أنسنة" البشرية مشروعا لا نهاية له ومعركة كل لحظة.
ــــــــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة