نص رسالة شبيلات لوزير الداخلية الأردني   
الخميس 1430/11/10 هـ - الموافق 29/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 10:46 (مكة المكرمة)، 7:46 (غرينتش)
المعارض الأردني ليث شبيلات بعد تعرضه للضرب
رسالة مفتوحة من ليث فرحان شبيلات إلى وزير الداخلية الأردني نايف سعود  القاضي
 
28-10-2009
 
الأخ العزيز نايف القاضي
وزير الداخلية المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،  
  
فقد اتصل بي زميلي نقيب المهندسين المفضال المهندس عبد الله عبيدات مساء أول أمس، وأبلغني بأنك اتصلت به، معلماً إياه بجدية الحكومة في إجراء التحقيق في حادثة الاعتداء علي، وأنك تطلب مني -عبره- التعاون  في هذا الأمر. ورأيت أن أوثق خطياً ما أجبت الزميل عبيدات به، إضافة إلى أقوال أخرى أود عرضها عليكم.
 
قلت لماذا يكلمني نايف من خلالك؟ ألا يفترض أنه صديق! ألا يجدر بابن القاضي (مش الوزير) أن يسأل عن ابن الشبيلات في المستشفى ليطمئن عليه خصوصاً إذا كان الاعتداء كما يدعون "طوشة بين مواطنين"؟.
 
لماذا لم يسأل أي مسؤول عني لولا أن المريب كاد أن يقول خذوني؟ لو تعرض سائح صهيوني أو غربي لاعتداء أبسط من هذا، لتراكض أكبر المسؤولين لتفقد المصاب في المستشفى.
 
ثم إنني، في بادئ الأمر، أحجمت عن اتهام أحد حتى رأيت تصرفات الأمن العام وكيف أنهم أخذوا الذين كانوا موجودين في المخبز إلى مخفر المدينة وأرهبوهم وأتوقع  أنهم أجبروهم على أقوال تؤيد رواية الأمن الرسمية بأن الاعتداء علي كان "طوشة" ليست داخل المخبز كما أقول، وأنها حدثت بسبب ملاسنة حول تعليقي على لباس "خمسة قبضايات من البلطجية". يا عيب الشؤم!.

وبهذه المناسبة أشكر الأشخاص الأربعة أو الخمسة الذين كانوا في المخبز وحاولوا رد العدوان عني عندما هوجمت من الخلف، وأعتذر من الذين احتجزوا لساعات طويلة بذنب أنهم شاهدوا الجريمة.
 
لا أرغب، حتى هذه اللحظة، في اتهام  الأجهزة الأمنية بتدبير الحادث، ولكنني أتهمها حتما بالتواطؤ والتزوير لتغطية الجهة التي ارتكبت الاعتداء -والتي سآتي على ذكرها- الجهة التي لم تستشر الحكومة أو المخابرات أو الأمن بنيتها للاعتداء علي، الجهة التي أصبحت من القوة والطغيان بحيث باتت لا تقيم وزناً لأي حكومة أو لأي جهاز أمني. هذا ما سماه عبد الحليم قنديل بـ"البلطجة الرسمية" وهو يفنّد ادعاءات الصحفي الأردني الفصيح  -لا فض فوه- على الجزيرة.
 
ولذلك، وقبل أن يصدر تصريح الناطق الإعلامي للأمن العام حول "الطوشة" أجبت أحد الصحفيين على سؤاله: هل تعتقد أن الحكومة وراء الاعتداء؟ بقولي "ليش هل هنالك حكومة بمعنى الحكومة حتى أعتبرها خصماً؟".
 
هؤلاء الذين في الحكومة لا هم بالعير ولا وهم بالنفير. إنهم لا يستشارون.  فلما صدر التصريح الأمني العتيد الذي حرف الحقائق مستنداً إلى إرهاب الشهود أكد أن الحادث ليست له أبعاد سياسية، وأن الأجهزة قد باشرت بالتحقيق (سبحان الله: إنه الوحي الذي يخبرنا عن النتائج قبل المباشرة بالتحقيق؟!).
 
ثم عندما رأيت أنه لا أحد من السلطة أو ممن هم محسوبون على السلطة قد أطل علي، أو هاتفني، أيقنت أن الخنادق قد تمايزت وأن الحكومة قد وضعت نفسها في خندق البلطجية المعتدين.
 
فكيف تريدني أيها الزميل النقيب أن أثق بتحقيق يبدأ بهذا الشكل! خصوصاً وأن جميع التحقيقات في الحوادث المشابهة نامت نومة أهل الكهف منذ سنوات.

أخي نايف قبل حوالي ثماني سنوات، تعرضت لاعتداء مشابه وتكسير سيارتي، وعندها فبرك مدير شرطة العاصمة آنذاك على الملأ قصة "أن ابني هو الذي قام بتكسيرها" بينما قال لي بيني وبينه: "المرة القادمة بنكسر راسك إذا تطرقت لما يخص سيدنا". ووقتها وثّقت ذلك كله في مقال نشرته صحيفة القدس العربي.

وكان ذلك الاعتداء قد تم على إثر محاضرة لي في مجمع النقابات حول "المواطنة الصالحة" ذكرت فيها أن المواطن الصالح لا يسكت عن تسجيل أراضي خزينة المملكة باسم أي شخص مهما علا شأنه، وأن علي أبو الراغب ارتكب جرماً بوضعه لغماً تحت العرش يستحق الحساب على فعلته تلك لأنه هو المحاسب دستورياً وليس الملك، حينها كتبت القدس العربي ما معناه، كلما نسي الناس ليث الشبيلات المعتزل الذي ليس له نشاط إلا أن يدلي برأي من وقت لآخر كأي مواطن صالح قامت الحكومة بإعادته للأضواء في تصرفات حمقاء.
 
آنذاك، بعد عدة أيام من المحاضرة وبفضل الاعتداء علي اضطرت "الجزيرة" التي لم تكن قد أذاعت ما قلت إلى إذاعته رابطة إياه بالحادثة. فلم يبق أحد في العالم العربي إلا وعلم بقصة الأراضي بعد أن لم يكن قد سمع ما قلت حولها إلا خمسون شخصاً. وها هي الفصاحة ذاتها مستمرة.
 
وأكشف اليوم، ولأول مرة بأنني لم أعلن موقفي ذاك إلا بعد أن استنفدت النصح. فقد زرت يومها الأخ زيد الرفاعي رئيس مجلس الأعيان في بيته خصيصاً لطرح هذا الموضوع وقلت له: يا أبو سمير! الموضوع الذي سأحدثك فيه لا ينبغي أن يصدر مني لأنهم سيتهمونني في نيتي كمعارض.
 
أليس من مسؤوليتك أن تدافع عن العرش وأن تبادر لإبلاغ الملك وأنت الغيور عليه ولا يشك في نيتك، أن الرئيس علي أبو الراغب قد غشه ووضع لغماً تحت عرشه بتزيينه له تسجيل أراضي الخزينة باسمه. ظناً منه أن ذلك سيخلده في رئاسة الوزراء! فأذهلتني إجابته "المخلصة" للعرش: "إنكم لا تفهمون سيدنا! سيدنا عنده مشاريع كثيرة لخدمة الناس وتصطدم بالروتين وبهذه الطريقة يستطيع أن يخدم أكثر". فخرجت من عند رئيس مجلس الأمة وأنا ألطم حظ الشعب الأردني بمسؤوليه.
 
هل هنالك إخلاص أكثر من هذا؟ هل كان هذا التصرف مني طلباًً للنجومية؟ أن أبدأ النصح بهذه الطريقة مستعيناً بزيد الرفاعي ظاناً أنني بذلك قد حصلت للشعب على "رأس كليب". أقسم بالله عليك يا أخ نايف إن كنت قانعاًً بمنفعة ذلك للعرش وأنه لا يشكل أي خطر عليه فإنني سأعلن على الملأ بأنني مخطئ.
 
فإذا كان جيداً.. فلماذاً السرية والكتمان والاعتداء على الذين يعتقدون في رأيهم أنهم يدافعون عن خزينة الشعب؟ سيأتي يوم أرجو ألا أشهده يقول الملك فيه: آه! لو أنني استمعت إلى ذلك المزعج ولم أسمح للمنافقين بتزيين الألغام لي على أنها ألعاب نارية احتفالية.
 
وتذكر قبل ذلك محاضرتي في إربد حول وعد بلفور التي حوكمت عليها بإطالة اللسان. لم يدر عنها أولا سوى مائتي شخص من إربد، ثم قامت الحكومة بإشهار المحاضرة بمحاكمتي، فنشرت قرار الادعاء في الصحف اليومية، فلم يبق أردني إلا وقرأها ثم نشرت في كل الإعلام العربي. وخذ يا فضيحة. 
 
ومن المضحك أن ما قلته في المحاضرة عام 1995 لا يرقى إلى كثير مما هو مذكور في كتاب ترحب به حكومتكم وتتبناه وتفتخر به وقد نفد عدة مرات من مكتبات عمان، أعني كتاب آفي شلايم الذي يؤرخ للملك الراحل وعنوانه "The Lion of Jordan" قد يكون أنني لو ألقيت المحاضرة بالإنجليزية لما حوكمت. 
 
والآن وبعد أن أصبح الموقف الرسمي موافقا لما قلته سابقاً، ألا يستدعي ذلك  اعتذاراً من الحكومة؟.
 
بعد أن عدت إلى المنزل من المستشفى زارني جيراني، وهم رواد المسجد المجاور لبيتي، فأعلموني بأنهم شاهدوا أشخاصاً عديدين من خارج الحي، وكلهم جسام، يحومون حول الجامع وبالقرب من بيتي بشكل غريب في ذلك الصباح. وحدثني بعض من تأخر منهم لما بعد شروق الشمس أن هؤلاء غادروا بعد الشروق بمدة وهو الوقت الذي خرجت فيه من منزلي. وقد ربط جيراني بين زوار الفجر هؤلاء بالحادث عندما سمعوا به.
 
سألت زميلي نقيب المهندسين: قبل أن أتعاون في التحقيق حول الاعتداء علي، فليعلمك الوزير عن نتيجة التحقيق في الاعتداء عليكم وعلى زملائكم أمام وزارة الزراعة!.
 
وما هي نتيجة التحقيق في الاعتداء على النائب المعارض الشيخ علي العتوم؟
وما هي نتيجة التحقيق في الاعتداء على الكاتب ناهض حتر الذي فقد جزءا من أمعائه جراء الضرب من مجهولين، وما يزال يعاني من ذلك حتى اليوم؟
وما هي نتيجة التحقيق في حادثة خطف الشاعر الضرير ماجد المجالي وضربه وإلقائه في الفلاة؟
 
ثم ما هي نتيجة التحقيق في الاعتداء على الزميل بادي الرفايعة أمام النقابات؟
وكذلك ما هي نتيجة التحقيق الذي أمر به صاحب الجلالة في حادثة الاعتداء على مدير مكتب الجزيرة ياسر أبو هلالة (وهذا تحقيق بأمر ملكي). وغيره وغيره وغيره.
 
وأخيراً وليس آخرا ألا تذكر تصريح وزير الإعلام الفصيح يوم حادثة خالد مشعل؟ ولولا بطولة أبو سيف الحارس الشخصي لخالد مشعل وإمساكه بالمجرمين الصهاينة وإصراره على عدم تغيير أقواله في المخفر لثبت التصريح الرسمي الكاذب للأمن العام وقتئذ بأن أبو سيف اعتدى على سياح كنديين، إنها أفلام بلطجة متكررة.
 
متى يتوقف هذا العيب؟
أنا أتمنى أن تكون هنالك حكومة قوية يمون فيها الوزراء ولو خاصموني لأنني مهما اختلفت معهم فإنني لا أفقد الحس بالأمان.
 
يا أخ نايف أليس معيباً أن لا أشعر بالأمن وأنت وزير داخلية؟
 
الدمع يسيل من عيني حزناً على الأردن وأنا أقارن بينك وبين ما سمعته من والدي رحمه الله عن والدك وصديقه الشيخ حديثة الخريشة رحمهما الله.
 
فمما يذكره، عندما كان الوالد رئيساً لديوان الملك المؤسس الذي يحترم الرجال ويعرف مقامهم أن اثنين من زعماء العشائر بالخصوص ملآ عيني فخراً  والآخرين لم يكونوا بعيدين عن هذا المستوى: الشيخ حديثة خريشة والشيخ سعود القاضي.
 
قال الوالد: كان عندما يجلس أحدهم إلى الملك عبد الله الأول وما أدراك من الملك عبد الله وأنا رئيس الديوان أنظر إليهما محدثاً نفسي قائلاً: الله أكبر من فيهم الملك؟ من شدة ما يظهر على الشيخين من عزة وكبرياء. فيا ابن ذلك العملاق ويا أخا المرحوم البطل العفيف طراد، أنا على عهد فرحان، فكن أنت  على عهد سعود وطراد من أجل الأردن الذي نحب لا من أجل ليث. إذا لم ننصح صاحب الشأن بما يجنب بلدنا ويجنب عرشه الاهتزاز فبئس الإخلاص مثل ذلك الإخلاص؟
 
لماذا يخافون من معتزل للنشاط السياسي (لا يمكن أن يعتزل المواطنة الصالحة بالسكوت عن الباطل) وهو يعلن بجرأة على الملأ وعلى الفضائيات: أنا أحب بلدي ولا أسمح لنفسي بإدخاله في مغامرات داخلية تسبب الفتن. لا أقول ذلك متذبذباً كالآخرين الزاعمين عشقهم النفاقي للملك، بل أعترف بأنه لا يجمع بيننا كثير من الحب المتبادل فما ضر ذلك؟ فإنما يأسى على الحب النساء!.
 
لكنني أحب الأردن والأردن يحتاج في استقراره إلى استقرار العرش، أحببت الجالس عليه أم لم أحب، ويحتاج إلى عدم التلاعب بالنظام، واستقرار العرش يحتاج إلى جهد من صاحب العرش تماماً كما يحتاج إلى جهدنا. فمن الذي يتلاعب بالنظام ويتسبب في اهتزاز العرش؟ أأنا وصحبي ممن يحاولون النصح أم رؤساء الحكومات والوزراء الذين يرون المسيرة نحو الحفر والألغام فلا يجرؤون على تنبيه من "يعشقون" زعماً بأن هذا ضار له ولعرشه ولبلده.
 
أخي نايف
إذا توقف المسؤولون عن تفكيك النظام فالنظام بخير.
أنا لم أعتزل النشاط السياسي خوفاً من حكومة أو من بلطجة رسمية، بل لا يزيدني العنت إلا صلابة، وأعلم أن المقصود هو تخويف الآخرين حتى لا يدافعوا عن البلد والعرش..
 
وإنما اعتزلت السياسة يأسا من الإصلاح الرسمي فإن أردت أن تخدم النهج الأليم الذي تسيرون عليه فابتعدوا عن إعادتي إلى الأضواء، وافرحوا بتفرغي لعملي الهندسي الذي عاد يملأ وقتي بعد أن كنت متفرغاً للسياسة ولكم قبل سنوات.
 
أما إن أردت أن نخدم -أنت وأنا- وطننا فأهلاً بك في زيارة أخوية لبيت أخيك ابن فرحان نتحدث فيه عما ينفع إذ يسعدني أن أنصح لكم من أجل بلدي.

والسلام مع الاحترام
المهندس ليث الشبيلات
 
نسخة إلى الزميل نقيب المهندسين وفقه الله بالإشارة إلى المحادثة الهاتفية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة