الاستيطان والتطهير العرقي في غور الأردن   
الاثنين 6/11/1437 هـ - الموافق 8/8/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)

خليل التفكجي

ركزت السلطات الإسرائيلية خلال الأعوام الماضية على عملية الاستيطان في منطقة الأغوار التي تعتبر من الناحيتين الاقتصادية والمائية مستقبل الدولة الفلسطينية.

لكن الأطماع الصهيونية في المنطقة بالإضافة إلى الأسباب السياسية في قضية رسم الحدود مع أي دولة ستقام مستقبلا بالضفة الغربية جعلتها ذات أفضلية قومية بالنسبة للحكومات الإسرائيلية.

وقد كانت الأسباب في البداية أمنية، ثم تحولت فيما بعد إلى سياسية واقتصادية، وقد رصد هذا الاتجاه خلال الأعوام الماضية التي بدأت برئيس حزب كاديما شاؤول موفاز عندما أعلن -وهو في رأس الهرم الأمني وزيرا الدفاع- أن غور الأردن منطقة لا يمكن الانسحاب منها.

وفي رغبة إسرائيلية باستخدام الأمن، ونظرا لما يمور في العالم العربي من تطورات سياسية وأمنية فقد تم تكليف طواقم أمنية وعسكرية للتخطيط لبناء جدار على طول الحدود مع الأردن، وهذا ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين قال إن "المنطقة وامتداد الحدود مع الأردن سيبقيان تحت السيادة والسيطرة الإسرائيلية، وإن إقامة الجدار وسيطرة الجيش الإسرائيلي على الحدود مع الأردن بمثابة وسيلة لمنع تسلل المقاتلين وتهريب الأسلحة".

وسيساهم الجدار -وفق نظرية نتنياهو- في الدفاع عن أمن إسرائيل، خصوصا في ظل الزلازل السياسية التي تعصف بالمنطقة التي ما زالت نتائجها وتداعياتها مبهمة.

وتطبيقا لهذه السياسة بدأت الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ عمليات هدم واسعة لمساكن وتجمعات المواطنين الفلسطينيين في منطقة الأغوار، وذلك في سياسة مبرمجة للتطهير العرقي وتحويل المناطق إلى مناطق عسكرية للتدريب، وأخرى محميات طبيعية أو مناطق عسكرية مغلقة، وقد تبع ذلك بناء استيطاني محموم.

وقد جاء ذلك متزامنا مع التقرير الإستراتيجي الصادر عن "مجلس السلام والأمن"، و"قادة من أجل أمن إسرائيل" الذي يضم مجموعة واسعة من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين السابقين، وقد تناول هؤلاء الأسباب الداعية إلى حاجة إسرائيل الأمنية لمواصلة سيطرتها على غور الأردن وضم مناطق واسعة في غرب الضفة الغربية إلى إسرائيل بعد التوصل إلى اتفاق.

وفي هذا السياق، تقدمت النائبة ميري ريغف عن حزب الليكود بمشروع قرار إلى لجنة سن القوانين الإسرائيلية بضم الأغوار وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها، وقد وقع على المشروع 18 عضوا في الكنيست من الائتلاف والمعارضة.

وكانت إسرائيل قد تبنت رسميا في اجتماع لمجلس وزراء معني بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية نهاية 2005 توسيع الاستيطان في غور الأردن، وخلال شهرين أعلن عن مشاريع استيطانية وإقامة مناطق صناعية وتحويل أجزاء كبيرة من الأراضي التي انسحبت منها في البحر الميت إلى أملاك دولة، كما وضعت المستوطنات في خريطة الأفضلية القومية لامتلاك الأراضي التي تشمل 78 مستوطنة، منها مستوطنات الغور.

تسارع الاستيطان في الأغوار مباشرة بعد حرب 1967 بسبب موقعها على امتداد أطول جبهة عربية مع إسرائيل لفرض الأمر الواقع وفي محاولة لرسم الحدود الشرقية "لدولة إسرائيل" واعتبارها حدا فاصلا مع العرب
تضييق ونزوح
كما كشفت صحيفة هآرتس أقوال الضابط في جيش الاحتلال عيناف شيلو -وهو عضو في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست- بشأن الأساليب التي ينتهجها الجيش للمحافظة على المناطق العسكرية في منطقة "ج" من خلال دفع السكان إلى النزوح من بيوتهم وأراضيهم، إضافة لأعمال التنكيل والتضييق اليومية مثل تخريب الأرض والحرمان من رخص البناء والماء والكهرباء.

وأضاف شيلو أن الجيش يكثف تدريباته في غور الأردن لإجبار السكان على ترك المنطقة لتقليص عدد الفلسطينيين. أما وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أرئيل من حزب البيت اليهودي فقد اقترح طرد بضعة آلاف من العرب في المنطقة "ج" وضمها إلى إسرائيل، وهي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية.

وفي مطلع 2013 ذكرت جريدة هآرتس أن أكثر من خمسة آلاف دونم من أراضي الأغوار -وهي ملكية خاصة للفلسطينيين- قد تم وضع اليد عليها، وأنه خلال السنوات الأخيرة وتحت حماية القيود العسكرية المفروضة على دخول الفلسطينيين إلى منطقة الأغوار ازدادت نسبة الأراضي الفلسطينية التي يستغلها المستوطنون بنسبة 110%، وشهد عام 2012 تحويل 2380 دونما من الأراضي الفلسطينية الخاصة لصالح المستوطنين، وتسيطر المستوطنات على الأحواض المائية، ويمنع الفلسطينيون من استغلال شواطئ البحر الميت، وهو ما جعل أي مصير للدولة الفلسطينية محصورا بين فكي كماشة.

بدأ الاستيطان الإسرائيلي للأغوار مبكرا، وذلك لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، حيث تسارع مباشرة بعد حرب 1967، بسبب موقعها على امتداد أطول جبهة عربية مع إسرائيل لفرض الأمر الواقع وفي محاولة لرسم الحدود الشرقية (لدولة إسرائيل) واعتبارها حدا فاصلا مع العرب، ووضع لتطبيق ذلك معظم النظريات الأمنية والإستراتيجية الإسرائيلية.

وانبثقت من خلال هذه النظريات رؤى اقتصادية تنطلق من كون المنطقة هي الأكثر خصوبة للزراعة والثمار المبكرة، خاصة وجود الأحواض المائية الشرقية التي ساعدت على تصدير الفائض السكاني باتجاه الأغوار لتحقيق أهداف سياسية والمزيد من السيطرة والهيمنة.

وقد بدأ التطهير العرقي يأخذ منحى واضحا في عام 2004 وذلك تنفيذا للمشروع الذي صدر في التاسع من يناير/كانون الثاني 2004 والذي أطلق عليه اسم "مشروع المستوطنين" والذي يقضي بتقسيم الضفة الغربية إلى ستة أقاليم وعزلها عن بعضها البعض، وقد استخدمت إسرائيل هذا المشروع في عزل منطقة الأغوار بحيث لا يسمح لغير ساكنيها بالمكوث في المنطقة من دون تصريح.

كذلك بدأت سياسة إخراج التجمعات البدوية الموجودة بالمنطقة عن طريق ترحيلها أو هدم منازلها، وهذا الموضوع يندرج ضمن ما يطلق عليه تنظيف المنطقة من السكان حتى لا تصبح عبئا أمنيا أو سياسيا في المستقبل، خاصة أن الجانب الإسرائيلي في اللقاءات الأخيرة مع المفاوض الفلسطيني طرح جعل منطقة الغور منطقة عسكرية تحت السيطرة الإسرائيلية.

ونتيجة لهذا الموضوع بالإضافة إلى موضوع الديموغرافيا الفلسطينية بدأت إسرائيل بعملية هدم المنازل وترحيل البدو من مناطق الأغوار (الحديدية، الفارسية، خربة حمصة، خربة عاطوف) حتى بلغت وفق أحدث التقارير 283 مبنى مدمرا و404 أشخاص مرحلين خلال شهر واحد من العام 2016، وانطلقت هذه السياسة باتجاه منطقة شرق محافظة القدس (مخماس)، وغرب محافظة القدس (بدو، بير نبالا، الجيب)، ثم المنطقة الجنوبية من محافظة الخليل (يطا، إذنا).

وقد خلق ذلك واقعا على الأرض صعب الزحزحة يحتاج إلى زعماء أقوياء لتغييره إن أرادوا ذلك أصلا، ففي الضفة الغربية والقدس هنالك أكثر من 750 ألف مستوطن، وفي كل عام يزداد هذا العدد حتى أن فترة السلام كانت الفرصة الذهبية لهذه الزيادة.

هل حقا إسرائيل تريد قيام دولة فلسطينية أم أن هنالك مشروعا آخر في الذهن الإسرائيلي بأن الدولة الفلسطينية في مكان آخر، وهو ما أكدته صحيفة يديعوت أحرونوت الصادرة في الرابع من يوليو/تموز 2013 حين قالت إن "عودة السيطرة الأردنية على الضفة الغربية هي أفضل حل باعث للاستقرار، ولا يوجد حل غيرها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة