رحلة شاقة في العراق للبحث عن جثث المغدورين   
الأربعاء 21/4/1436 هـ - الموافق 11/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)

بغداد-الجزيرة نت 
 

بعد سنوات من اختفاء قريبه في ظروف غامضة أثناء توجهه إلى العاصمة بغداد صيف 2007 لزيارة ابنته المتزوجة في أحد أحياء العاصمة، تمكن أبو عمر مؤخرا من التعرف على مصير قريبه أنس (30 عاما).

يقول أبو عمر (40 عاما)، وهو اسم مستعار، للجزيرة نت إن قريبه الذي يسكن محافظة ديالى "مدفون في أحد القبور في وادي السلام بكربلاء. كانت نهايته مفجعة، وخلّف وراءه أسرة تتوق لمعرفة ما آل إليه مصيره".

أما عن كيفية وصول أنس إلى كربلاء جثة هامدة، فيعتقد قريبه -الذي تعرف على صورته من بين آلاف الصور العائدة لمغدورين- أن الدلائل تشير إلى أن قريبه اختطف بالعاصمة من قبل إحدى المليشيات التي كانت تقتل ضحاياها على الهوية، ورُميت جثته بمكان منزو شرقي بغداد، ليتم بعد ذلك نقلها إلى دائرة الطب العدلي. ويضيف أبو عمر "حين لم يتعرف عليه أحد إذ ذاك نقل لكربلاء مع الكثير من الجثث الأخرى ليدفن في مكان خاص بمجهولي الهوية في مقبرة وادي السلام".

في مقبرة كربلاء الخاصة بالجثث (الجزيرة)

صور وجثث
وعملية الوصول إلى مصير أنس لم تكن سهلة، فقد استغرق البحث عنه سنوات عدة قبل التمكن من الوصول إلى قسم خاص بعشرات الآلاف من الصور بالطب العدلي العائدة لمجهولي الهوية.
 
ويؤكد أبو عمر أن الصورة التي رآها لجثة قريبه كانت مشوهة بدرجة كبيرة وتحمل آثار تعذيب، ولولا وجود علامات فارقة على جسده لما تمكنت أسرته من التعرف عليه من فرط ما تعرض له من حروق ومن تشويه، مضيفا أن "كل المغدورين ممن كان يعثر على جثثهم بالعاصمة يتم التقاط صور لجثثهم، ويعطى لكل صورة رقم يماثل رقم القبر العائد لتلك الجثة لتسهيل عملية التعرف على صاحب الجثة من قبل ذويه لاحقا".
 
وقد تصاعدت وتيرة أعمال العنف الطائفية منذ 2005 وحتى مطلع 2008 وكانت العاصمة بغداد تستفيق يوميا على عشرات الجثث، وأحيانا أكثر من ذلك دون أن يتم التعرف على الكثير منها، في حين ألقيت مئات الجثث لمغدورين في بركة تسمى "السدة" شرقي العاصمة وكانت مركز نشاط لما يسمى جيش المهدي التابع للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر.
 
وتُعد مقبرة وادي السلام -التي افتتحت قبل نحو ثلاثين عاما وتحوي عشرات الآلاف من القبور- واحدة من ثلاث مقابر في المدينة. لكنها المقبرة الوحيدة التي ضمت رفاتا لمجهولي الهوية بلغ عددهم نحو 6000 شخص، بحسب العاملين بتلك المقبرة.

مليشيات علنية وسط بغداد (الجزيرة)

عودة الخطف
ولم تنته تلك القصص حتى الآن، وفي مقهى شعبي وسط مدينة الشعلة شمال بغداد، يجلس "أبو العميلة" -ويطلق عليه هذا الاسم لأنه متخصص في عمليات الاغتيال حين كان عضوا بمليشيا جيش المهدي- بانتظار عروض جديدة ترده للبحث عن جثث مخطوفين عراقيين، وهو كعمل "تعاقدي" امتهنه بعد عودة عمليات الخطف من جديد إلى العاصمة عقب الظهور العلني للمليشيات الشيعية في أعقاب سقوط الموصل في يونيو/حزيران الماضي بيد تنظيم الدولة الإسلامية.

يقوم أبو العميلة بالبحث عن الضحية في مكبات النفايات والساحات العامة والمناطق البعيدة المهجورة ويسلمها لذويها مقابل 20 ألف دولار.

وينقل قيس المشهداني (50 عاما) تفاصيل لقائه بأبي العميلة بعد تكليفه بالبحث عن ابنه الذي اختفى في ظروف غامضة قبل ثلاثة أشهر في منطقة قريبة من الكاظمية شمال بغداد، ويقول للجزيرة نت "كنت متأكدا أن ابني قد قتل، فلم يأخذ مني الخاطفون بعد اتصالهم بي الفدية البالغة خمسة آلاف دولار، حينها سمعت بأبي العملية من قبل بعض المعارف".

ويضيف المشهداني "وجدته بأحد المقاهي شمال بغداد، واتفقت معه على مبلغ 20 ألف دولار، وبعد أسبوعين دلني على جثة وكانت مرمية الطب العدلي وسلمته المبلغ".

عوائل تبحث عن ذويها في الطب العدلي (الجزيرة)

ثلاجات الجثث
وفي موازاة ذلك، يتملك حاكم عيادة (43 عاما) شعور بالخوف من الجثث المنتشرة في ثلاجات الموتى في بغداد، وما زالت هذه مهنته في الطب الشرعي منذ سنوات. وحين تسأل عيادة إن كان يشم رائحة الموت، يجيب "لا". ويعترف عيادة بأنه قرر ذات يوم ترك وظيفته في نقل الجثث إلى الأبد عام 2005 بسبب ما شاهده من مناظر بشعة في التمثيل بالجثث والكي والطعن والذبح والخطوط الزرق على الأجساد من كثرة التعذيب.

وأكد عيادة أن "الأطباء والعاملين بالثلاجات التابعة للمستشفيات يواجهون تهديدات مستمرة من المليشيات التي ترفض أحيانا تسليم الجثث إلى ذويهم أو تحاول الحصول منا على معلومات عن أهل القتيل".

وتبقى أعداد العوائل التي ما زالت تبحث عن جثث المغدورين أكثر بكثير من تلك التي وجدت الجثث.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة