هل أحالت السلطة حقا جرائم إسرائيل للجنائية الدولية؟   
الأحد 11/2/1437 هـ - الموافق 22/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:22 (مكة المكرمة)، 10:22 (غرينتش)

عبد الرحمن محمد علي

كثر الحديث مؤخرا عن المحكمة الجنائية الدولية بعد أن أصبحت فلسطين عضوا في نظام روما المؤسس لها.

كما كثرت التصريحات الرسمية وغير الرسمية من قبل السلطة الفلسطينية، فضلا عن بعض المنظمات الحكومية وغير الحكومية، زاعمة أن المدعية العامة ستحقق في جرائم الاحتلال، وأن الكثير من الشكاوى أرسلت إلى هذه المحكمة، وأن بعض الملفات الخاصة بمتهمين من دولة الاحتلال وصلت إلى مكتب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية.

والسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق في الأساس بمدى صحة هذه التصريحات ودقتها.

فحسب المادة (14) من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية فإن فلسطين بوصفها دولة عضوا في المحكمة تستطيع أن تحيل للمحكمة الجنائية كليا أو جزئيا الجرائم المرتكبة في أرض فلسطين إلى المدعية العامة من أجل فتح تحقيق رسمي في ذلك. وهذا إلى الآن لم يحدث على الإطلاق.

ولفتح تحقيق جنائي فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة في فلسطين ليس هناك إلا ثلاث طرق تنص عليها المادة (13) من نظام روما، وهي:

1 - أن يحيل مجلس الأمن القضية إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية مثل ما حدث في ليبيا والسودان، وهذا لن يحدث لأسباب معروفة.

2 - أن تحيل فلسطين القضية بوصفها دولة عضوا في المحكمة إلى المدعية العامة وتطلب منها رسميا فتح تحقيق. وهو ما لم يحدث إلى الآن.

3 - أن تفتح المدعية العامة من تلقاء نفسها تحقيقا كاملا في قضية فلسطين.

لماذا يستغفل قادة فلسطين شعبهم عندما يعلنون صباح مساء أنهم أرسلوا ملفات الجرائم الإسرائيلية إلى المحكمة الجنائية الدولية وأن المحكمة ستحقق قريبا في هذه الجرائم؟

دائرة تمهيدية
ودولة فلسطين إلى الآن لم تحل الجرائم المرتكبة في فلسطين لسبب قانوني بسيط وواضح، وهو أنه حسب البند (45) من قواعد لائحة المحكمة (Regulation of the Court) التي تذكر أنه "يخطر المدعي العام رئاسة المحكمة كتابيا بمجرد أن تحيل إليه دولة طرف حالة ما بمقتضى المادة (14)..".

كما يشترط البند (46) من قواعد لائحة المحكمة على "رئاسة المحكمة أن تحيل القضية المحالة إلى المدعي العام من قبل دولة طرف فور إخطار المدعي العام لرئاسة المحكمة بذلك وفقا للبند (45) إلى دائرة تمهيدية مكونة من قضاة المحكمة".

وهذا يعني أن فلسطين لو أحالت قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية وإلى مدعيتها العامة، فإن على رئاسة المحكمة المكونة من قضاة المحكمة أن تنشئ فورا دائرة تمهيدية باسم حالة فلسطين، مكونة من ثلاثة قضاة، لكن هذا ما لم يحدث ببساطة لأن دولة فلسطين لم تحل أية قضية إلى المدعية العامة.

من الممكن أن تقول فلسطين إنها لا تريد أن تحيل القضية رسميا، ولكنها تريد من المدعية العامة أن تقوم بذلك من تلقاء نفسها حتى يظهر للعالم أن المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية هي التي فتحت تحقيقا لأن المدعية لها الحق حسب نظام روما، لكن ذلك يتضمن الكثير من المخاطر، وأولها أن المدعية العامة قد تستغرق سنوات عديدة قبل أن تقرر فتح تحقيق من تلقاء نفسها عندما تكون الجرائم واقعة على أرض دولة عضو مثل فلسطين. فمثلا منذ إنشاء المحكمة عام 2002 وإلى اليوم ما زال مكتب المدعي العام يبحث فتح تحقيق في أفغانستان.

وهناك مثال آخر: فمنذ 2008 إلى 2015 أي بعد سبع سنوات من ارتكاب الجرائم في دولة جورجيا قررت المدعية فتح تحقيق في جرائم ارتكبت في جورجيا وبلغ عدد ضحايا هذه الجرائم ما بين 51 و113 ضحية. ونستطيع أن نتخيل كم من الوقت ستستغرق المدعية العامة لدراسة الآلاف من الجرائم والوثائق المتعلقة بفلسطين، وهذا يعني أنها قد تستغرق عشر سنوات أو ما يزيد عن ذلك.

ويبقى السؤال لماذا يستغفل قادة فلسطين شعبهم عندما يعلنون صباح مساء أنهم أرسلوا ملفات الجرائم الإسرائيلية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأن المحكمة ستحقق قريبا في هذه الجرائم؟ ومن هنا فإن الزيارة الأخيرة للرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي للمحكمة الجنائية الدولية ولقاءه بالمدعية العامة للمحكمة لن يغيرا شيئا بسبب أن عباس يرغب في تسجيل مواقف سياسية فقط، ولم يحل أي قضية إلى المحكمة الدولية، وهو ما أكده مكتب المدعية العامة في البيان الصادر عقب الزيارة.
----------
دكتوراه في القانون الدولي- فرنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة