التغذية القسرية للمضربين بين القبول والرفض   
الأحد 18/6/1434 هـ - الموافق 28/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 21:20 (مكة المكرمة)، 18:20 (غرينتش)
عشرون معتقلا في سجن غوانتنامو يخضعون حاليا للتغذية القسرية (رويترز-أرشيف)

محمد غلام-الدوحة

بين كونها عملا غير إنساني وغير أخلاقي بل ضربا من ضروب التعذيب، وكونها ضرورية لحفظ الحياة ووقف "الانتحار"؛ يثور جدل قانوني بشأن تغذية المضربين عن الطعام قسريا، وهو ما تقوم به إدارة سجن غوانتنامو حاليا بحق عشرين سجينا من ضمن مائة مضربين عن الطعام. 

ويبدو أن الجدل امتد حتى إلى محامي المعتقلين أنفسهم، بين قائل إن التغذية القسرية "عمل فظيع" ينبغي وقفه، وآخر ليس له إلا القبول به لإنقاذ حياة موكله انتظارا لفرصة سراح قد تتحقق يوما من الأيام، وفق المحامي كارلوس وارنر الذي انتدبته الحكومة الأميركية لتمثيل 11 من المعتقلين.

وأثار القضية بمزيد من الدراماتيكية المعتقل اليمني سمير ناجي حسن مقبل، في مقال سربه محاميه ونشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية الأسبوع الماضي وصف فيه آلامه المبرحة عندما انهال عليه ثمانية ضباط وهو مريض على سرير مستشفى السجن، ودفعوا أنابيب في معدته دفعا عن طريق أنفه.

ويقول "لن أنسى أبدا المرة الأولى التي مرر فيها أنبوب التغذية من أنفي. لا أستطيع أن أصف كم هو مؤلم ذلك"، ويضيف "دفع الأنبوب فيّ. شعرت برغبة في التقيؤ، لكن لم أستطع. كان هناك ألم مبرح في صدري وحنجرتي ومعدتي". ويروي كيف استمر الوضع على هذه الحال منذ ذلك الوقت، حيث يدفع فيه الأنبوب أحيانا بمقدار 18 بوصة في معدته.

دفع الأنبوب فيّ. شعرت برغبة في التقيؤ، لكن لم أستطع. كان هناك ألم مبرح في صدري وحنجرتي ومعدتي

معارضون
الاتحاد العالمي للطب -الذي تأسس قبل 65 عاما ويضم أكثر من مائة اتحاد وطني- اعتبر التغذية القسرية "أسلوبا غير أخلاقي"، وأنه ما من أحد يمكن أن يبرر تغذية شخص عاقل بالغ قسرا.

من ناحيتها شددت مجموعة قانونية أميركية تعرف باسم "مشروع الدستور" وتضم ديمقراطيين وجمهوريين الأسبوع الماضي على أن التغذية القسرية في غوانتانامو "سوء معاملة يجب أن يتوقف".

وترى اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات حقوقية دولية عديدة، مثل هيومن رايتس ووتش، وعدد كبير من النشطاء الحقوقيين أن التغذية القسرية مخالفة للمعايير الأخلاقية المهنية والطبية. ويقول فنسنت لاكوبينو خبير الشؤون الطبية في رايتس ووتش إن "تغذية شخص بالقوة لا تشكل انتهاكا أخلاقيا فحسب بل يمكن أن يعتبر تعذيبا أو سوء معاملة"، وهو ما يوافقه فيه رئيس المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني الدكتور فوزي أو صديق.

مؤيدون
بيد أن تحليلا لأحكام القضاء يبين أن القانون الأميركي يقف في صف التغذية القسرية بالسجون، ويعتبرها أحيانا وقفا "لعملية انتحار".

وخلص معظم القضاة الذين نظروا في المسألة إلى أنها ربما تمثل انتهاكا لحق النزيل بالتحكم في جسده وفي الخصوصية، وهما حقان أصيلان في الدستور الأميركي والقانون العام، لكنهم قضوا أيضا بأن اعتبارات إدارة السجن تفوقهما من حيث الأهمية، وأقروا بحق مديري السجون في وقف أي "محاولات انتحار" في إطار التفويض الممنوح لهم لحفظ النظام.

أما الجيش الأميركي فيذهب أبعد من ذلك، حين يقول إن التغذية القسرية ليست قانونية فحسب، بل إنها عمل إنساني أيضا يسهم في حفظ الحياة.

لكن الدكتور فوزي أو صديق يعارض هذه الفكرة بقوة، ويقول في تصريح للجزيرة نت عبر الهاتف إنه "لا يمكن البتة التذرع بحق الحياة لوقف الإضراب عن طريق التغذية الجبرية، لأن صون حق الحياة يجب أن يكون بكرامة وليس بإذلال".
فوزي أو صديق: صون حق الحياة يجب أن يكون بكرامة وليس بإذلال (الجزيرة)

نداء مشفر
وبالرغم من تأكيد خبير القانون الدولي الدكتور مطلق القحطاني على أن لكل من الرأيين "وجاهته القانونية"، فإنه يشدد في تصريح للجزيرة نت عبر الهاتف على أن هذا السجن غير قانوني بالأساس وعليه فإن هذه التصرفات غير قانونية، "لأن ما بني على باطل فهو باطل"، ويشير إلى ضرورة أن تدرَس المسألتان، كل على حدة.

ويدعو القطاني إلى دراسة "جذور هذه القضية المتمثلة في وجود سجناء في سجن غير شرعي لا تراعى فيه الأصول والاعتبارات القانونية، وتدعو كل المنظمات والهيئات الحقوقية إلى إغلاقه".

ولا يوافق أو صديق إطلاقا على الرأي القائل إن الإضراب "محاولة انتحار"، ويلفت إلى أن "المضرب يلجأ إلى هذه الوسيلة لتجلب له ولغيره بعض المنافع بعد استنفاد كل السبل الأخرى.

ويضيف أن الإضراب في هذه الظروف هو "نداء مشفر إلى من يعنيهم الأمر بضرورة توفير أدنى الحقوق المعترف بها في ديباجات حقوق الإنسان"، كما يرى أن التغذية القسرية "انتهاك خطير لحق من حقوق الإنسان هو حق الاختيار الحر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة