صحافة الخرطوم.. مصير غاليليو   
الأربعاء 1436/5/6 هـ - الموافق 25/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:58 (مكة المكرمة)، 14:58 (غرينتش)

ياسر محجوب الحسين*

غاليليو عالم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي (1564-1642)، بطشت به الكنيسة لأنه أثبت خطأ نظرية أرسطو بشأن الحركة، ونشر نظرية كوبرنيكوس الذي صاغ حقيقة مركزية الشمس وكون الأرض جرما يدور في فلكها، فعقدت له محكمة من قبل محاكم التفتيش الرومانية واتهم بالهرطقة وحكم عليه بالسجن ومنعت المحكمة تداول كتاباته وأفكاره.

اليوم تواجه الصحافة في السودان بطشا ممنهجا، فلا ترى فيها الحكومة سوى غول، كما الغول الخرافي في القصص الشعبية والحكايات الفلكلورية فهو مخلوق بشع مخيف وفوبيا أسطورية، بيد أن الصحافة في حقيقة الأمر ليست غولا مفترسا بل هي ضحية ولا تشبه الغول الخرافي إلا في كونه بشعا يستحق ضرب غرائب الإبل.

فالخرطوم على ما يبدو تقتفي أثر الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي وتردد كل يوم قوله وهو يخاطب أهل العراق في خطبته الشهيرة بالكوفة أول ولايته عليهم قائلا "أما والله لألحونكم لحو العود، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل".

منذ أن صدرت أول صحيفة سودانية في عام 1919 لم تشهد الصحافة عملا أخرق مثل الذي أقدمت عليه الحكومة حين صادر جهاز الأمن والمخابرات 14 صحيفة في وقت واحد بعد طباعتها مباشرة، وتشكل الصحف المصادرة (80%) من مجمل الصحف اليومية، وليست الغرابة في مبدأ المصادرة فتلكم عادة شبه يومية، ولكن الغرابة في كم الصحف المصادرة وفي مبلغ الجسارة التي تمت بها.

المدهش حقا أن من بين الصحف المصادرة صحيفة فرضت عليها الرقابة القبلية، حيث زارها ضابط الأمن ليلة -كما هي عادة زوار الليل- ليشطب ما لا يروقه من موادها قبل مثولها للطبع، لكنها رغم ذلك صودرت مع الصحف المصادرة.

كانت صحافة الإسلاميين -وهم في المعارضة- تنضح بأخبار التحقير والاغتيال المعنوي لمخالفيهم في الرأي،
أما اليوم فإن الصحف متهمة من قبل سلطات الإسلاميين بالداء ذاته على الرغم من أنها قد تكون مجرد اتهامات لتسويغ التعسف 

انتهاكات صارخة
قبل أن يعتلي الإسلاميون سدة الحكم في الخرطوم في يونيو/حزيران 1989 كانوا أكثر من ركب موجة الإعلام المؤدلج.

والأيديولوجية -كما هو معروف- نظام الأفكار المتداخلة والمبادئ التي تؤمن بها جماعة معينة وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ويقوم إعلام الأيديولوجية وصحافتها بمهمة التبريرات المنطقية وحتى اللامنطقية.

وفي فترة ما عرفت بالديمقراطية الثالثة (1984-1989) كانت صحافة الإسلاميين -وهم في المعارضة- تنضح بأخبار التحقير والاغتيال المعنوي لمخالفيهم في الرأي، فقد كان هناك نوع من المواد الخبرية تستند إلى معلومات تتعلق بممارسات أو أقوال تلك الشخصيات، وتقدم في قالب يفضي إلى تشويه المستهدفين واغتيالهم معنويا، أما اليوم فإن الصحف متهمة من قبل سلطات الإسلاميين بالداء ذاته على الرغم من أنها قد تكون مجرد اتهامات لتسويغ التعسف والشطط الذي تكابده صحافة الخرطوم.

خطأ الصحافة أنها حاولت استغلال هامش الحرية المتاح لأبعد مدى، فطرحت قضايا الفساد بجرأة كبيرة وهي قضايا تورط فيها عدد من رموز النظام تموضعوا في مختلف مستويات المسؤولية.

وتصاعدت الهجمة الأمنية في مايو/أيار الماضي عندما كشفت صحيفة الصيحة عن قضية فساد في مصلحة الأراضي اهتز لها عرش وكيل وزارة العدل الذي كان مديرا لمصلحة الأراضي لعدة سنوات خلت قبل تعيينه في منصبه الحالي، والرجل كان محل اتهام الصحيفة باستغلال نفوذه والحصول على عدد كبير من قطع الأراضي، كما أنه -وباعترافه- مارس التجارة والبيع في قطع الأراضي إبان توليه ذلك المنصب.

قبل ذلك -وفي غمرة محاولات إظهار شفافية مفتقدة بعد تصاعد أبخرة وروائح الفساد- دعا الرئيس عمر البشير الصحافة لكشف الفساد وقام بتشكيل آلية مكافحة الفساد وعين وزيرا سابقا على رأس تلك الآلية، لكن بعد عام وفي خطوة مفاجأة أعفي الرجل من منصبه دون الإشارة إلى الأسباب، وبرزت حينها اتهامات تؤكد أن الآلية كانت مجرد مناورة حكومية لذر الرماد في العيون.

لقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الهجمة الشرسة على الصحف سببها المباشر هو ملفات الفساد التي بدأ التعاطي معها صحفيا بصورة غير مسبوقة، وفي ما بعد لجأت السلطات لتعديل الدستور وكرّست تلك التعديلات السلطات بشكل لافت في يد مؤسسة الرئاسة وأعطت جهاز الأمن والمخابرات صلاحيات غير محدودة قضت نهائيا على ما تبقى من هامش الحرية الضيق.

وكثيرة هي أمثلة الصحف التي كابدت تعسف السلطات، إلا أنه يمكن التركيز على نموذجين ربما كانا الأكثر معاناة واستهدافا، وهما صحيفتا "التيار" و"الصيحة" المستقلتان.. في يوم 12 يوليو/تموز 2012 أوقف جهاز الأمن "التيار" بدون إبداء أي أسباب، وقد عاودت الصحيفة الصدور بعد عامين من الإيقاف في السادس من يونيو/حزيران 2014 بقرار من المحكمة الدستورية.

بعد نحو شهر وتحديدا في 19 يوليو/تموز 2014 تعرضت الصحيفة لهجوم من مجموعة مسلحة تتكون من عشرين شخصا، وقامت المجموعة بالاعتداء على الصحفيين واستولت على هواتف نقالة وأجهزة حواسيب محمولة إضافة للاعتداء الجسيم على رئيس تحرير الصحيفة، وكانت المجموعة تستقل سيارتين ذاتي دفع رباعي لا تحملان لوحات، وهذا النوع من السيارات لا يمكن امتلاكه إلا عبر إذن من السلطات الأمنية والعسكرية.

أما صحيفة الصيحة فقد صدرت في 10 مارس/آذار 2014، وبعد ثلاثة أيام أوقف أحد كتابها من الكتابة بأوامر من جهاز الأمن، وبعد أقل من أسبوعين من صدورها صودر العدد الـ13 من قبل الجهاز بعد طباعته مباشرة بدون إبداء أي أسباب.. في 12 مايو/أيار اعتقل رئيس التحرير بعد حضوره مؤتمرا صحفيا لوكيل وزارة العدل الذي قصد الرد فيه على اتهامات بالفساد وجهتها له ذات الصحيفة، وتم الاعتقال بأوامر منه مباشرة وتم إيداعه السجن مع المجرمين وأصحاب السوابق.
 
بعد منتصف ليل 19 مايو/أيار أصدرت رئاسة الجمهورية على غير العادة بيانا شديد اللهجة هاجمت فيه الصحف التي قالت إنها تجاوزت ما تسميها الخطوط الحمراء، وعرضت الأمن القومي للخطر وهزت الثقة في قيادات الدولة الأمنية والعسكرية والعدلية، وبعد حوالي ساعتين من إصدار البيان تم وقف طباعة عدد صحيفة الصيحة ليوم 20 مايو/أيار، وفي حوالي الساعة الرابعة مساء نفس اليوم تلقى رئيس التحرير مهاتفة من أحد ضباط جهاز الأمن يبلغه فيها بقرار مدير جهاز الأمن بتعليق صدور الصحيفة لأجل غير مسمى منهيا المكالمة بدون تفاصيل واستمر توقفها 45 يوما.
 
وفي يوم 28 مايو/أيار اعتقل رئيس التحرير مجددا بواسطة نيابة جرائم أمن الدولة في بلاغ كان الشاكي فيه جهاز الأمن، ثم دوهم مقر الصحيفة بقوة مسلحة قوامها تسعة أفراد يقودهم رئيس نيابة جرائم أمن الدولة.

وقامت القوة في سابقة خطيرة بتفتيش مكتب رئيس التحرير وبقية مكاتب الصحيفة واستولت على وثائق لقضايا فساد نشرت وأخرى كانت في طريقها للنشر، وأطلق سراحه بعد منتصف الليل.

لكن في صبيحة اليوم التالي 29 مايو/أيار اعتقل رئيس تحرير الصحيفة مرة أخرى من أمام مبنى صحيفته من جانب نيابة الأراضي في بلاغ آخر من مصلحة الأراضي بتهمة تداول مستندات رسمية تخص المصلحة تتعلق بقضية وكيل وزارة العدل، فيما بعد عاودت الصيحة الصدور في 6 يوليو/تموز ولكن ليوم واحد، وأغلقت مرة أخرى حتى أكتوبر/تشرين الأول 2014.

المشكلة تكمن في قانون جهاز الأمن الذي يخول لضباط الجهاز إغلاق الصحف تحت طائلة المادتين 24 و25 المتعلقتين بتهديد الأمن الوطني وهو أمر فضفاض

خطل التبريرات الرسمية
عقب كل انتهاك تغرق الجهات الرسمية ذات الصلة بالشأن الصحفي في بحر من التصريحات المتناقضة والمرتبكة، فجهاز الأمن يتخذ إجراءاته دون الرجوع إليها أو حتى مجرد إخطارها، فبعد مصادرة 14 صحيفة دفعة واحدة لم يجد وزير الإعلام بدا من تبرير خطوة جهاز الأمن المتعسفة، وقال -رافضا تقديم استقالته- إن الصحافة لا تقع تحت مسؤوليته، مضيفا أن جهاز الأمن من حقه اتخاذ أي خطوة إذا رأى أنها تهدد الأمن القومي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي أو ما يثير البلبلة.

والوزير ذاته قال منفعلا عند إغلاق صحيفة الصيحة للمرة الأولى "أوقفنا الصيحة وسنوقف غيرها". أيضا سبق لوزير الدولة بوزارة الإعلام أن علق على إيقاف صحيفة الصيحة معتبرا ذلك أمرا هينا، قائلا "إيقاف صحيفة واحدة مع وجود عشرين صحيفة سياسية لا يعتبر ردة"، لكن الوزير ذاته صمت ولم يعلق بعد مصادرة 14 صحيفة.

رئيسة لجنة الإعلام بالبرلمان ذهبت بعيدا، وقالت عجبا، تعليقا على المصادرة بالجملة، حيث طالبت بإرجاع الرقابة على الصحف وعودة مقص الرقيب من جديد لتفادي المصادرة الجماعية.

وقالت "لا نستطيع أن نفعل شيئا مع المساحات الواسعة الممنوحة للأمن لأن التعديلات الأخيرة أعطت الجهاز مساحة أوسع".

من جانبه، اكتفى مجلس الصحافة والمطبوعات (جهة حكومية) بالتعبير عن أسفه لمصادرة 14 صحيفة، وقال في بيان صحفي إنه كان بالإمكان محاسبة المخطئين بمنهج يتناسب مع قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009.

وأوضح البيان أن "القانون الخاص يقيد العام، فقد كان من المرتجى أن يكون المجلس هو الجهة التي تحاسب الصحف إذا وقعت في أخطاء مخالفة للقانون"، لكن المجلس تبنى وجهة نظر الحكومة حين قال في بيانه "يقر المجلس بحساسية الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد في هذه المرحلة على وجه التحديد، الأمر الذي كان يتطلب أن تتعامل معه الصحافة بالقدر الذي يقابل ذلك من المسؤولية الوطنية".

المشكلة تكمن في قانون جهاز الأمن الذي يخول لضباط الجهاز إغلاق الصحف تحت طائلة المادتين (24) و(25) المتعلقتين بتهديد الأمن الوطني وهو أمر فضفاض.. وقرارات الجهاز غير قابلة للطعن القضائي، بينما قرارات الإيقاف وفقا لقانون الصحافة والمطبوعات يمكن الطعن فيها وإيقاف تنفيذها ريثما يقول القضاء كلمته.

أضحت القناعة متجذرة بأن الهجمة الشرسة على الصحافة وملاحقة الصحفيين تأتي في إطار سياسة حكومية ترمي إلى تكميم الأفواه وكسر شوكة الصحفيين وإجبارهم على تبني سياسة الحكومة

تهاوي الجسم الصحفي
لقد أضحت القناعة متجذرة بأن الهجمة الشرسة على الصحافة وملاحقة الصحفيين تأتي في إطار سياسة حكومية ترمي إلى تكميم الأفواه وكسر شوكة الصحفيين وإجبارهم على تبني سياسة الحكومة وتجنب فتح ملفات الفساد المستشري، وإلا فإن سيف المصادرة والبلاغات والاستدعاءات سيبقى مسلطا، وستطول فترات المحاكمات والبلاغات لأعوام يعيش خلالها الصحفي توترا مهنيا ونفسيا، وتتكبد الصحف خسائر مالية كبيرة.

اليوم يواجه الصحفيون بشكل متكرر بلاغات كيدية من نافذين، الأمر الذي يشكل استغلالا للسلطة والنفوذ، ومحاولة لإرهاب الصحافة، وتخويفها بسيف المقاضاة، لتتراجع عن نقد الفساد المالي والإداري.

وتبقى ذريعة تهديد "الأمن الوطني" والحفاظ على "هيبة الدولة" ذريعة لتخويف الصحفيين وهم يقومون بكشف تجاوزات الحكومة للرأي العام، مما مكنها من اتخاذ أداة أكثر فعالية في قمع الصحافة بتوجيه التهم المجانية من شاكلة الخيانة والتخريب والتجسس.

ومؤخرا أعلنت وزارة العدل عن قرار إلغاء الإفراج عن الصحفيين بالضمان الشخصي، وألغت نيابة الصحافة منشورا بالإفراج عن الصحفيين فور انتهاء التحقيق بالضمان الشخصي، واشترطت إحضار ضامن قبل إطلاق سراح الصحفي.

وعلى الرغم من أن الدستور السوداني ينص في المادة 39 الفقرة الثانية على أن "تكفل الدولة حرية الصحافة ووسائل الإعلام وفقا لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي" فإن الصحافة ووسائل الإعلام ظلت بعيدة عن هذه الحماية الدستورية.

الحقيقية المرة أن توزيع الصحف السياسية البالغة نحو عشرين صحيفة انخفض لأكثر من 50% في عام 2013 مقارنة بتوزيعها عام 2012، بينما توقفت 12 صحيفة عن الصدور خلال عام 2014. وصنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" السودان ضمن تصنيفها العالمي لحريات الصحافة ووضعته في المرتبة الـ172 من بين 180 دولة.
----------

* كاتب صحفي سوداني وأستاذ جامعي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة