.. وما تزال تبحث عن الحرية!   
الأحد 18/5/1436 هـ - الموافق 8/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:57 (مكة المكرمة)، 14:57 (غرينتش)

ناصر يحيى*
 

مع كل احتفال باليوم العالمي للمرأة يوم 8 مارس/آذار، تتجدد مظاهر من الملاسنات والتراشق بالاتهامات بين اتجاهين في بلداننا العربية حول مفهوم حرية المرأة أو تحرير المرأة، يمثلان المؤيدين والمعارضين.

ويمكن القول إن "تحرير المرأة" أصابته لعنة الخلافات السياسية والفكرية وضيّعته المزايدات والتشنجات، وبدلا من أن يصير وسيلة لإنصاف المرأة بحكم أنها الأكثر تضررا من الرجل في عصور التخلف والاستعمار والاستبداد، إذا بالفكرة تصير مصدرا لنزاع اجتماعي وفكري وسياسي وإعلامي لا تبدو له نهاية سعيدة.

أحد أبرز الأسباب التي صيّرت فكرة "تحرير المرأة" مشكلة حادة مستعصية، هو الاختلاف الكبير في فهم المقصود بتحرير المرأة: ممّ تتحرر؟ وما نوعية وسقف هذه الحرية؟ وهي حالة تبدو متوقعة مع حالة الغموض في المصطلح، ومستوى التخلف الحضاري الذي صارت عليه المجتمعات الإسلامية، والأجندة الخفية التي عملت على استغلال الفكرة استغلالا مريبا! حتى صار "تحرير المرأة" عند قوم مؤامرة على هوية الأمة الإسلامية، وعند آخرين وسيلة للانخلاع عن كل قيم الدين والأخلاق والتقاليد الحميدة.. وبين هؤلاء وأولئك، تاهت القضية الأصلية وتحولت إلى معركة حامية المصطلحات!

مصطلح تحرير المرأة أصابته لعنة الخلافات السياسية والفكرية وضيعته المزايدات والتشنجات، وبدلا من أن يصير وسيلة لإنصاف المرأة صارت الفكرة مصدرا لنزاع اجتماعي وفكري وسياسي وإعلامي لا تبدو له نهاية سعيدة

أنا.. حرّة!
كان طبيعيا أن يكون للأدب إسهامه في التعاطي مع هذه المشكلة من خلال استلهام ما حدث من خلاف حول معنى "حرية المرأة" أو "تحرير المرأة". وربما كانت رواية "أنا حرة" للأديب المصري إحسان عبد القدوس (1919-1990) أبرز هذه الأعمال التي تعرضت للمشكلة.

فقد لامست الرواية جوهر الخطأ الذي وقع فيه تيار البعض، من حكاية عن فتاة متمردة في ثلاثينيات القرن الميلادي الماضي بدءا من العنوان الذي لخص فكرة حرية المرأة عند بطلة الرواية "أمينة" في أن تكون حرة من كل قيد أسري أو اجتماعي أو ديني أو وطني يمنعها من أن تفعل ما تريده وتتمناه: أن تلبس ما تشاء وتتزين كما تشاء.. وأن تصادق من ترغب.. وأن تخرج من المنزل وقتما تريد، وتعود متى تريد!

ولأن الحرية عند "أمينة" كانت تدور حول تلك المعاني القاصرة، فقد فهمت أن الحرية التي تتمناها لن تتيسر لها إلا إذا تمردت على كل أنواع الوصاية، فرفضت الزواج ممن اختاره لها أهلها ليس لأنه لا يعجبها، ولكن لأن الزواج جاء عبر عائلتها، ولأنها تخشى كذلك أن يكون الزواج قيدا على حريتها في الدراسة والعمل.. واختارت الجامعة الأميركية للدراسة لأنها أكثر حرية، وبعيدة عن الأجواء التقليدية في العلاقات بين الإناث والذكور، وصادقت يهوديات ويهودا وانغمست في بيئتهم غير المتحشمة، وشاركتهم في تقاليدهم الدينية فقط لإثبات أنها حرة تفعل ما تريد! وبعد الجامعة أصرّت على العمل لإيمانها بأن الوظيفة تمنح المرأة حرية أوسع، وتكسر قيود الزوج والمجتمع التي تستبعد المرأة غير العاملة كما استقر في وعيها!

قطار الحرية الذي جرى بأمينة أشواطا بعيدة، اصطدم بمنطق أوسع للحرية كان يتبناه الرجل الوحيد الذي احترمت فيه رجولته ورزانته، واكتشفت في الأخير أنها تحبه.. وأثناء الحوار معه تبين لها معنى جديد للحرية لم يخطر لها من قبل.

ففي حوار طويل متحفز تطرح أمينة سؤالا استنكاريا عما إذا كانت تريد رجلا يستعبدها، فيأتي الرد منه بأنها الآن "متجوزة شركة أميركية بتستعبدك! يمكن كان الراجل اللي تتجوزيه يبقى أرحم بك من الشركة".

تعلّمت أمينة من عباس المناضل في سبيل حرية بلده، أن الحرية الحقيقية سراب في مجتمع محتل من قبل استعمار أجنبي، ويفقد أبناؤه فيه حريتهم السياسية والاقتصادية

حرية.. زائفة!
ومن خلال تتابع فصول الرواية تكتشف البطلة أن مفهومها للحرية غير سليم وغير أخلاقي، وأنها لم تجد السعادة التي ظنتها موجودة في حريتها المطلقة في أن تفعل ما تشاء.. "ليست هذه هي الحرية.. أن تخرج كما تشاء.. وتصادق من تشاء.. وأن تكذب لتبرر تصرفاتها.. وأن تتحرر من التقاليد فتسمح للشبان بتقبيلها!".

وتعلمت أمينة من عباس المناضل في سبيل حرية بلده، أن الحرية الحقيقية سراب في مجتمع محتل من قبل استعمار أجنبي، ويفقد أبناؤه فيه حريتهم السياسية والاقتصادية! وأن الحرية لا تتناقض مع حب الوطن ولا مع الالتزام بالمبادئ والنضال من أجل الإنسان، ولا مع حب الحبيب.. والأكثر أهمية، أن التنازل عن الحرية من أجل الحب السامي ليس عيبا!
 
وقد ناقشت الرواية أزمة مفهوم خاطئ لتحرير المرأة فَصَل بين حرية المرأة وحرية الأوطان في ظروف المرحلة الاستعمارية.

ويمكن القول إن الحال لم يختلف كثيرا في زمن الحكم الوطني الذي تلا الخروج العسكري للاستعمار، فما يزال هناك من يتبنى مفهوما لتحرير المرأة يفصله عن حرية الشعوب ونضالها ضد الاستبداد السياسي والظلم وانتهاك حقوق الإنسان، أي تحقيق الحرية الحقيقية الكاملة!

وما تزال هناك ألف "أمينة" لا تفهم من الحرية إلا ذلك المعنى السطحي لتحرير المرأة الذي لا يتعدى الملابس والعلاقات غير المنضبطة مع الرجال.

كما لا تزال هناك من تجد أن معركتها ليس مع الاستبداد المحلي الذي قتل حرية الإنسان والمجتمع، ولا مع الفساد الشامل الذي أفسد الحياة وشوّه معانيها، وإنما هي مع التقاليد والتعاليم الدينية ولو أدى الأمر إلى أن تتحالف هذه الفئات -نساء ورجالا- مع الاستبداد والفساد لإجهاض المسار الصحيح لحرية الأوطان والإنسان.. رجلا وامرأة على حد سواء!
_________
* كاتب يمني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة