سجون مصر.. ادفع أولا إذا أردت الحياة   
الخميس 1437/1/17 هـ - الموافق 29/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

"لو عاوز كذا (إذا أردت) ادفع الأول" باتت هذه الجملة كلمة السر ومفتاح قضاء الحاجات في غياهب السجون وغرف الاحتجاز بأقسام الشرطة في مصر حسب حازم سالم أحد المعتقلين المفرج عنهم مؤخرا.

سالم وعدد من المعتقلين السابقين وذوو معتقلين حاليين توافقوا جميعا في إفادتهم للجزيرة نت على أن "الاستغلال المادي" من قبل أفراد الشرطة ضباطا وعساكر -بمختلف مستوياتهم- المسؤولين عن أوضاع المحتجزين بات ركنا أساسيا من أركان المرحلة الحالية في مصر.

ويرى مراقبون أن الفساد المالي -الذي ضربت جذوره أغلب مؤسسات الدولة في مصر- كانت سبله أكثر يسرا وسلاسة في إدارة السجون المصرية التابعة لوزارة الداخلية.

عضو التنسيقية المصرية للحقوق والحريات محمد أبو هريرة يقول إن "مصر دولة كل جهازها الإداري قائم على الرشوة والمحسوبية، ومن أكثر تلك الأجهزة جهاز الشرطة". وتابع في حديثه للجزيرة نت "للأسف عناصر الشرطة في السجون يستنزفون جميع السجناء ماديا، خصوصا السياسيين منهم".

ولفت إلى أن المؤسسات الحقوقية تتعمد تجاهل مواجهة هذا الأمر، لأنه لا سبيل أمام المعتقلين وذويهم للحصول على الحد الأدنى من الحقوق إلا من خلال هذا الطريق، حيث إنه لا قانون ولا ضمانات تحمي السجناء.

محمد أبو هريرة: عناصر الشرطة في السجون يستنزفون السجناء ماديا (الجزيرة)

حتى الهواء
"شخلل (طلع ما بجيبك) عشان تعدي" جملة استحضرها أبو طارق (معتقل سابق) ساخرا من أحد أفلام الفنان عادل إمام الشهيرة والتي رأى فيها صورة واقعية لما يحدث في سجون مصر.

وقال أبو طارق للجزيرة نت "إذا كانت جملة الفيلم هذه أتت في سياق طلب الدفع مقابل مرور عربة بضائع فهي في السجون تقال لقضاء أي مصلحة مهما كانت، من أول تنفس هواء نقي وحتى السعي للحصول على الإفراج والخروج من السجن".

وتابع موضحا "الاستغلال اليومي بالحصول على عشرات الجنيهات لقضاء أي مصلحة عادية يكون من خلال أمناء الشرطة وعناصرها من صغار الرتب، أما كبار قادتها كمأمور السجن ومن حوله من الضباط فالمبالغ التي يحصلون عليها لا بد أن تكون من فئة الألف فما فوق".

وأشار إلى أن مأمور السجن الذي قضى فيه قرابة تسعة أشهر كان يفرض على السياسيين في سجنه وعددهم يقارب ثلاثمئة سجين أن يشتروا أغراضا من كافيتريا السجن التي يشغلها لصالحه بما قيمته مئة ألف جنيه شهريا.

وتابع "لا بد أن تدفع قرابة 750 جنيها للسماح بمبيتك في المقر الأمني وليس في القسم عند العرض على النيابة، وإذا أردت أن تتحدث إلى المحامي خلال العرض فخمسون جنيها كفيلة بالإذن، ولقاؤك بعائلتك مدة عشر دقائق في النيابة لطمأنتهم يتطلب مئتي جنيه، حتى راحة يديك في الكلابش لا سبيل إليها إلا بدفع عشرة جنيهات".

أحمد سعد: الاستغلال لا يتوقف على المعتقلين بل يتجاوزهم إلى المحامين أنفسهم (الجزيرة)

المعلومة بثمن
والمعلومة أحد أشكال استغلال قيادات السجن من الشرطة للمعتقلين وذويهم، حسب أسماء نور الدين أخت أحد المعتقلين الذي كان مختفيا قسريا (رفضت ذكر اسمه).

وأوضحت للجزيرة نت "أي معلومة مهما كانت بسيطة عن المختفي قسريا ثمنها مئتا جنيه في جيب أحد القيادات، وإذا كان المختفي سعيد الحظ يسمح له بمكالمة ذويه هاتفيا لمدة دقيقتين شرط أن يدفع مبلغا مماثلا، أما إذا كانت المعلومة تعرضه للتعذيب فألف جنيه".

وكشفت أسماء نور الدين عن قيام عدد من هؤلاء القياديين بالتفاوض مع بعض المعتقلين لإيجاد سبيل لهم إلى إخلاء السبيل والخروج من السجون مقابل مبالغ مالية قد تصل إلى خمسين ألف جنيه، وربما حصل على المال ولم يف بالتزامه ليعود المعتقل إلى سجنه مرة أخرى.

بدوره، قال الناشط الحقوقي ومحامي عدد من المعتقلين أحمد سعد إن الاستغلال لا يتوقف على المعتقلين وذويهم بل يتجاوز ذلك إلى استغلال المحامين أنفسهم.

وأضاف للجزيرة نت "المحامي يضطر أحيانا إلى دفع مبالغ تبدأ من خمسين جنيها وحتى ثلاثمئة حتى يتسنى له زيارة موكله والحديث إليه رغم أن ذلك حق قانوني".

ولفت إلى أن ذلك يرجع إلى عدم وجود قانون يحكم العمل في هذا الأمر، وأن الاطمئنان إلى عدم المساءلة هو ما يساعد في تفشي هذا الفساد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة