الربيع العربي ومنظومة حقوق الإنسان   
الخميس 24/9/1434 هـ - الموافق 1/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:14 (مكة المكرمة)، 14:14 (غرينتش)

 فوزي أوصديق

الربيع العربي كان ربيعا على المنظومة الحقوقية في العديد من الدول العربية, فمنهم من أدخل تغييرات جذرية على منظومته تشريعا وممارسة كما في ليبيا وتونس ومصر قبل الانقلاب، ومنهم من استعجل الأحداث خوفا من وصول بعض من نسيم ورحيق زهور الربيع، فلجأ إلى تحسين منظومته التشريعية في مجال حقوق الإنسان، ومنها ما هو هيكلي وجوهري.

أما الفئة الثالثة فقامت بخطوات، على قدر احتشامها ومحدوديتها، جريئة وتسير نحو الاتجاه الصحيح في مجال الحفاظ على الضمانات الثانوية لحقوق الإنسان وآدمية الفرد العربي.

واكب ذلك تنام لدور الفرد في الفعاليات والحركات الاجتماعية والسياسية وقيامه بدور مؤثر في السياسات العامة والشارع وفي وسائل الإعلام دون الحاجة إلى الانتظام في أحزاب أو تنظيمات سياسية، وذلك من شأنه أن يعزز دور المجتمع المدني والوعي بحقوق الإنسان ودور المواطن العادي فيها وممارستها على أرض الواقع.
 
لقد حقق الإنسان العربي الثائر نجاحا مقدرا في إطاحته بنظم تسلطية عتيقة وأجبر العديد منها على تقديم تنازلات هامة على صعيد الإصلاح السياسي. ونجم عن ذلك تحول معقد من حيث المسارات والتداخلات في شتى مجالات الحياة وممارسات الحقوق والواجبات.

شاركت الثورات الربيعية في تحجيم السلبيات الانتمائية وتأثيراتها، كالانتماء الديني والعرقي والطائفي والقبلي. فما عادت الحياة التائقة لكرامة إنسانية تتطلب تلك الانتماءات الضيقة، وإنما التحرك الفعال والإيجابي لبناء ثقافة العيش المشترك بين جميع أطياف المجتمع الواحد وتكريس أسس ومبادئ مواطنة سليمة تضمن لكل الشرائح الحقوق وتحرص على أداء كلٍّ لواجبه.

الكل أصبح يتكلم عن الفساد والرشوة والتهميش والإقصاء وحقوق المرأة دونما خوف

دولة وطنية
ومن هنا بات واضحا للعيان أنه لا ديمقراطية حقيقية إلا في إطار دولة وطنية شرعية تعي التعددية المجتمعية ضمن حدود سياسية وقانونية مقبولة من الجميع، وتحترم المفهوم الديني الذي كان عنصرا هاما في هذه الثورات، خاصة أن المعتقدات الدينية باتت مطروحة أكثر مما مضى، وأن الأحزاب الدينية التي كانت مهمشة قبل الثورات لعبت في إشعالها دورا أساسيا.

لقد انكمشت رقعة الانتهاكات الجسيمة وغيرها من أصناف التنكيل والتعذيب. فالمشوار أصبح معلنا وغير المصرح به أصبح مكشوفا وأسقطت العديد من "الجدران" المزيفة في مجال حقوق الإنسان. فالكل أصبح يتكلم عن الفساد والرشوة والتهميش والإقصاء وحقوق المرأة، دونما خوف. وانتقلت الانتهاكات من انتهاكات تمارسها الدول إلى انتهاكات من جماعات أو أفراد، خاصة أن البعض لم يستوعب بعد ثقافة حقوق الإنسان بعد الربيع العربي.

ويعد ذلك من أكبر التحديات التي تواجه نشطاء حقوق الإنسان.. فكيف يمكن الارتقاء بجموع الشعب إلى هذه الثقافة؟ وكيف يمكن استيعاب الآخر دونما تجريح أو تنكيل مادي أو معنوي أو لفظي؟

إن تفعيل المجتمع المدني وإرساء نظام مؤسساتي شفاف تحديان آخران في مضمار حقوق الإنسان، إلا أن المؤشرات الأولية تبشّر بالخير، فلأول مرة نزعنا من القاموس الانتخابي نسبة الـ99% من نتائج الانتخابات. ولأول مرة بتنا نسمع مسؤولين في هرم السلطة يقدمون استقالتهم لعدم الانسجام أو الاختلاف في الرؤى والمنهجية، ولأول مرة تضع البلدان دستورا توافقيا بعدما كان يصاغ من أعلى مغيبا للشعب وتطلعاته وآماله وآلامه.. ولأول مرة أصبحت لدينا معارضة قوية بإمكانها إسقاط حكومات بقوة القانون.

كل هذه مؤشرات يجب علينا دعمها وإرشادها من خلال إرساء ثقافة حقوقية في منظومتنا التعليمية داخل المجتمع المدني. كما أن دعم المنظومة التشريعية والدستورية في مجال حقوق الإنسان يكون بالارتقاء بأحكامها من القواعد المكملة إلى القواعد الملزمة.

إذا كان البعض يرى أن الربيع العربي خلق خللا في المجتمعات العربية من فوضى وأزمة متعددة الجوانب وتراجع في جوانب ومجالات مهمة فقد يكون هؤلاء محقين إذا ما نظرنا للرسم البياني في جزئياته وليس نظرة كلية عليه

نظرة شاملة
وإذا كان البعض يرى أن الربيع العربي خلق خللاً في المجتمعات العربية من فوضى وأزمة متعددة الجوانب وتراجع في جوانب ومجالات مهمة فقد يكون هؤلاء محقين إذا ما نظرنا للرسم البياني في جزئياته وليس نظرة كلية عليه.. قد ننظر للمنحدر دون النظر للارتقاء في الصورة الكلية الأخرى.

والبعض قد ينسى أن العديد من الثورات أنجبت العديد من الوثائق المرجعية والفلسفية في مجال حقوق الإنسان على وقع الدماء والدمار، كالثورة الفرنسية مثلاً التي أنجبت الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن و"المكناكارثا" في بريطانيا التي كانت ولادتها قيصرية عسِرة.. وبعد فترة وجيزة من انتهاء الثورتين الفرنسية والبريطانية بدأ الاستقرار والشفاء.

والاستعجال والتسرع في قطف زهور الربيع العربي من الإشكاليات المطروحة.. فلنترك "دورة" البناء المؤسساتي تكتمل ولنترقب الثمرة، ولنبدأ العمل على ترسيخ وإرساء ثقافة حقوق الإنسان.

غير أن هذا التحول السياسي الاجتماعي الإنساني المنشود في وطننا العربي يحتاج  لقوة كبيرة وإرادة قوية كي يواجه التحديات التي قد تعيق تقدّم خطاه على طريق نيل الحرية. إذ إن المنطقة العربية محل تدخلات سياسية خارجية لعبت وتلعب دور أساسيا في تأخير الهدف من الثورة.

ولا يخفى هنا العامل الاقتصادي في الموضوع، فنرى أن تلك الدول ساندت بقوة تلك الدول التي تمدها بالنفط للتحرر كليبيا مثلا وتساهلت أو أهملت حقوق الإنسان في دول عربية لا تربطها بها مصالح تدعم اقتصادها.

ومن أكبر ما يجب على الإنسان العربي الثائر في وطننا أن يكون واعيا سلسا أثناء قيادته أو انقياده في هذه الثورات كي يحقق الهدف المنشود منها، وليكن الهدف الحقيقي هو تحقيق كرامة الإنسان لا تحقيق نجاح حزب أو انتماء على آخر.

ويجب أن ندرك جميعنا أن أي انتكاسة في ثوراتنا العربية الربيعية سيكون لها تأثير سلبي على حياة الإنسان فيما بعد الثورة. إذن الثورات العربية خلقت بداية الربيع، ولكن هل ستضمن ثماره؟ هنا يكمن التحدي، وهنا يبرز للعيان ما يحدث حاليا في مصر من انتهاكات جسيمة لحق آدمية الفرد وشل للمؤسسات المدنية والدستورية كاشفة للتراكمات البنيوية والمؤسسية والفهمية في معالجة قضايا حقوق الإنسان ومدى هشاشتها وعدم رسوخها في بيئتنا العربية.

إن التدخل السافر للعسكر المصري ما هو إلا تعكير لهذا الربيع أو بالأحرى وطء بالأقدام على أزهاره، ورغم ذلك لا يزال الربيع مستمرا حسب قناعتي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة