الإسلاموفوبيا.. فعل أم رد فعل؟   
الثلاثاء 7/8/1436 هـ - الموافق 26/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:02 (مكة المكرمة)، 15:02 (غرينتش)

الدكتور محمد الجوادي*

(١)

من المتعارف عليه بحكم العقل والمنطق عند قراء التاريخ ودارسي السياسة أن تحلل القوى العظمى أمر حتمي، وأن من مهام الأنظمة الذكية أن تؤخر بدء هذا التحلل إن لم تستطع تلافيه أصلا، وأن مهمة البحث في أسباب هذا التحلل عند بدء ظهوره هي أولى الأولويات في مراكز التفكير والبحوث، حتى عندما كانت هذه المراكز تقتصر على مجموعة العقول المعدودة التي يشاورها ولي الأمر أو الحاكم.

ومن البدهي أن أحدا لن يسمي التحلل باسمه الصريح، فهناك أسماء كثيرة كانت كفيلة بالقيام بالمهمة منذ العصور القديمة على نحو ما نعرفه الآن من التعبيرات التي صاغتها لغة السياسة الأميركية المراوغة من قبيل: تراجع النفوذ، وضعف القوة الناعمة، والافتقار إلى الاستجابات المعهودة، وصعود قوى مناوئة، وعدم وفاء السياسات المحلية بالآمال المعقودة عليها من أجل السلم والتعاون الدوليين، وتراجع الاهتمام بالقيم الإنسانية والمثاليات الحضارية، وغياب لغة الحوار التي ظلت ممتدة على مدى العقود السابقة، وتزايد نوبات سوء الفهم المتعمد... إلى آخر هذه الصياغات التي بدأ يعبر بها الساسة الأميركيون (على سبيل المثال) عن مشاعرهم المبكرة بالإحساس ببدء تحلل إمبراطوريتهم الطاغية.

ومن الحق أن نقول إن الأميركيين -رغم ظلمهم وجبروتهم- محقون في إحساسهم بأن جبروتهم أصبح معرضا لبراكين وزلازل، كما أنه أضحى بالفعل يواجه كثيرا من الأعاصير والعواصف. فإذا أردنا البحث عن قاسم مشترك يكاد يفرض وجوده على كل هذه الأنواء، وجدنا بسهولة أن الإسلام يتقدم بقوة ليحصد هذه المكانة.

الإسلام الذي يتصدى لهذه المهمة الجسورة لا يزال يمكن تصنيفه على أنه ينتمي إلى رد الفعل أكثر من انتمائه إلى الفعل. وبتعبير يجمع بين صياغات النحو والميكانيكا، فإنه قوة انفعالية تؤدي دورا فاعلا

(٢)

وربما أن القصة بدأت على يد الأميركيين أنفسهم، وربما أن آلية ما -حسب بعض تصويراتهم الخبيثة- بدأت منتصرة عليهم فأرادوا المسارعة إلى السبق في تصنيعها وتوريدها (كما يقال في عالم رجال الأعمال)، أو توظيفها وتسويقها (كما يقال في عالم السياسة). ومن المؤكد أن الأميركيين وعلى نطاق واسع مارسوا هذين النمطين مع الصور المتعددة من تجربة الصحوة الإسلامية المعاصرة.

ومن الواضح بجلاء أن "الإسلام" الذي يتصدى لهذه المهمة الجسورة لا يزال يمكن تصنيفه على أنه ينتمي إلى رد الفعل أكثر من انتمائه إلى الفعل. وبتعبير يجمع بين صياغات النحو والميكانيكا فإنه قوة انفعالية تؤدي دورا فاعلا، وهو ما يعني بلغة السياسة والاجتماع أن أعداء الإسلام هم الذين اضطروه أو دفعوه إلى أداء فعل لا يصدر إلا عن فاعل أصلي قاصد ومتعمد ومخطط.

ومن دون أن نسير كثيرا مع التاريخ المعاصر فإننا نستطيع أن نرى الأدلة الحاسمة على صواب ودقة الفكرة التي نطرحها بوضوح تام، من خلال القراءة الأمينة لمعاني الومضات الكاشفة في تاريخ الصراع الدولي الذي شارك فيه الإسلام والمسلمون بطريقة فاعلة وحاسمة.

ففي نهاية ١٩٧٣ كان من الواضح أنه كما أن لغة جديدة قد انضمت إلى اللغات الرسمية في الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، فقد واكب هذا حادث مزلزل وهو أن هذه اللغة انضمت إلى اللغات المعترف بها في قياس قوة أطراف النزاعات الدولية، وذلك بعد أن تحقق في أكتوبر/تشرين الأول نصر مفاجئ من نوع جديد لم يكن العالم المتقدم قد أعطى العناية الكافية لمقدماته المتمثلة في إيمان عميق بوجود قوة قاهرة تكفل للمؤمنين الصادقين أن يحطموا ما لا يحطم، وأن يعبروا ما لا يعبر، وأن يفاجئوا من لا يفاجأ، وقد حدث هذا وكأنه رد فعل يائس (وحتمي أيضا) على ما صرحت به القوتان العظميان بعد اجتماع تاريخي لقادتهما من استراحتهما إلى ما وصفه وصنفه بيانهما بأنه حالة الاسترخاء العسكري في الشرق الأوسط، وجاء أكتوبر/تشرين الأول ليثبت للعالم وللتاريخ أن روح الإسلام لا تزال قادرة -إن تم استدعاؤها- على تحقيق الانتصارات التي صاغت وجه الأرض منذ ظهر الإسلام وأسس دوله المتعاقبة.

(٣)

ومن الإنصاف أن نذكر للمسلمين أن الباحثين الأميركيين والغربيين كانوا يجهدون أنفسهم في البحث عما يمكنهم إظهاره من أسباب غير حقيقية لانتصار المسلمين عام ١٩٧٣، أو في تصوير هذا الانتصار على غير حقيقته وفي غير حجمه، وذلك حتى لا يعترفوا بحجم الدور الإيماني فيما تحقق فيه من نصر أكيد وفريد استمد مقوماته من عقيدة صادقة، ولا تزال محاولاتهم في هذا الصدد تبوء بالفشل تلو الفشل على الرغم من أن كثيرين من المسلمين والوطنيين أنفسهم يجرون أنفسهم إليها جرا، ويتحمسون لأحكام جائرة عليهم بأكثر مما تحمس لها من يظلمهم بها.

ولست في حاجة إلى أن أكرر ما هو معروف مما أشرت إليه كثيرا من أن المكونات الرافعة لرايات اليسارية والقومية والتقدمية والوحدوية والبعثية والناصرية في الجانب المنتصر، أحست بوضوح شديد (لم تعبر عنه صراحة وإن بدا مسيطرا حتى على مشاعرها وروحها) أن دورها المعنوي بات معرضا للتلاشي تماما في ظل ما تحقق من نجاح مادي لا يمكن وصفه بلغة المادة إلا على أنه اكتساح أنجزه "العقار" القديم/الجديد حين حقق (لتوه) نتائج باهرة في صراع طال أمده ولم يتحقق فيه أي نجاح بالوسائل اليسارية والقومية والتقدمية والوحدوية والبعثية والناصرية، بل إنه تفاقم من جراء التفعيل الدائب لأدويتها غير الفاعلة حيث كرست التجربة قصورها بوضوح عن أن تحقق أي انتصار.

وليس من سبيل إلى إنكار الحقيقة الدامغة التي تمثلت في أن أعداء الإسلام وكذلك غير المنتمين له، كانوا واعين تماما لما تحقق من انتصار في أكتوبر ١٩٧٣ وما أعقبه وترتب عليه على جبهات الحرب والسلام والاقتصاد، وكان وعيهم هذا جادا وعميقا لدرجة يمكن وصفها على نحو مادي بأنه كان يتمتع بأضعاف ما كان المسلمون أنفسهم يعون به للواقع الجديد ولهذه الحقيقة نفسها.

جاءت وقائع الحرب الأفغانية قبل أن تمضي سنوات قلائل على النصر الموحي الذي حققه المسلمون عام ١٩٧٣، وبدا بوضوح أن الإسلام الذي استحضرت روحه لا يختلف كثيرا عن الإسلام الذي ارتبط بالنصر الموحي من قبل

(٤)

وحين يكتب التاريخ بعيدا عن الأحقاد التي تتوجه ضد نجاح حققه زعيم لم يُعن بتوظيف نجاحه في صياغة صورة التأله (وهي صورة المنتصر الكلاسيكية أو المعهودة في الشرق)، فسوف نكتشف مدى ما تحقق من نصر تنامت أصداؤه ورهبته في الغرب، لكني أكتفي هنا بأن أذكر ملمحين للصورة على طرفين مختلفين، ذلك أن معظم المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا على سبيل المثال تأسست مع كل الاحترام البالغ بل والترحيب غير المعهود في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة. كما أن الاهتمام الأكاديمي بدراسات الإسلام والشرق الأوسط بلغت ذروتها في تلك الفترة.

وربما أقفز لأنبه إلى حقيقة فارقة ومفارقة ذلك أن هزيمة ١٩٦٧ أتاحت للاتحاد السوفياتي أن يجد لنفسه موطئ قدم في البحر المتوسط امتد منه إلى القرن الأفريقي وما يقابله فيما حول عدن، لكن انتصار أكتوبر أخرجه من هاتين المنطقتين الإستراتيجيين بطريقة حتمية وتدريجية.

وحين بدأت العقول السوفياتية الإستراتيجية تفكر في ضرورة استعادة وجودها الفاعل خارج حدود إمبراطوريتها الواسعة، آثرت أن تستعرض القوة في انقلاب عسكري موال لها في دولة إسلامية مجاورة لها هي أفغانستان، على الرغم من أنه كان يمكنها أن تعزز وجودها المعنوي والإستراتيجي في اتجاهات أخرى كانت متاحة أمامها، لكنها الأقدار شاءت للاتحاد السوفياتي أن ينهار على يد العقيدة الإسلامية المتأججة منذ ذلك الحين.

وقد شاءت الأقدار أيضا للولايات المتحدة أن تندفع إلى حرب أفغانستان بكل ما كان كفيلا لها من قوى ناعمة، وكانت تفعل هذا عن خبث ثلاثي الأبعاد والغايات ينتقم من عدوها التقليدي (أولا) ويخلق لها وجودا إقليميا في تلك المنطقة المتوسطة لغريميها التقليديين في الصين وروسيا والمحتملين في الهند وإيران (ثانيا) ويدخل بخبرائها وجنودها إلى قلب وماكينة صنع وصياغة الانتصار الإسلامي المرجح (ثالثا).

وإذا كانت الولايات المتحدة قد سعدت بنتائج الحرب في بعدها الأول الذي أدى خلال سنوات قلائل إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، فإنها -دون أن تدري- أوذيت هي نفسها إلى حد بعيد من محاولتها الاستطلاعية في بعدها أو غايتها الثالثة، وهو ما أثر بالسلب على غايتها الثانية على الرغم من نجاح ظاهري فيها.

(٥)

وقد كان السبب الجوهري في كل هذه التحولات العميقة بسيطا جديدا على الرغم من ظهوره في صور معقدة التركيب والتحور، وهو لا يعدو أن يكون شبيها بذلك المشجع المفتون بكرة القدم الذي شهد أكثر من مئة مباراة في الملاعب وأكثر من ألف في الفيديوهات المسجلة، بينما لم يشارك باللعب على مدى حياته إلا في خمس مباريات فحسب، ومع هذا فإن باعه في التشجيع الكروي لا ينكر أبدا بل إنه مضرب الأمثال، وهذا هو جوهر الإسهام الأميركي في الحروب والذي يمكن تلخيصه في عبارة موجزة بأنه "حضور دون مشاركة من أجل نصر بلا حرب".

وقد جاءت وقائع الحرب الأفغانية قبل أن تمضي سنوات قلائل على النصر الموحي الذي حققه المسلمون عام ١٩٧٣، وبدا بوضوح أن الإسلام الذي استحضرت روحه لا يختلف كثيرا عن الإسلام الذي ارتبط بالنصر الموحي من قبل، مع أن بعض الباحثين حاول أن يفصل بين نصر ارتبط في إعلامه وفي التصور المرسوم عنه (إلى حد ما) بجيوش نظامية، وآخر ارتبط في مجموعه وفي مقوماته بجماعات جهادية وبروح إسلامية صرفة.

وليس أدل على الأثر الذي أحدثه نصر أكتوبر من أن روح البحث عن انتصار بدأت تؤتي ثمارها على نطاق واسع، حتى إن رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر كانت حريصة على أن تتمثل روح الحسم السريع في حرب فوكلاند التي اعتمدت فيها على زمام المبادرة والحماس المقدس على نحو ما فعل السادات عام ١٩٧٣.
__________________
* مفكر ومؤرخ مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة