صرخة لأجل معتقلي الثورات   
الأحد 1436/12/7 هـ - الموافق 20/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:37 (مكة المكرمة)، 13:37 (غرينتش)

نبيل الفولي*

"ضئيل جدا هذا الواجب الذي أؤديه لكم، ولكنه بعض ما عليّ وأنا واحد من أبناء البلاد التي ضحيتم من أجلها بأنفسكم... إنا منتظروكم، وقد تعلمنا منكم الجهاد والجلد، فإما فزنا وفزتم، وإما متنا في ميدان الشرف نحن وأنتم سواء" (عبد القادر حمزة في رسالته "اذكروا سعدا وصحبه المعتقلين" التي كتبها قبل أكثر من تسعة عقود من الزمان بمناسبة اعتقال سعد زغلول وصحبه ونفيهم).

من كثرة الجراح التي خلفتها المواجهة الدامية لقوافل التخلف والاستبداد والرجعية مع الربيع العربي صرنا ننسى كثيرا من قضايانا الخطيرة، أو نضطر إلى تأخيرها على سلَّم الأولويات تحت وقع قضايا أخرى خطيرة أيضا وأعلى ضجيجا، مع أن عنصر الوقت في تلك الأولى قد يكون حاسما، ومن ذلك قضية المعتقلين والأسرى في سجون ومعسكرات الأنظمة الذين لا تعرف أعدادهم بالتحديد في سوريا والعراق وليبيا واليمن، في حين يقدرها بعض المتابعين في مصر بما بين ثلاثين وخمسين ألفا.

ولو أخذنا بالحد التقريبي في هذا الأمر فنحن نتكلم عن حوالي مئتي ألف إنسان أصبحوا ملفا مطويا أو مؤجلا أو غائما وسط زحام القضايا الأخرى، وثمة مجموعة من الحقائق المفصلية لإدراك حجم المأساة في هذه القضية تتمثل فيما يلي:

- أن جانب النخبوية ظاهر على كثير من عناصر هؤلاء المعتقلين، فنحن بإزائهم نتكلم عن علماء ووزراء ونواب اختارتهم شعوبهم ومحافظين وقادة عسكريين وجنود ومفكرين وناشطين سياسيين وفنانين وخبراء طبيين وهندسيين وتعليميين يمثلون عصب المجتمعات التي ينتمون إليها، ومجرد حرمانهم من الحرية ومنعهم من الحضور الاجتماعي الفاعل في أوطانهم يمثل خسارة فادحة للمجتمعات والمؤسسات التي ينتمون إليها.

- الحضور النسائي والطفولي جرح غائر في هذا المشهد المؤلم، خاصة مع التعامل معهم بمنطق لا يختلف عن منطق التعامل مع الرجال والكبار، بل يبدو في بعض الحالات أشد إيلاما من هذا، لما يقع على النساء والأطفال من انتهاك لأعراضهم وتعد على حرماتهم البشرية، وهو أمر تواترت به الأخبار من أكثر من بلد من هذه البلاد المنكوبة.

- أن كثيرا من إجراءات الاعتقال التي تمت بحق هؤلاء لم تخضع لإثبات قانوني أو تسجيل رسمي، ومن هنا صعوبة حصول كثير من العائلات والمهتمين بحقوق الإنسان على معلومات حول المعتقلين والسجناء السياسيين، والتعرف على كونهم أحياء أو حتى في عداد الموتى.

- أن كارثة المعتقلين لا تفرق بين طيف سياسي وآخر، ولا بين دين أو مذهب وآخر، ففي سجون الأسد وحلفائه قوميون وإسلاميون وعلويون يجمعهم أنهم معارضون، وفي سجون السيسي مسلمون ومسيحيون وعسكريون وناشطون ليبراليون وغيرهم. وغلبة العنصر الإسلامي في هذه القضية لا يعني أنها قضيتهم وحدهم، بل هي قضية حقوق إنسان كبرى في وقتنا الحالي ترجع بنا إلى أجواء الحروب الكبرى التي سيق فيها عشرات الآلاف من البشر إلى المعتقلات البالغة القسوة في ألمانيا والاتحاد السوفياتي وغيرهما.

- تتبع الأنظمة أسلوبا إجراميا في التعامل مع هذا الملف الإنساني يقوم على سياسة الإفناء الجسدي والإنهاك النفسي والبدني للمعتقل إلى أقصى حد، وتسليط ذوي العاهات النفسية والعقد الاجتماعية من رجال الأمن والمخابرات على المعتقلين والمساجين يسومونهم سوء العذاب بطرق تترك جراحا غائرة في البدن والنفس على السواء. وهو ما يعني أن التعذيب لم يصر وسيلة في نفسه للوصول إلى شيء، ولو التخلص البدني من الخصم، فهذا تكفيه رصاصة، ولكننا أمام سادية تتمتع بالتعذيب وقتل الخصم بالتدريج، وهو ما ينم عن تراجع خطير ومُزرٍ في إنسانية الإنسان.

كل هذا يعني أن التأخر في تحرير هؤلاء، أو الضغط الشديد والمنظم والمتتابع لتغيير سياسات الأنظمة في التعامل معهم، يعني خسارتهم على المستوى البدني والعقلي إن بقوا أحياء، بل هذا ما يتسرب إلينا بالفعل من وقت إلى آخر من خروج بعض المأسورين من محل اعتقالهم إلى المقبرة أو حتى هائمين على وجوههم في الطرق والشوارع فاقدين عقولهم.

التأخر في تحرير المعتقلين أو الضغط الشديد والمنظم والمتتابع لتغيير سياسات الأنظمة في التعامل معهم، يعني خسارتهم على المستوى البدني والعقلي إن بقوا أحياء، بل هذا ما يتسرب إلينا بالفعل من وقت إلى آخر من خروج بعض المأسورين من محل اعتقالهم إلى المقبرة أو حتى هائمين على وجوههم في الطرق والشوارع فاقدين عقولهم!

نفاق أميركي
وما يتردد كثيرا عن أن قضية المعتقلين والأسرى تكشف نفاق السياسة الدولية عموما والأميركية خصوصا لما تبديه من نشاط محموم للإفراج عن "أسير حرب" إسرائيلي جاء ليقتل الأبرياء بآلته العسكرية الجبارة، ولا تحرك ساكنا إزاء قضية انتهاك صارخ لحقوق عشرات الآلاف من البشر في بلدان تعيش الدكتاتورية فيها مرعية بعين غربية وقحة.

هذا الكلام صارت جدواه الإعلامية أكبر من فائدته السياسية، لأن السياسي الغربي اختار معسكره وحدد موضعه من قضايا حقوق الإنسان في أوطاننا، خاصة بعد الانتفاضات الضخمة ضد الاستبداد ورعاته خلال الأعوام الأخيرة، فما دامت هذه القضايا مجرد عرَض يلحق إخماد المطالب الشعبية بالحرية وإنهاء دولة الاستبداد في بلادنا، فلن يتحرك السياسي الغربي تحركا مؤثرا في هذا الموضوع.

والجدوى الإعلامية المقصودة في هذه القضية هي أن إخراج المعلومات من بطون المعتقلات وأقبية السجون إلى العلن ثبتت جدواه بقوة في كثير من الحالات، بشرط أن نحسن تسويق المعلومات ونشرها في أوسع نطاق ممكن، لما يصحب ذلك من كشف الحقائق الموثقة أمام الأحرار من الأفراد والمنظمات، وهي وسيلة ضغط مهمة للتأثير فيما يجري في المعتقلات ومراكز الشرطة ومعسكرات الجيش.

والحقيقة أن عنصر الزمن خطير في هذه الناحية، فكثير من المعلومات حول الانتهاكات التي جرت بحق المعتقلين والمختطفين في الجزائر مثلا كُشِفت في زمن متأخر كثيرا عن وقت وقوعها، فصارت الجدوى والقدرة على توظيفها ضعيفة، ومحاسبة النظام المسؤول عنها أصبحت بلا معنى، ولم يبق إلا محاسبة بعض الوجوه المسؤولة سابقا -إن تمت- تجميلا للوجوه الجديدة في هذه المؤسسة الأمنية أو تلك.

إن شعورا بالإحباط واليأس يسيطر على كثيرين عند تناول قضية المعتقلين السياسيين وأسرى الأنظمة الحاكمة في سجون مصر وسوريا واليمن وليبيا والعراق، لما يرونه من أنهم يتكلمون عن قضية مغلقة لا يستحي فيها الجاني أن يفعل -بنذالة عجيبة وخسة غريبة- ما لا تفعله وحوش البراري في خصومها حين تتمكن منهم، وهو لا يخشى على هذا مساءلة أو حسابا.

ومع هذا فالقضية ذاتها قضية غنية جدا لمن يريد أن يشتغل عليها، ويرجع هذا الثراء إلى التنوع الحاصل في العناصر المتضررة منها، فهي تعني الجمعيات المدافعة عن الطفل، والجمعيات المهتمة بشؤون المرأة، والأخرى الراعية لحقوق الإنسان عموما، والجمعيات المركِّزة في عملها على فئة المسنين، كما تعني التجمعات المهنية للصحفيين والأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين والنقابات العمالية، وهذه كلها يمكن تحريكها دوليا وإقليميا عن طريق الفضح والكشف الإعلامي لممارسات الأنظمة ضد المعتقلين، وتقديم التقارير المباشرة لهذه المؤسسات عن ذلك، ومطالبتها بالتحقق منه بنفسها مباشرة.

إننا حين نضع قضية المعتقلين ضمن الصورة العامة للصراع الدائر في البلاد المذكورة، سنجد أنهم الحلقة الأضعف بالنسبة للشعوب المناضلة، ففلذات أكبادها أسرى في أيد تقتل وتسحق وتهتك العرض دون أن ترتعش أو يؤنبها ضمير.

ومع هذا، فإن كثيرا من هؤلاء المعتقلين يرفضون الإفراج عنهم مقابل التنازل عن حقوق الشعوب، إنهم لا يريدون سلاما مع الأنظمة تضيع معه الحقوق، أو يُتنازَل فيه لأجلهم عن كرامة الوطن. فقط يريدون فضح ممارسات الأنظمة ضدهم وإيصال صوتهم المكبوت في الفضاء الكوني الواسع، والثبات في مواقع النضال حتى تسقط الفاشية وتنهار جدران الباستيل.
_______________
* كاتب وباحث مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة