النزوح.. محنة الخوف والعوز بالصومال   
الأربعاء 1435/7/23 هـ - الموافق 21/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 3:18 (مكة المكرمة)، 0:18 (غرينتش)

محمد غلام-مقديشو

نزحت أكثر من خمس مرات داخل العاصمة الصومالية مقديشو بحثا عن مكان آمن يؤويها وأولادها السبعة في عاصمة خبرت الموت أكثر مما عرفت الحياة على وقع حرب أهلية مستعرة منذ 24 عاما.

قصة مدينة علي مع النزوح ليست بالجديدة، فهي نازحة أصلا من مدينة بورهاكابا على بعد أكثر من مائتي كلم جنوب غرب مقديشو بعد أن أجبرها الجفاف وقلة ذات اليد على ترك مرابع الطفولة، لتجد نفسها مجرد رقم من نحو مليون نازح يتوزعون على أكثر من ثلاثين مخيما في العاصمة وضواحيها وخارجها.

وفي مخيم جيلي جنوب مقديشو، ألقت أخيرا عصا التسيار واتخذت مخبأ من القماش والزنك حيث تعيش يوميا على أمل مجيء زوجها العامل محملا بلقمة عيش تطفئ لهيب بطون أولادها السبعة.

حال مدينة رغم بؤسه يبدو أحسن بكثير من أخريات غيرها في هذا المخيم، فلديها على الأقل من تركن إليه للتغلب على نوائب الدهر.

أما هندية آدم علي (25 عاما) فترابط وحيدة بأولادها الخمسة بعد أن تُوفي زوجها برصاص طائش في معارك بين المحاكم الإسلامية والقوات الإثيوبية عام 2007.

مدينة علي نزحت أكثر من خمس مرات داخل مقديشو بحثا عن مكان آمن (الجزيرة)

تحكي هندية كيف اضطرت أسرتها قبل ثماني سنوات من موت عائلها للنزوح من مدينة بيدوا بعد أن فقدت كل مواشيها في موجة جفاف ماحق.

تعيش هندية على ما تجنيه من عائد غسل الملابس لأسر داخل المدينة، وتقول إنها لم تتلقَ أي مساعدة من جهات خيرية منذ أكثر من عام، وهي شكوى تكررت مع أكثر من عائلة.

مهنة غسل الملابس لجأت إليها كذلك نورتا عبد الله (29 عاما) لإطعام أولادها الأربعة بعد أن فقدت زوجها في قصف مدفعي عام 2007 على سوق بكارا الشهير.

وكانت عائلتها قد نزحت قبل ذلك بسنتين من مدينة جنالي على بعد 110 كيلومترات جنوب مقديشو.

جهود خيرية
ونظرا لحجم المآسي الإنسانية يبدو ما تجود به المنظمات الخيرية الإقليمية والدولية ضئيلا رغم أن بعضها يقوم بجهود معتبرة.

قطر الخيرية من تلك الجهات التي لها حضور بارز في المنطقة منذ 2007 وتعزز عملها مؤخرا بتنفيذ مشاريع رائدة أثنت عليها الجهات الدولية، وفق مدير مكتبها بالصومال محمد حسين عمر.

وفي عام 2011 احتلت قطر الخيرية المرتبة الثانية من حيث مد يد العون للصوماليين بعد برنامج الغذاء العالمي.

وقد نفذت مؤخرا مشاريع إنقاذ عاجلة لصالح النازحين المتضررين من الجفاف في مخيم بدبادو وثلاث قرى نموذجية بمقديشو وأربع محافظات بالجنوب، وبلغ عدد من استفادوا من هذه المشاريع ثلاثمائة ألف شخص.

قطر الخيرية نفذت مؤخرا مشاريع إنقاذ عاجلة لصالح النازحين المتضررين من الجفاف واستفاد منها ثلاثمائة ألف شخص

وتقوم الهيئة القطرية اليوم بتنفيذ مشروع سمّته "إعمار" لعودة النازحين لمناطقهم الأصلية عن طريق توفير المأوى لهم وتنفيذ فرص عمل، وقد استفادت منه إلى الآن ثلاثة آلاف أسرة.

قوارب وقوافل
كما تنفذ مشروعا آخر بولاية "بونت لاند" بعنوان "إنعاش" استفادت منه حتى اليوم ثلاثمائة أسرة تلقت كل منها عشرين رأس غنم أو قوارب صيد، فضلا عن قوافل طبية وبناء مدارس.

ويقدر المنسق بهيئة إدارة الكوارث التابعة لوزارة الداخلية الصومالية عبد الفتاح شيخ محمد عدد النازحين داخليا بنحو سبعمائة ألف، في حين تقدره مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بنحو 1.1 مليون.

ويقول شيخ محمد إن المفوضية تبالغ في أرقام النازحين للحصول على تبرعات دولية يذهب أغلبها لمصروفاتها الإدارية.

ويقدر المسؤول الصومالي عدد المهاجرين لدول مجاورة مثل كينيا وإثيوبيا واليمن وجيبوتي وإريتريا والسودان بنحو مليون، وإلى دول خارج المحيط الإقليمي بنحو تسعمائة ألف.

ويستفيض شيخ محمد في شرح ما توفره إدارته للنازحين بطرق مباشرة وغير مباشرة، ويثني على الجهود القطرية والتركية، لكن شيئا من ذلك لم يصل قطعا إلى بطون أطفال مدينة وهندية ونورتا، وتلك الجهود -رغم أهميتها- لا تبدو هنا إلا كنقطة في بحر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة