قسنطيني يدعو لفتح باب الجزائر أمام الحقوقيين الدوليين   
الثلاثاء 1436/2/17 هـ - الموافق 9/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:39 (مكة المكرمة)، 12:39 (غرينتش)


حاورته/ أميمة أحمد-الجزائر

دعا رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها في الجزائر إلى استقبال المقررين الأمميين الذين ترفض الحكومة استقبالهم، وكذا المنظمات الدولية الحقوقية، قائلا إن بلاده ليس لديها ما تخفيه، وهي بحاجة إلى النصح في هذا المجال.

وذكر فاروق قسنطيني أن تقارير اللجنة توافق عليها الرئاسة "بالكامل"، لكن البيرقراطية تقف حجر عثرة أمام تعليمات رئيس الجمهورية، كما قال.

الحقوق الاجتماعية والسياسية والحريات العامة وإلغاء عقوبة الإعدام ورفض استقبال منظمات حقوق الإنسان الدولية غير الحكومية والمقررين الأمميين، وغيرها من القضايا طرحتها الجزيرة نت على المحامي قسنطيني في الحوار التالي:

  ما أبرز التوصيات والملاحظات في تقريركم لرئيس الجمهورية للعام 2013؟

- في تقرير 2013 ركزنا على الحقوق الاجتماعية: السكن، القدرة الشرائية، الصحة، البطالة، التعليم، فهذه كلها شهدت تدهورا كبيرا سبّب معاناة للمجتمع الجزائري.

تكلمنا أيضا عن العدالة، وهي تلعب دورا أساسيا في المجتمع، ةللأسف هي الأخرى تعاني رغم وجود قوانين لا بأس بها في المنظومة القانونية، ورغم جهود الدولة لتطوير العدالة، لكن التطبيق لا يرقى إلى معايير العدالة المأمولة، والسبب يعود إلى كثرة القضايا أمام القاضي فلا يكفيه الوقت لدراستها، أو يعود إلى عدم كفاءة القاضي.
 كم يبلغ عدد القضاة في الجزائر؟ وما رأيك -بوصفك محاميا- بحق الدفاع والأحكام القضائية؟

- عدد القضاة لا يتجاوز خسمة آلاف في كافة المحاكم الجزائرية، وهو غير كاف مقارنة بعدد السكان (نحو 40 مليون نسمة)، فلا نلوم القاضي وأمامه يوميا مائتا قضية عليه أن يفصل فيها، ولا يكفيه الوقت ليدرسها جيدا، وبالتالي تصدر الأحكام سريعة. العدالة تستوجب دراسة وافية للقضية وإعطاء الأحكام المناسبة لها، وهذا هو الدور الحقيقي للقاضي.

والقصور نفسه في حق الدفاع، أنا كمحام أضطر لتلخيص المرافعة حتى لا آخذ من وقت القاضي، فمرافعة مدتها نصف ساعة أوجزها في خمس دقائق، فالمحامي لا يأخذ الوقت الكافي ليدافع عن موكله.

ما تفضلتم به في القضايا العادية، فكيف الوضع في القضايا الجنائية؟

- يبرمج في محكمة الجنايات أربع قضايا جنائية يوميا، وقضائيا لا يمكن للقاضي رئيس الجلسة في محكمة الجنايات أن يفصل في أربع قضايا في يوم واحد، وهناك قضايا معقدة من المفترض أن تستغرق الواحدة منها يومين على الأقل.. لذلك الأحكام منقوصة من حيث النوعية، القاضي يحكم باستعجال نظرا لحجم القضايا، وقد يُظلم المتقاضي، ولا نلوم القاضي وأمامه عدد كبير من القضايا.. هذا الأمر تحدثنا عنه في تقريرنا.

هناك تشكيك في استقلالية القضاء ومطالبات بتشكيل مجلس أعلى للقضاء مستقل. ما رأيكم؟

- شخصيا أناضل من أجل استقلالية تامة للقضاء، ويجب أن يكون رئيس المجلس الأعلى للقضاء شخصا مستقلا، كي تتحقق هذه الاستقلالية لأنها أحد أركان الديمقراطية. القضايا العادية ليس فيها تدخلات فالقاضي مستقل، أما القضايا الحساسة مثل القضايا الاقتصادية فتوجد شكاوى من القضاة أنهم تحت ضغط ليبرروا مواقفهم وأحكامهم، لكن من جانبنا لم نر ضغطا.

ماذا عن الرشوة مثلا؟

- صراحة الرشوة لم أصطدم بها خلال سنوات عملي الطويلة في العدالة، لكن هناك كلام عن الرشوة، فإن كانت موجودة فربما في محاكم داخلية، أما في العاصمة فغير موجودة، ولم أتحقق أبدا من هذه الأمور. على كلًّ، نصوص الدستور والقانون واضحة، والقاضي مُجبر أن يخضع فقط للقانون وضميره، إذا كانت شخصيته قوية فلا يتعرض لأي ضغط، وإذا كان ضعيفا ويفكر في ترقيته ومستقبله فهو يوصل نفسه كي يأخذ مواقف غير مطلوبة منه.

ما زالت عقوبة الإعدام في القانون الجزائري، وصدر زهاء 200 حكم بالإعدام منذ تعليقها عام 1993، وخبراء الأمم المتحدة في اجتماعهم مؤخرا في الجزائر حثوا على إلغاء الإعدام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ما العوائق أمام إلغاء عقوبة الإعدام في الجزائر؟

- المسألة تحتاج إلى دراسة مستفيضة من ذوي الاختصاص وعلماء الدين، فالجزائر من الدول التي ترفض تطبيق حكم الإعدام سعيا منها لعصرنة قوانينها الجزائية، وجعلها أكثر تطابقا مع الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وستقلّص تدريجيا مواد عقوبة الإعدام وهي 17 مادة، وتبقى عقوبة الإعدام على جرائم القتل العمد، لكن معارضة الإسلاميين لإلغاء عقوبة الإعدام ما زالت معرقلة، وتعززت معارضتهم بمطالبة شعبية واسعة بالقصاص من خاطفي الأطفال بعدما شهدت الجزائر عدة حالات اختطاف لأطفال وقتلهم.
 
 منظمات حقوقية وأحزاب جزائرية ومنظمات دولية لحقوق الإنسان تنتقد الجزائر لتضييقها على الحريات الصحفية والسياسية وتأسيس الأحزاب والجمعيات. ما ردكم؟

- بالفعل الملاحظات في محلها، نحن كتبنا عدة مرات أنه يجب توسيع الحريات كلها. كانت السلطة تمنع المظاهرات سابقا لأسباب أمنية، والآن تحسّن الوضع ويجب العودة إلى الحياة الطبيعية من حيث تنظيم المسيرات والمظاهرات السلمية.. هذه هي الديمقراطية.

وبالنسبة للصحافة أنا ضد منح الامتيازات لأي صحيفة، إذا كانت عندنا رغبة في الديمقراطية يجب إطلاق الحريات الصحفية والمعاملة المتساوية مع كل الجرائد، فلا نضغط على أي كان في توزيع الإشهار. وشخصيا أؤيد وضع معايير لتوزيع الإشهار على الصحف ليتوزع بالتساوي بغض النظر عن الخط الافتتاحي للصحيفة.

نؤكد أننا ضد الامتيازات، وليس من حق الدولة توقيف أي جريدة لأنها انتقدت السلطة، ودور الصحافة مهم في تحسين عمل الدولة وأدائها، وهو يشبه دورنا كلجنة حقوقية.

ومبدئيا يجب احترام حرية النقد، وعلى الدولة ألا تغضب منه أو تعاقب المنتقد، وفي نفس الوقت -رغم أني مع حرية التعبير لأبعد حد- أرفض السب والشتم، فيجب على الصحافة الحفاظ على قرينة البراءة للمواطن قبل الحديث عنه.

لماذا ترفض الجزائر استقبال المقررين الأمميين، خاصة مقرر الاختفاء القسري، وهي قضية تثيرها منظمات المفقودين في الجزائر، إضافة إلى قضية عدد المختفين قسريا؟

- أنا مع استقبال المقررين الأمميين، خاصة أن الجزائر عضو في مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة.. أعمل ما بوسعي لفتح الحدود أمام منظمات حقوق الإنسان الدولية الحكومية وغير الحكومية، لأنه لا يوجد ما نخفيه عنهم، ونحن في حاجة إلى آرائهم إذا كان لدينا نقائص.

المفقودون حسب الإحصاء الرسمي 7200 حالة موثقة بملفات مأخوذة  من سجلات الدرك الوطني، ووافقنا على استخدام الحمض النووي للكشف عن المفقودين، لكن عائلاتهم لديها رغبة في المحاسبة. ولكن كيف ننطلق في المحاسبة؟ وبأي طريقة نحاكم المتهمين؟ هذه هي المشكلة.. أهالي المفقودين يذكرون أسماء، لكن في الواقع ليس لديهم أي دليل على اتهاماتهم.

إذا أردنا محاكمة مسؤولين في الدولة يلزمنا وقائع ملموسة وقرائن على تورطهم، أما الكلام فلا يؤسس لمحاكمة. وشخصيا بحثت عما يثبت تورط أو إدانة لأحد فلم أعثر.

نعم هناك ضحايا لتجاوزات بعض أعوان الأمن خلال مكافحة الإرهاب، قضوا على بعض الأشخاص بطرق غير مشروعة، لكن بعد التدقيق لم تكن تلك الأفعال بأوامر عليا، بل تصرفات شخصية بسبب توترهم لوجودهم في الجبال بعيدين عن عائلاتهم لأشهر، فقاموا بهذه الأفعال ولم يتلقوا أوامر من الدولة، ولم نعرف أسماء المرتكبين لتلك التجاوزات.

وقلنا إن الدولة عليها مسؤولية مدنية ومعنوية في حماية المواطنين، لكن بالنسبة للمسؤولية الجزائية فليس لدينا ما يثبت تورط الدولة في تلك التجاوزات، والدولة عوضت زهاء 95% من عائلات المفقودين، وصُنفوا "ضحايا المأساة الوطنية" مثل "ضحايا الإرهاب" وتحدث عنهم ميثاق السلم والمصالحة بالتساوي.. هذا ما استطعنا فعله كلجنة، فلا نستطيع إرضاء كل الأطراف.

ما نسبة استجابة رئاسة الجمهورية لملاحظاتكم وتوصياتكم؟
 
- على مدى 13 عاما في رئاسة هذه اللجنة، لم توجه لنا رئاسة الجمهورية أي ملاحظة حول مضمون التقارير المرفوعة إليها، ويبقى التقرير كما هو، وأغلبية الاقتراحات تتبعها قرارات، مما يعني أن الرئاسة وافقت على صحة اقتراحاتنا.

 الموافقة على الاقتراح شيء وتنفيذه شيء آخر، مثلا هل ارتفع عدد القضاة؟ الحريات مخنوقة: صحف متوقفة، صحفيون معتقلون، أحزاب وجمعيات تنتظر الاعتماد.. أليس كذلك؟
 
- فعلا، لكن يجب الحديث عن البيرقراطية فهي تعطل كل شيء.. الحكومة ذاتها تعاني منها، وصرحت مرارا بأننا تخلصنا من الاستعمار الفرنسي، ولكن إلى يومنا لم نتخلص من "الاستعمار البيرقراطي".. نلاحظ عرقلة البيرقراطية التي تعتبر حاجزا كبيرا، والمجتمع كله يعاني منها، ولو تتخلص الجزائر من 50% من البيرقراطية لكانت هناك قفزة نوعية هائلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة