العد التنازلي لإغلاق غوانتانامو   
الخميس 1430/10/18 هـ - الموافق 8/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 18:26 (مكة المكرمة)، 15:26 (غرينتش)
معتقل غوانتانامو اعتبر رمزا للتعذيب والخروج عن القانون الدولي (الفرنسية-أرشيف)
 
سارة مندلسون
 
بعد مرور ثمانية أشهر من أصل 12 حددت لإغلاق معتقل غوانتانامو، يتساءل الكثيرون في الولايات المتحدة: كيف تسير عملية إغلاق المعتقل؟

للإجابة على ذلك قيل إنه كان من الخطأ تحديد سنة واحدة كموعد نهائي لإغلاق المعتقل، كما أنه لم يكن هناك إجماع على موعد بدء عملية الإغلاق، في الوقت الذي يتربص فيه البعض من أجل إنحاء اللائمة على هذا الطرف أو ذاك، ولكن التقارير حول الفشل الوشيك سابقة لأوانها، كما أن القول إنه كان من الأجدر عدم تحديد موعد نهائي هو خطأ على أقل تقدير.
 
حقا لقد بدت جهود إدارة باراك أوباما في وضع أفضل في بداية أكتوبر/تشرين الثاني الحالي عما كانت عليه في مايو/أيار حينما واجهت أشبه ما يكون بالموت المحقق في الكونغرس حيث ارتكبت أخطاء وخطوات غير حكيمة، واتفق أنها فعلا جانبت الصواب أسوة بالمعارضين الذين لم يقدموا أفكارا لجعل الأشهر الأربع المتبقية تسير بسلاسة أكثر من الأشهر الثماني السابقة.
 
بصراحة فقد كنت من أنصار مهلة العام لإغلاق المعتقل، ونشرت وثيقة بعد اجتماعات متواصلة لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.. لم تحظ الوثيقة بالإجماع, إلا أنها رغم ذلك خلصت إلى الاستنتاج بأن إغلاق المعتقل قد يستغرق سنة ويجب البدء بذلك فورا عقب تنصيب الرئيس أوباما، في إشارة تعبر عن تحول جدي عن السياسات السابقة ومن أجل استثمار شعبية الرئيس أوباما علاوة على الدعم الواسع من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لإغلاق المعتقل.
 
"
اعتقدنا أن البعض وليس الكل في إدارة أوباما يؤمنون بأن مهلة السنة يمكنها منح القوة اللازمة للتحرك والمضي قدما في موضوع لقي مقاومة عنيدة خلال إدارة الرئيس جورج بوش
"
لقد اعتقدنا أن البعض وليس الكل في إدارة أوباما يؤمنون بأن مهلة السنة يمكنها منح القوة اللازمة للتحرك والمضي قدما في موضوع لقي مقاومة عنيدة خلال إدارة الرئيس السابق جورج بوش, ولقد تبنينا عملية أشرنا إليها باسم "المراجعة, الإفراج, النقل والمحاكمة" وبكلمات أخرى مراجعة ملفات المعتقلين وتصنيفهم إلى فئتين رئيسيتين وإخلاء سبيل بعض المعتقلين أو نقلهم إلى دول أخرى ومحاولة تحويل بعضهم إلى المحاكم الجنائية الأميركية. وقد تبين أن عددا من توصيات التقرير -وليس كلها- وجدت طريقها إلى الأوامر التنفيذية للرئيس التي وقعها يوم 22 يناير/كانون الثاني الماضي.
 
كان من بين التوصيات التي بحثها الفريق الانتقالي ولكن لم يتبنَّها، دعوتنا لتعيين "لجنة من الياقات الزرقاء من الشخصيات الأميركية الهامة والمشهورة من أجل رفع لواء المساعي في هذا السياق فور تسلم أوباما سلطاته، وهؤلاء الشخصيات يمكن أن يكونوا ممثلين موثوقين ويتكونون من مزيج من الجمهوريين والديمقراطيين من أمثال كولن باول, ساندرا دي أوكونور, لي هاملتون، وكذلك بعض الجنرالات المتقاعدين وشيوخ سابقين ووزراء دفاع وخارجية سابقين.
 
كان الهدف تزويد فريق أوباما بالخبرة السياسية التي يحتاجها ومن أجل أن يعبروا للشعب الأميركي والكونغرس عن أهمية إغلاق معسكر غوانتانامو, في نفس الوقت الذي تبدأ فيه مفاوضات مع الدول التي يمكن أن تستقبل المعتقلين المفرج عنهم, وقد علمنا بوجود نوايا حسنة من قبل مسؤولين في الاتحاد الأوروبي, وفي هذا السياق تلقيت مكالمات هاتفية وتسلمت رسائل إلكترونية من مسؤولين أوروبيين بعد نشر تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية يعبرون فيها عن رغبتهم في مساعدة إدارة أوباما فيما يتعلق بهذا الأمر الذي اعتبروه أمرا مشتركا.
 
وفي هذه الأثناء احتاج الأميركيون إلى أشخاص موثوقين لشرح أهمية إغلاق معتقل غوانتانامو من قبل رؤى غير حزبية وحتى حول استيعاب بعض المعتقلين داخل الولايات المتحدة مثل الإيغوريين الذين كانت إدارة بوش أدرجتهم على قائمة المفرج عنهم.
 
أما كبار المسؤولين الأمنيين فقد بينوا كيف أن تنظيم القاعدة استغل غوانتانامو  من أجل تجنيد وحشد الأنصار والمقاتلين وفقا لما يقوله كبار الضباط العسكريين ومنهم الجنرال ستانلي مكريستال والخبراء في مركز ويست بوينت لمكافحة الإرهاب, وأن إغلاق غوانتانامو ووقف الاعتقال إلى أجل غير مسمى يمكنه حرمان القاعدة من تلك الوسيلة.
 
وأخيرا ضرورة تذكير الأميركيين بأن  عملية إغلاق غوانتانامو تحمل في ثناياها وعدا بتقديم الذين ارتكبوا جرائم  شنيعة إلى العدالة، وهذه نقطة بالغة الأهمية كثيرا ما بدت غائبة خلال الهرج والمرج.
 
لكن الفريق الانتقالي اختار تبني هيكلية وبنية مختلفة هي هيئة من الموظفين متوسطي المستوى ممن يقدمون تقارير بشكل دوري إلى مستوى من هم في منصب نائب الوزير، حيث يتم نقل المعلومات إلى المسؤولين في الحكومة والمستوى الوزاري، وفي ختام المطاف تصل إلى الرئيس. ومثل هذه الهيكلية تمكن الموظفين من القيام بما هو منوط بالحكومة، مثل جمع المعلومات الخاصة بالمعتقلين والتي كما سمعنا من مدعٍ عسكري سابق أنها ليست مهمة سهلة بالنسبة إلى وزير أو حتى وكالة واحدة، بل يقع عبؤها على كاهل الحكومة بأجمعها.
 
"
في يناير/كانون الثاني 2009 كشفت استطلاعات الرأي عن غالبية ضئيلة من الأميركيين تؤيد إغلاق غوانتانامو، ولكن يخامرني الشك في أن الكثير من المعلومات الأساسية المتعلقة بغوانتانامو كانت غير معروفة أو مشوشة في أحسن الأحوال
"
من سوء الحظ أنه لم تكن هناك هيئات معينة من أجل نقل الرسائل الرئيسية  حول غوانتنامو كما بدأت المعلومات المضللة في الانتشار عندما كان أوباما يكتب  الأوامر التنفيذية.
 
في يناير/كانون الثاني الماضي كشفت استطلاعات الرأي عن غالبية ضئيلة من الأميركيين تؤيد إغلاق غوانتانامو، ولكن يخامرني الشك في أن الكثير من المعلومات الأساسية المتعلقة بغوانتانامو كانت غير معروفة أو مشوشة في أحسن الأحوال, وعلي أن  أنتظر دراسة لتكشف عن عدد الأميركيين الذين يعرفون بالضبط عدد الناس الذين أدانتهم المجالس العسكرية في غوانتانامو منذ افتتاحه كمعسكر اعتقال عام 2002 (إنهم ثلاثة أحدهم تمت إدانته بناء على صفقة قضائية، مقابل 195 من الإرهابيين الدوليين الذين أدينوا من خلال النظام القضائي الأميركي منذ العام 2001). وفي المقابل فإن قضية إغلاق معتقل غوانتانامو لم تثر بقوة كافية من قبل المصادر المختلفة حينما ظهرت أولى الإشارات في يناير/كانون الثاني الماضي عن الكوارث القادمة.
 
بالنسبة لنا ممن كانوا خارج قاعة الاحتفال بتوقيع الأوامر الإدارية يوم 22 يناير/كانون الثاني، انتظرنا بفارغ الصبر في البداية ومن ثم بعصبية متزايدة خلال شهري فبراير/شباط ومارس/آذار بسبب ما بدا افتقارا إلى التحرك, ولكن وبعد حلول فصل الربيع تحول الأمر إلى نذر خطر كبير.
 
وقد استنتجنا أنه إما أن مسؤولي إدارة أوباما لم ينظروا بجدية إلى المهلة النهائية وهي 12 شهرا من أجل إغلاق المعتقل، أو أنهم انشغلوا بأزمات عديدة غيره (الاقتصاد، العراق وأفغانستان) التي ورثوها. ومن الصعب القول أين كان مركز الثقل في القضايا المتعلقة بغوانتانامو، ويبدو أنه لم يوجد هناك في أوساط المسؤولين في البيت الأبيض من كرس كل وقته لقضية غوانتانامو ولم يكن هناك من يرفع الأمر إلى الكونغرس وإلى الشعب الأميركي.
 
مرت أسابيع قبل أن تقوم ثلاث لجان من وكالات مختلفة بالنظر في ملفات معتقلي غوانتانامو وكذلك القضايا المتعلقة بسياسات الاعتقال والتحقيق والتي تدار من قبل موظفين حكوميين من مستويات متوسطة كما وصف أحدهم نفسه لي وكذلك أحد السياسيين المعينين من المستوى المنخفض, بل إن الأسوأ من ذلك يتمثل في تعيين الناس الذين كانوا يتولون معالجة تلك القضايا في الإدارة السابقة.. وبكلمات أخرى فإن المثبطين كانوا ما زالوا جزءا من العملية.
 
لقد حددت الأوامر التنفيذية بخصوص معتقل غوانتانامو كما جاء في تقريرنا اعتماد الدبلوماسية كقاعدة في الجهود لإغلاق المعتقل, ولكن استغرق الأمر قرابة الشهرين من أجل الإعلان عن المبعوث الدبلوماسي الخاص وهو السفير  دانيال فرايد في مارس/آذار الماضي, وهو موظف في الخدمات الخارجية وأجلت الموافقة عليه إلى منتصف مايو/أيار بسبب المناكفات في الكونغرس بعد أربعة أشهر تقريبا من تنصيب أوباما، وسط طعم الهزيمة بخصوص هذه القضية في الكونغرس.
 
ويبدو أن أكبر الضرر الذي حاق بمساعي أوباما لإغلاق غوانتانامو كان في وسط أبريل/نيسان حينما وافق البيت الأبيض على حصر نشر مذكرات مجلس الاستشارة القضائية في عهد الرئيس بوش فيما يتعلق بأساليب التحقيق التي انتهجتها وكالة المخابرات المركزية عملا بقانون حرية نشر المعلومات، وهي القضية التي رفعها اتحاد الحريات المدنية الأميركية بخصوص الوثائق من عام 2002 إلى 2005، وهي مقلقة بشكل عميق، ومن بينها تعليمات عن نوع الحشرات غير السامة التي توضع في صندوق المعتقل الذي يشبه النعش، ومعها كان تسريب تقرير الصليب الأحمر في مارس/آذار 2006 إلى الصحفي مارك دانر وفيها المزيد من تفاصيل مذكرات مجلس الاستشارة القضائية التي سمحت بها إدارة بوش, حيث يبدو أن القضية ضد التعذيب يعاد تشكيلها مرة أخرى.
 
"
يبدو أن أكبر الضرر الذي حاق بمساعي أوباما لإغلاق غوانتنامو كان في وسط أبريل/نيسان حينما وافق البيت الأبيض على حصر نشر مذكرات مجلس الاستشارة القضائية في عهد الرئيس بوش فيما يتعلق بأساليب التحقيق التي انتهجتها وكالة المخابرات المركزية
"
لكن نشر مذكرات مجلس الاستشارة القانونية كانت لها واحدة من التداعيات غير المقصودة، ويبدو أنها أثارت حفيظة ديك شيني نائب الرئيس السابق والذي ركب الأمواج الغاضبة كواعظ يستشيط غضبا, فقد تنادى الكثير من أعضاء الكونغرس بدافع من نائب الرئيس السابق للقول إن هناك داخل معتقل غوانتانامو من القتلة المجرمين والإرهابيين الدوليين ممن هم أخطر من الذين يقبعون في داخل السجون الأميركية، وإن النظام القضائي الأميركي لا يستطيع تولي أمرهم.
 
وهكذا تأججت العاصفة السياسية، فلأول مرة يشاهد نائب رئيس سابق يشن باستمرار حملة على الإدارة الجديدة عبر شاشات التلفزة, وإعادة بعث المجالس العسكرية، وحيث يوجد العديد من أعضاء الكونغرس يجرون من أجل الحصول على غطاء يقيهم عاصفة مطرية شأنهم شأن الأطفال وينشرون الأكاذيب داخل قاعة مجلسي النواب والشيوخ, في حين كان البيت الأبيض وكأن على رأسه الطير ويلفه صمت القبور، ويبدو أنه -بناء على ما يقوله زميل لي له اتصالات حميمة في الكونغرس- تعرض لضغوط شديدة من قبل أحد أعضاء مجلس الشيوخ بخصوص قضية نمبي التي بنيت على افتراض أحمق بأن الرئيس أوباما كان سيطلق معتقلي غوانتانامو ليتجولوا بحرية في البلدات الصغيرة عبر الولايات المتحدة, وكان رد البيت الأبيض بالقول "إن مشكلة نمبي ليست مشكلتنا".
 
 لعل مما زاد الأمور سوءا أن الإدارة طالبت بمبلغ 80 مليون دولار لاستكمال تكاليف متعلقة بغوانتانامو, ويفهم من هذا الطلب أن الإدارة كانت تنظر في إيجاد هيئة واحدة تتولى أمر كل شخص من غوانتانامو، وهو الأمر الذي بحثته مجموعتنا ومن ثم رفضته نظرا لكون المرافق الملحقة الخاصة بالمحاكم ذات الصلة يمكنها القيام بالمهمة.
 
توجهت مساء يوم 20 مايو/أيار إلى عضو بارز في الكونغرس الذي جاء لتوه من تصويت في مجلس الشيوخ بنتيجة 90 مقابل 6 بخصوص طلب الإدارة مبلغ 80 مليون دولار, لم أفاجأ أنه صوت مع الغالبية ولكني أصبت بالدوار والهلع عندما قال لي إن محاكمنا لا تستطيع التعامل مع تلك الحالات، فكيف يخفى على عضو كونغرس أن هناك 195 من الإرهابيين الدوليين الذين تمت إدانتهم منذ العام 2001؟
 
كان على الرئيس أن يتخذ موقفا دفاعيا في نهاية المطاف، حيث ألقى خطابه الرئيسي والوحيد حول القضية في اليوم التالي، بينما كان ديك شيني نائب الرئيس السابق يلقي خطابا حول نفس الموضوع من خلال ردهات المعهد الأميركي للمشاريع, ولكن الرئيس ضيع فرصة مهمة عندما أغفل إعلام الشعب الأميركي بأن نظامنا القضائي -رغم الثغرات التي تشوبه- أفلح بنجاح في التعامل مع قضايا نحو 200 من الإرهابيين الدوليين وأدانهم.. الخطاب خفف من الشجب والإدانة الشعبية، ولكنه كان محبطا ومخيبا للآمال بالنسبة للمهتمين بالقضية. وحتى سريالياً وعلى سبيل المثال فقد تحدث عن خمس فئات بدل اثنتين ومن بينها المجالس العسكرية، وكذلك ما أشار إليه بفترات الاعتقال الطويلة أو الاعتقال بدون توجيه تهمة.
 
هناك افتراضان غير معلومين كانا وراء الكثير من عمل مجموعتنا بخصوص غوانتانامو: أولهما أن حلفاء أميركا في الخارج يمكن أن يمدوا لنا يد العون, والثاني أننا لا يمكننا أن نعول على دعم الكونغرس والشعب, وكان الافتراض الثاني واضحا وصريحا، كما أننا افترضنا أن هذين العاملين مرتبطان ارتباطا سلبيا، فمع رفض المسؤولين الأميركيين استيعاب أي من المعتقلين داخل الولايات المتحدة، كان اعتقادنا أنه من غير المرجح أن يقوم الآخرون بالمهمة وتصبح مهمة إغلاق غوانتانامو قاتمة.
 
من حسن الحظ أننا كنا على خطأ، فقد فشلت معركة إطلاق سراح الإيغوريين داخل أميركا في وقت مبكر من يونيو/حزيران الماضي، ومع ذلك فإن من المذهل أن مهمة دان فرايد الجديدة التي بدأت يوم 15 مايو/أيار لم تتحول إلى مهمة مستحيلة, فقد تمكن هو ونظراؤه المعنيون من المسؤولين الأوروبيين من إنجاز اتفاقية عامة تنص على قيام كل دولة من الدول الأوروبية باتخاذ قرارها بشكل مستقل حول ما إذا كانت ترغب في تقديم المساعدة.
 
وفي الحقيقة فإنه بفضل الجمع بين مهارته وبين رغبة الآخرين في تقديم المساعدة، وافقت العديد من الدول على التجاوز عن أخطاء الولايات المتحدة ومساعدة إدارة أوباما. ومن بين تلك الدول التي أعلنت نيتها استقبال معتقلين أو تلك التي استقبلت معتقلين فعلا: البرتغال, فرنسا, بريطانيا, إسبانيا, ألمانيا, إيرلندا, بالو, برمودا, رومانيا, بلغاريا, المجر، ليتوانيا، إستونيا, لاتفيا, جورجيا وكرواتيا.
 
لقد مر الصيف بهدوء نسبي حقا, وتقول التقارير إن عملية مراجعة معتقلي غوانتانامو تمضي قدما، ونشرت الهيئة المختصة بالتحقيق بيانا صحفيا أعلنت فيه الحاجة إلى محققين مهنيين قادرين على الانتشار بمجرد استدعائهم ومدربين على استخدام الوسائل غير العنيفة, وهو ما ذكرناه في تقريرنا، كما أن المعركة للتذرع بالأمن القومي من أجل تنفيذ اعتقالات بدون توجيه تهمة قد فشلت في سبتمبر/أيلول من قبل أولئك الذين يخشون مثلنا أن يتم السماح بالاعتقال داخل الولايات المتحدة دون توجيه تهمة.
 
في نهاية الأمر فإن هذا المسعى كان إلى حد ما مثل لعبة الأرقام, فكيفية وصول الشخص إلى نقطة الصفر سيحكم عليها في النهاية، وسيحكم على الكيفية التي تم بها إغلاق غوانتانامو, ومراجعة قضايا 223 من المعتقلين المتبقين في غوانتانامو لم تستكمل بعد، ويقال إنه سيطلق سراح 75 منهم أو ترحيلهم وتحويل 40 منهم للمحاكمة، في حين أن هناك 110 تقريبا هي فئة معظمها من اليمنيين يأمل مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب جون برينان أن تستقبلهم الحكومة السعودية, وهناك مجموعة أشد تطرفا ولا يمكن للحكومة الإفراج عنها أو ترحيلها أو محاكمتها, عندها سيكون السؤال المهم ليس عما إذا حددت الحكومة موعدها النهائي، ولكن حول هذه المجموعة الثالثة التي يتم الحديث عنها، كما تساءلت واشنطن بوست مؤخرا.
 
"
أي سلطة ستحاول الحكومة الأميركية الحصول عليها لاستمرار اعتقال هؤلاء الأشخاص؟ فهل ستقول إن لديها نفس الصلاحية التي زعمت إدارة بوش أنها تمتلكها والتي وقفنا جميعا ضدها, وهي احتجاز الناس إلى أجل غير مسمى تحت بند قانون عام 2001 الذي سمح باستخدام القوة العسكرية في أفغانستان؟
"
وإذا كان الأمر كذلك فأي سلطة ستحاول الحكومة الأميركية الحصول عليها لاستمرار اعتقال هؤلاء الأشخاص؟ فهل ستقول الحكومة إن لديها نفس الصلاحية التي زعمت إدارة بوش أنها تمتلكها والتي وقفنا جميعا ضدها, وهي احتجاز الناس إلى أجل غير مسمى تحت بند قانون عام 2001 الذي سمح باستخدام القوة العسكرية في أفغانستان؟ إن كان أوباما سيجري تغييرا على السياسات الخاصة بمكافحة الإرهاب فيما يتعلق بالاعتقال فإن عليه وفريقه الإعلان عن التخلي عن مقولة أن هناك مجموعة من المعتقلين الذين لا يمكن محاكمتهم ويشكلون خطرا قويا في حالة إطلاق سراحهم, وعليها القول بوضوح إن هذا ليس مقاربة أميركية لأن النظام القضائي الأميركي يعتمد نهجا ومبدأ مختلفا كليا حيث خاضت الولايات المتحدة حروبا مصيرية من أجل الحفاظ على تلك المبادئ.
 
إن تحديد ما تسمى الفئة الثالثة هي بالضبط التي تم انتقادها في التقرير السنوي لوزارة الخارجية المتعلق بحقوق الإنسان في بلدان مثل روسيا وإيران والصين، علما بأن نكوص أميركا عن تلك المبادئ خلال السنوات الماضية هو ما مكن الأنظمة المستبدة في مختلف أنحاء العالم من عزل المدافعين عن حقوق الإنسان وتركهم وحيدين في مواجهة تلك الانتهاكات, وقد قوبلت تصريحات أوباما حول إغلاق غوانتانامو بتأييد في الخارج ونظر إليها أنها تحول رئيسي ومثل يحتذى.
 
إن استخلاص العبر من الشهور الثمانية الماضية أمر في غاية الأهمية ونحن نتطلع إلى الشهور الأربعة المتبقية, ولعل الأمر الأكثر أهمية أن تحديد الموعد النهائي ليس مشكلة, وهناك فترة من العمل الدؤوب من المرجح أن تستغرق سنة, ورغم أن الإدارة بدأت بداية سريعة مع توقيع الرئيس فإن هذا المسعى لم  يطبق ميدانيا على أرض الواقع في مارس/آذار ناهيك عن مايو/أيار, وعلى الإدارة بذل قصارى جهودها من أجل التقيد بموعد يناير/كانون الثاني, وإذا استمرت في تحقيق التقدم فلا يضير إن استغرق تنفيذ ذلك 60 وحتى 90 يوما إضافيا ولن يعتبر ذلك بمثابة فشل.
 
فضلا عن ذلك فإن الإدارة بحاجة إلى حل أصعب القضايا قاطبة كما قال مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وهي: ما مصلحة أميركا في استمرار اعتقال هؤلاء الأشخاص؟ وبأي حق تعتقلهم؟ ستوفر الهيئة المسؤولة عن الاعتقال بعض الردود على هذه الأسئلة، ولكن بعض من التقيتهم -ومن بينهم  محامون مرموقون وضباط استخبارات متقاعدون- يتوقعون أن الإجابات على ذلك ضاعت وسط الإجراءات البيرقراطية بدلا من إيجاد حلول جريئة وخلاقة.
 
وعليه فإن على الإدارة أن تنجز في هذا الفصل ما فشلت في إنجازه خلال فصل الربيع الماضي، وهي بحاجة إلى حشد الاستشارة الحكيمة وتحريك القضية ورفعها إلى الشعب الأميركي، خاصة وهي بصدد إعداد خطة الإغلاق كما طلب الكونغرس, ولكنه من الصعب رؤية ما يدور في أذهان المسؤولين الأميركيين على ضوء ما كان يدور في خلدنا عندما أوصينا بتشكيل لجنة من الياقات الزرقاء للتعامل مع تلك القضية بالغة الصعوبة في غياب طلب مباشر من الرئيس، رغم أن اجتماع منظمة حقوق الإنسان أولا ضم عددا مميزا من كبار الضباط العسكريين ومعهم عدد من  كبار مسؤولي إدارة أوباما الذي  يحتاج إلى نصيحة تتسم بالحكمة وتؤلف ما بين السياسة الخارجية والأمن والمخابرات والقضاء وخبرات منظمات حقوق الإنسان، من أجل اعتبار واحترام التوصيات التي يتم التوصل إليها خارج نطاق التسلسل البيرقراطي، ويجب أن يكون هؤلاء المسؤولون ذوي مستوى عال بحيث يمكنهم التحدث بحرية وحتى معارضة بعضهم البعض وبحضور الرئيس.
 
لكن الأمر الأكثر أهمية وصعوبة يتمثل في أن على الحكومة تنويع مصادرها بخصوص جمع الأدلة فيما يتعلق بأشد حالات المعتقلين صعوبة، وذلك بأسرع وقت ممكن، ولكن كافة الحسابات تقول إن عددهم بضع عشرات ربما كان عددهم 50 كحد أعلى أو ربما 30، ويبدو أن كلا من الإفراج عنهم أو محاكمتهم غير محبذ, وعلى الإدارة نشر فرق من القضاة من ذوي الخبرة وموظفين من مكتب التحقيقات الفدرالي لجمع الأدلة، وفي حالة توصلهم إلى أدلة في الخارج تشير إلى ارتكاب هؤلاء لجرائم بحيث لا تستطيع الحكومة محاكمتهم، عندها على تلك الطواقم التوصية بإطلاق سراحهم, ولكن القرار  النهائي يبقى بيد أوباما وهنا عليه أن يبدي القيادة التي انتخب من أجلها، عند ذلك ستتحول المشكلة إلى مكتب دان فرايد من أجل حلها بالتعاون مع الدول الأخرى.
 
وختاما فإنه بناء على ما تبين خلال الأشهر الأخيرة، هناك العديد من الناس في خارج أميركا كما هو الحال في الداخل معنيون بإغلاق غوانتانامو، وهذا وحده كفيل بمنحي الأمل بأن يتم إنجاز ذلك على الوجه الأمثل عام 2010.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة