هل أصبحت مواقع التواصل تتحكم بميولات الكتاب؟   
الأحد 1436/12/21 هـ - الموافق 4/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:42 (مكة المكرمة)، 14:42 (غرينتش)
أنس حسن

"هناك آلاف يكتبون القصص والشعر ويؤلفون, أي إنسان عادي باستطاعته أن يروي تجربة شخصية مرت به أو حادثة رآها أو تصورها بطريقة تجذب الانتباه وتخضع لمقاييس الفن، ولكن، لماذا لا يصبح كل هؤلاء أدباء كبارا، لماذا نجد الكبار في كل بلد أو جيل آحادا أو حتى معدودين.. السبب أن هناك فارقا كبيرا بين كاتب القصة أو المسرح الناجح وبين الفنان الكبير الذي يغير بإنتاجه معتقدات الناس ويترك العالم على غير ما جاءه، السبب في رأيي هو خيط الفكر أو الفلسفة الذي لا بد من وجوده.. فالفكر هو روح الفن".

بهذه العبارات رسم الأديب والكاتب المسرحي الشهير توفيق الحكيم صورة دقيقة عن الكتابة والأدب في عصره، الذي يعده البعض "عصر الكبار"، حيث كان رواد الأدب العربي في مصر والشام والعراق يشقون للكتابة العربية دربا جديدا وسط تزاحم الإفاقة الحضارية للأمم وقتها، والبحث العربي عن موطئ قدم بين الحضارات والثقافات.

والقارئ لكلام توفيق الحكيم يبصر جيدا الشروط التي كانت تفرضها طبيعة الثقافة واحتياجاتها لتعريف من هم "الكبار" في مجالات الكتابة والأدب والشعر، حيث يشترط الحكيم وكذلك زمانه وجمهوره أن يحتوي المنتج المكتوب سواء كان أدبا أم مسرحا أم شعرا، على خيط من الفكر والفلسفة يشكل إسهاما فعليا في الاحتياج الحضاري مما يمنح الكاتب وما كتبه صفة العظمة والخلود.

إلا أن شروط توفيق الحكيم وزمنه والتي أنتجت لنا بطبيعة الحال جيلا من الكبار، لم تعد تجد لها طريقا في عصرنا الحالي، فبعد رواج مواقع التواصل الاجتماعي وتزايد سلطة الجماهير ورأيها على المثقف أو الأديب وما يكتبه، أصبح الإنتاج الأدبي والفكري خاضعا لميول الجماهير، وتحت سطوة عداد "الإعجابات" في فيسبوك أو حجم إعادة التغريد في تويتر.

ومع خضوع الإنتاج الأدبي لمنطق السوق والسلعة وجماهير التواصل الاجتماعي، تحولت الروايات والأفكار إلى سلع مكتوبة تحول إلى مال فوري، وأصبح الاحتياج إلى الجماهير وإعجابها هدفا أساسيا لقطاع واسع من الكتاب ودور النشر، مما أخضعها لإعادة التموضع وفق احتياجات السوق، فأصبحنا نرى رواجا لروايات الجنس والجريمة، والسرد السريع الخالي من أية مضامين فكرية أو فلسفية حقيقية، سوى حبكة درامية ولغوية تغذى إشباعات الجمهور.

وأصبح الكاتب الذي يلقى انتشارا إعلاميا واسعا هو وحده القادر دون غيره على الوصول بكتاباته أيا كان مستواها الفكري واللغوي إلى آفاق انتشار بعيدة، محققا أعلى المبيعات وصانعا حوله هالة جديدة من تنجيم الجماهير له، دون أن يخضع ذلك لمنطق تقييمي كالذي طرحه توفيق الحكيم.

ولهذا كله تسبب النقل التكنولوجي لسلطة الرأي من النقاد إلى الجماهير في قفزة هامة بعالم الكتابة، وتحول في الذوق العام، فقد شهد عصر بدايات الأدب العربي الحديث نقادا ذوي شهرة واسعة توازي شهرة أدباء ذلك العصر، مما حدا بتوازن السلطات بين الكاتب والناقد والجمهور، إلى رفع كبير للذوق العام وللمنتج المكتوب عامة.

أما في عصرنا هذا، فقد اختفت طبقة النقاد من على شاشة الظهور بشكل كبير، حيث أصبح الكاتب في حرية كاملة لإلقاء كل ما يكتب إلى جمهور يراه البعض قد تدنت أذواقه الأدبية والفكرية، ولا يخشى هذا الكاتب المتوافق وتطلعات جمهوره أي نقد حقيقي لما يكتب، حيث إن بقية الأصوات النقدية لن تكون مسموعة ما لم تتواجد على مواقع التواصل.

هذا التحول في حقيقته يحيل الكتابة العربية والكتاب العرب إلى الخضوع الكامل لمنطق مواقع التواصل وفقه "الإعجاب" و"المعجبين"، وبالتالي قد يحجم كثير من الكتاب والمفكرين، بل ويفكرون ألف مرة قبل أن يكتبوا في اتجاه مخالف لمزاجيات الجمهور، مما قد يحرم هذا الجيل من العرب من كتاب يغيرون مسار الفكر على الحقيقة، أو يتركون بصماتهم على جدران التحولات الكبرى كما فعل سابقوهم.

وهذا لا ينفي مطلقا وجود كتاب ومفكرين شجعان وذوي رؤية فكرية عميقة ومتجذرة وأصحاب طرح تجديدي يفيد في جوانبه حالة الضعف الحالية ويغذيها بما يقويها في جوانب الفكر والأدب والفلسفة، إلا أن هذا القطاع سيخفت صوته خلف نقرات الإعجاب والذوق العام لمواقع التواصل الاجتماعي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة