أهم محطات تاريخ الجيش التركي   
الجمعة 1437/10/11 هـ - الموافق 15/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 23:26 (مكة المكرمة)، 20:26 (غرينتش)
جيش أسسه مصطفى كمال أتاتورك وظل لعقود طويلة يعتبر حامي العلمانية في تركيا. قاد عدة انقلابات على حكومات مدنية كان آخرها حكومة نجم الدين أربكان عام 1997، وحوكمت بعض قياداته بسبب ذلك. يناهز عدد أفراده 670 ألفا، بينهم 315 ألفا من القوات البرية.
 
دور مفصلي
يحمل الكثيرون مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية الحديثة مسؤولية الحالة الغريبة التي أوجدتها ظاهرة الانقلابات العسكرية التي لا تختلف أساسا عن الوضع في دول العالم الثالث، لأن جميع الأنظمة الديكتاتورية في هذه الدول تعتمد أساسا على دبابات العسكر وإرهاب أجهزة المخابرات.

إلا أن الوضع في تركيا قد يختلف نسبيا عن هذه الدول، لأن تركيا رغم كل سلبياتها تعتبر دولة ديمقراطية بالمعايير الغربية منذ العام 1950 حيث انتقلت البلاد إلى التعددية الحزبية التي جعلت من تركيا جزءا من العالم الغربي وعضوا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وعنصرا أساسيا في الحرب الباردة ضد المعسكر الشيوعي السوفياتي.

وقد أسهم ذلك في دعم دور العسكر في الحياة السياسية، ونظرت واشنطن وعواصم "الناتو" إلى تركيا كحليف استراتيجي، ولم تتأخر في دعم الجيش التركي حتى أصبح أكبر جيش في المنطقة، كما أنها دعمت بشكل خاص القادة العسكريين الأتراك الذين أثبتوا بدورهم وفي العديد من المناسبات وفاءهم لواشنطن، ولعل هذه الحقيقة تفسر الإيحاءات الدائمة لدور واشنطن في جميع الانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا.

استمد الجنرالات الأتراك قوتهم من دعم رجال الأعمال الكبار ووسائل الإعلام المهمة التي تلعب دورا أساسيا في إعداد وتهيئة الشارع التركي للانقلابات العسكرية وبأساليب ذكية، إذ كان لرجال الأعمال الكبار مصالح مادية كبيرة في العلاقة مع الجيش، ويحتاجون يوميا للكثير من الحاجيات التي تكلف الدولة الملايين بل المليارات من الدولارات التي طالما خصصتها جميع الحكومات للجيش الذي يحتج دائما بحماية النظام العلماني والأمن الوطني والقومي ضد المخاطر الداخلية والخارجية وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني

ولم تتأثر سمعة الجيش بسبب فشله وجنرالاته في القضاء على حزب العمال الكردستاني بل كان هذا الجيش في مقدمة المؤسسات التي تثق بها فئات واسعة من الشعب التركي.

وكانت الحكومات الائتلافية الهشة السبب الآخر لشجاعة الجنرالات الذين استغلوا هذا الضعف واعتبروه مبررا مقنعا للشارع في انقلاباتهم العسكرية التي انتهى عهدها بعد الانقلاب الرابع عام 1997.

ولقوة تأثير الجيش التركي وتدخله المباشر في الشأن السياسي وفي تحديد شكل الحكومات وهوية الحكام جذور تاريخية تعود إلى الجيش الانكشاري العثماني الذي لعب أدوارا مهمة في تغيير السلاطين ووزرائهم، أو الإطاحة بهم خنقا أو شنقا أو قتلا.

وجاءت حركة الاتحاد والترقي التي انطلقت من بين صفوف الضباط لتثبت مدى أهمية العسكر في الحياة السياسية، خاصة بعد أن أطاح قادة الاتحاد وهم من العسكر بالسلطان عبد الحميد الثاني في أبريل/نيسان 1909، حيث لاحظ اليهود (يهود الدونمة الذين لعبوا دورا أساسيا في حركة الاتحاد) أهمية العسكر ودورهم في الحياة السياسية فسعوا دائما لإقامة علاقات سرية وعلنية مع قيادات العسكر في جميع مراحل التاريخ التركي، العثماني منه والجمهوري.

فشل العديد من السلاطين وفي مقدمتهم السلطان أحمد الثالث ومن ثم محمود الثاني في التخلص من تحكم العسكر في الحياة السياسية التي بقيت تحت تأثير الجنرالات في العهد الجمهوري، خاصة بعد أن خاض الضابط الشاب مصطفى كمال أتاتورك حرب الاستقلال ضد قوات الاحتلال الفرنسي والبريطاني واليوناني والإيطالي التي احتلت أرض الأناضول بعد الحرب العالمية الأولى التي هزمت فيها ألمانيا وحليفتها تركيا.

وبرز اسم أتاتورك كجنرال قوي ومنتصر مع رفاقه العسكر الذين صاغوا إطار الحياة السياسية للبلاد وفق مزاج الجيش بعقيدته الأتاتوركية التي تعني حماية النظام العلماني ضد كافة أنواع المخاطر الداخلية والخارجية، وعلى أساس قوي من الشعور القومي الذي كان الجيش رمزا له وأحيانا لعنصريته البارزة.

وقد التزم جنرالات الجيش بعد وفاة أتاتورك عام 1938 بنفس المبادئ، حيث كان لهم دور أساسي في مجمل المعادلات السياسية خلال فترة حكم عصمت إينونو الذي خلف أتاتورك في رئاسة الجمهورية حتى عام 1950، عندما انتقلت البلاد إلى التعددية الحزبية بإذن من جنرالات الجيش الذين كانوا يعرفون أنهم يملكون القوة الكافية للتدخل عند اللزوم.

مرحلة أردوغان
بقيت ظلال الجيش في السلطة حتى نهاية التسعينيات بسبب الدستور الذي صاغه قائد انقلاب عام 1980 الجنرال كنعان أيفرين، حتى بدأ الحديث عن ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي في قمة هلسنكي نهاية العام 1998.

كذلك حدث تطور نوعي بخصوص قضية حزب العمال الكردستاني عامي 1999 ثم 2013، وهي القضية التي ظلت تقض مضاجع الأتراك طيلة سنوات.

فمنذ 1984 دخل الجيش التركي في حرب مفتوحة مع عناصر الحزب، وكانت سنوات الثمانينيات والتسعينيات الأكثر دموية بين الطرفين سقط خلالها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى.

video

وشهد الصراع بين الطرفين انعطافة مهمة يوم 15 فبراير/شباط 1999 عندما نجحت القوات التركية في إلقاء القبض على زعيم الحزب عبد الله أوجلان عندما كان متوجها إلى مطار العاصمة الكينية نيروبي، وحكم عليه بالإعدام بتهمة "خيانة البلاد"، ثم خفف الحكم إلى مؤبد يقضيه داخل جزيرة صغيرة في بحر مرمرة.

وبعد مفاوضات مكثفة بين الاستخبارات التركية وأوجلان، نجح الطرفان في مارس/آذار 2013 في الوصول إلى اتفاق أعلن على إثره حزب العمال الكردستاني وقفا لإطلاق النار عقب دعوة وجهها أوجلان.

فتح هذا الأمر صفحة جديدة في التاريخ السياسي التركي بعيدا عن تأثير جنرالات الجيش الذين كان عليهم أن يبتعدوا عن الساحة السياسية حسب المعطيات الأميركية والأوروبية الجديدة التي لم تعد ترى في روسيا واليونان وسوريا وإيران والعراق خطرا على الحسابات الغربية التي كان لتركيا دور مهم فيها بجيشها الكبير.

وبدأت حملة الإصلاحات التي سميت بالديمقراطية بالتعديلات الدستورية والقانونية التي استهدفت سلطات وصلاحيات الجيش في الحياة السياسية، حيث نجحت حكومة أجاويد ومن بعدها حكومة أردوغان في تمرير هذه الإصلاحات بفضل مرونة قائد الجيش السابق حلمي أوزكوك، المعروف عنه شخصيا تهربه من أي توتر أو مواجهة مع الحكومة بحجة أن ذلك ليس لخدمة المصالح الوطنية والقومية لتركيا.

واستغلت حكومة أردوغان ذلك فحسمت مجمل التعديلات التي وضعت حدا نهائيا لدور العسكر في الحياة السياسية بعد أن أصبح عدد أعضاء مجلس الأمن القومي تسعة مدنيين مقابل خمسة من العسكر بعد أن كان عدد المدنيين أربعة منذ تأسيس المجلس قبل عقود. كما أن قرارات المجلس لم تعد ملزمة للحكومات كما كانت في السابق، حيث أصبح الأمين العام للمجلس مدنيا ويتبع لرئيس الوزراء بعد أن شغل الجنرالات هذا المنصب لعقود، وبالعلاقة المباشرة مع رئاسة الأركان التي لم تعد تملك أي صلاحيات في نشاط المجلس الذي أصبح يجتمع مرة كل شهرين بدلا من مرة في الشهر.

كما وضعت التعديلات الدستورية تصرفات الجيش المختلفة تحت رقابة ومحاسبة البرلمان والأجهزة الدستورية بعد أن تخلت القوى التقليدية عن موقفها الداعم للجيش وفي مقدمتها رجال الأعمال الكبار ووسائل إعلامهم الرئيسة.

وبات واضحا أن المسار الديمقراطي محمي من قبل الشارع التركي أكثر من أي وقت مضى، لأن حزب العدالة والتنمية حكم البلاد لسنوات بمفرده، كما أن جميع استطلاعات الرأي أظهرت أن حكومات أردوغان حظيت بدعم واسع من المواطنين الأتراك الذين لم يكن سهلا على جنرالات الجيش إقناعهم بأي مبرر لأي انقلاب عسكري إلا في حالة واحدة وهي خطر حزب العمال الكردستاني.

وشهدت الساحة السياسية في يوليو/تموز 2013 تفاعلات جديدة ارتبطت بالجيش التركي، حيث أقرّ البرلمان تعديلا على طريقة عمل الجيش وعقيدته العسكرية التي استندت منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة على "صيانة الجمهورية التركية وحمايتها".  

وكان حزب العدالة والتنمية الحاكم قد تقدم بطلب لتعديل المادة 35 من قانون عمل الجيش الذي صدر بعد انقلاب عام 1960، في خطوة تسعى لحرمان العسكر في تركيا من تبرير الانقلابات العسكرية بعدم قدرة السلطات المدنية على الدفاع عن المبادئ الدستورية.

وحددت الصياغة الجديدة مجال تدخل القوات المسلحة في الحياة السياسية في "الدفاع عن المواطنين الأتراك ضد التهديدات والمخاطر القادمة من الخارج"، والردع الفاعل والمشاركة في العمليات الخارجية التي يقرها البرلمان، وذلك بدلا من "صيانة الجمهورية التركية وحمايتها".

وفي سبتمبر/أيلول 2013 وجد أكثر من مئة ضابط أنفسهم يدلون بشهادات أمام محكمة العقوبة عن دورهم في الإطاحة بحكومة نجم الدين أربكان عام 1997، وبُدئ بتطبيق ما يعرف بـ"قرارات 28 فبراير" التي كافحت المظاهر الإسلامية، وقيدت الحياة الدينية وزجت بكل من يعارضونها في السجون بتهمة العمل على المس بالهوية العلمانية للبلد وتغيير نظامه.

أرقام
يبلغ العدد الإجمالي لأفراد الجيش التركي نحو 670 ألف جندي، بينهم 315 ألف من القوات البرية، ويملك نحو 4300 دبابة، وقرابة 7550 ناقلة حربية، إلى جانب أنظمة إطلاق صواريخ متنوعة.

أما فيما يرتبط بالقوات الجوية، فهي تضم نحو ستين ألف جندي، ويصل عدد طائراتها ـبحسب تقارير إعلاميةـ إلى حوالي 668 طائرة، بينها طائرات قتال واعتراض، وطائرات هجومية، وناقلات عسكرية وطائرات تدريب، ومروحيات هجومية.

ويبلغ عدد أفراد البحرية التركية نحو 48600 جنديا، وتضم ترسانتها 212 سفينة، و51 طائرة، و13 غواصة بحرية، ونحو خمسين من سفن خفر السواحل، إلى جانب كاسحات ألغام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة