الحرب العراقية الإيرانية.. طموح صدام وأحلام المرشد   
الخميس 21/12/1437 هـ - الموافق 22/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:27 (مكة المكرمة)، 15:27 (غرينتش)

أطول حروب القرن العشرين، نشبت بين العراق وإيران في سبتمبر/أيلول 1980 وانتهت في أغسطس/آب 1988 وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضرارا بالغة باقتصاد البلدين.

اندلعت الحرب لعدة أسباب على رأسها الدعاية الإيرانية القائمة على تصدير الثورة واشتداد الخلاف بين العراق وإيران حول ترسيم الحدود خاصة في منطقة شط العرب المطلة على الخليج العربي الغني بالنفط بالإضافة إلى الاشتباكات العسكرية المتقطعة بين البلدين.

السياق السياسي
قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ورفع قادة إيران الجدد شعار تصدير الثورة الذي كان يُقلق الدول العربية المحيطة بإيران وفي مقدمتها العراق ودول الخليج. 

كان نظام البعث في العراق يستشعر هذا الخطر بشكلٍ حاد نظرا للوجود الشيعي القديم في البلد الذي هو منشأ التشيع أصلا، وتوجد فيه أهم المزارات (كربلاء، النجف،...)، كما أنَّ التنظيمات الشيعية في العراق -خاصة حزب الدعوة- كان لها حضورٌ وازن يجعل منها رأس حربةٍ حادا في أي مخطط إيراني للاستيلاء على السلطة.

وفي المقابل، كانت إيران ترصد بتوجس وصول صدام حسين للسلطة في العراق عام 1979 خلفا للرئيس أحمد حسن البكر.

وتزايدت المخاوف الإيرانية مع توقيعه ميثاق الدفاع العربي في فبراير/شباط 1980، الذي اعتبرته إيران عملا عدائيا يستهدفها ويُجيش دول المنطقة ضدَّها في صراعٍ حدودي تعتبر أنه يجب أن يحافظ على طابعه الثنائي.

الخلاف الحدودي
يعود الخلاف على شط العرب إلى فتراتٍ قديمة، فطيلة العهد العثماني ظل خط تماسٍ ساخنا بين الدولة العثمانية وإيران بمختلف الدول التي قامت فيها، وظل خاضعا للدولة العثمانية بموجب اتفاقية القسطنطينية (1913) التي نصت على أنّ السيادة الإيرانية تقتصر على مناطق شرق شط العرب وبعض الجزر الموجودة في أسفل وادي الرافدين.

وحددت اتفاقية 1937 الحدود في شط العرب نفسه وصولا إلى عبدان، وكان الخلاف الحدودي أحد الأسباب التي أجلت اعتراف إيران باستقلال العراق سنوات، فقد كانت إيران تنظر إلى الجنوب العراقي ذي الأغلبية الشيعية والعامر بالمزارات كعمقٍ روحي واجتماعي يعسر التخلي عنه.

وفي عام 1975، وقع العراق وإيران اتفاقية الجزائر (6 مارس/آذار 1975)، وتضمنت تخلي إيران عن دعم الأكراد في شمال العراق مقابل اعتراف بغداد بشط العرب بالتناصف بين البلدين من خلال إعادة ما يعرف بخط التالوك إلى سابق عهده.

بيد أنَّ اتفاقية الجزائر أكدت مضامين اتفاقية القسطنطينية وجعلت منها قاعدة لترسيمٍ مستقبلي للحدود بين البلدين. وقبل اتفاق الجزائر، كانت إيران قد انتهزت فرصة إخلاء بريطانيا جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى فاستولت عليها رغم مطالب دولة الإمارات العربية المتحدة.

الحرب
بعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، تأزمت العلاقات السياسية بين العراق وإيران، حيث تبادل البلدان سحب السفراء في مارس/آذار 1980 وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، كما تعرض طارق عزيز نائب رئيس الوزراء آنذاك لمحاولة اغتيال اتهمت السلطات العراقية حزب الدعوة بالوقوف وراءها.

وفي الرابع من سبتمبر/أيلول 1980، اتهمت العراق إيران بقصف البلدات الحدودية العراقية معتبرة ذلك بداية للحرب، فقام الرئيس العراقي صدام حسين في 17 سبتمبر/أيلول بإلغاء اتفاقية عام 1975 مع إيران واعتبار مياه شط العرب كاملة جزءا من المياه الإقليمية العراقية.

مع تواتر الحوادث القتالية على الحدود، قرر مجلس قيادة الثورة العراقية في 22 سبتمبر/أيلول 1980، شنَّ حملةٍ عسكرية ضد إيران، وتقدم الجيش العراقي سريعا، وكان تقدير القيادة العراقية يقول إن الحرب ستكون خاطفة ومحدودة لظنها أن الجيش الإيراني كان ضعيفا بعد حملة اعتقالات نفذتها السلطات الإيرانية الجديدة لعدد من كبار قادة الجيش الإيراني إبان عهد الشاه.

بيد أنَّ تقدم القوات العراقية أذكى تعبئة وطنية قومية شاملة تُغذيها الدعاية الرسمية الإيرانية القائمة على بعدين: أحدهما بُعد ديني يُسوق أنَّ الحرب بين نظام إسلامي وآخر علماني بعثي.

video

أما البعد الثاني فإذكاء جذوة القومية الفارسية وأمجادها الغابرة. وبعد المكاسب الأولية للجيش العراقي -وأهمها السيطرة على المحمرة وعبدان ومناطق في وسط إيران- فإنَّ التعبئة الإيرانية الواسعة أوجدت قدرا من التوازن انعكس في ثباتِ مواقع الفريقين بين ديسمبر/كانون الأول 1980 و ديسمبر/كانون الأول 1981.

وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراره رقم 479 في 28 سبتمبر/أيلول 1980 يدعو فيه الطرفين إلى وقف القتال والمبادرة إلى التفاوض لكن طرفي الصراع لم يبديا أي اهتمام بالقرار.

وبحلول فبراير/شباط 1982، استعاد الجيش الإيراني عبدان ومناطق واسعة في وسط البلاد. وفي مايو/أيار الموالي استعاد خورامشاه، وبحلول الصيف كان الجيش الإيراني قد بدأ شن هجماتٍ في عمق الأراضي العراقية.

قبِل العراق قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن في يوليو/تموز 1982، لكن إيران رفضت الالتزام به.

في العامين المواليين، ركزت إيران جهدها على السيطرة على البصرة فردَّ العراق بإطلاق حرب المدن في أبريل/نيسان 1984، وهي حملات جوية كثيفة استهدفت المدن الإيرانية، وردَّت عليها إيران بقصفٍ صاروخي لأهداف عسكرية واقتصادية عراقية.

وبينما كانت الحرب تدور رحاها على الأرض، كانت هناك حرب أخرى تستهدف ناقلات النفط والسفن التجارية للبلدين قبل أن تتوسع لتشمل الدول الداعمة، ومن ذلك مهاجمة سفن حربية إيرانية عددا من السفن التجارية الكويتية ما دعا الكويت إلى طلب المساعدة الدولية لحماية سفنها.

الدور الإقليمي والدولي
انحازت الدول العربية -باستثناء الجزائر وليبيا وسوريا- للعراق، فاستفاد من دعمٍ سخي من دول الخليج لتغطية كلفة الحرب الباهظة، فقد بلغ المجهود الحربي والتسليحي العراقي أحيانا أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويا. أما بالنسبة للفاعلين الدوليين فظل دورهم هامشيا إلى حدود 1986، حين شرعت إيران في استهداف ناقلات النفط الكويتية، فطلبت الكويت حماية أميركية تردَّدت واشنطن أولا في تقديمها ثم قررت نشر سفن حربية في الخليج لمرافقة الناقلات الكويتية.

وحصل العراق على حاجته من الأسلحة من فرنسا أولا ثم من الصين والاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت، وكذلك من الولايات المتحدة على نطاقٍ أقل، وإنْ كانت مصادرُ عدة تتحدث عن حصول العراق على دعمٍ لوجستي غربي (أميركي، بريطاني وفرنسي..) تمثل في صور بالأقمار الصناعية لمواقع الجيش الإيراني وتحركاته، وكذلك تقديم قطع غيار ومعدات وذخائر.

أما إيران فحصلت على أسلحة من بعض الدول الشيوعية وقطع غيار دبابات (أم 48 وأم 60) من دول أخرى، كما حصلت على دعم بالأسلحة والذخيرة من نظام الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد في سوريا ونظام العقيد الليبي معمر القذافي.

الكلفة والتبعات
انتهت حرب الخليج في الثامن من أغسطس/آب 1988، ويُقدر خبراء اقتصاديون كلفة ثماني سنوات من الحرب بأكثر من أربعمئة مليار دولار، فضلا عن كلفة بشرية أهم وهي أكثر من مليون قتيل وأضعاف ذلك من المصابين والمعوقين. كما خلَّفت دمارا واسعا في البنية التحتية للبلدين وألحقت ضررا كبيرا بالمنشآت النفطية التي هي قوام اقتصاديهما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة