خطة لاغارد لإنهاء الأزمة الاقتصادية   
الجمعة 1432/11/18 هـ - الموافق 14/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 20:13 (مكة المكرمة)، 17:13 (غرينتش)


بقلم/ كريستين لاغارد

 

دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة وخطيرة، ومع أن هناك طريقا للخروج وتحقيق الانتعاش، فإن هوامشه تضيق يوما بعد يوم. وللخروج من عنق الأزمة، ثمة حاجة إلى إرادة سياسية قوية في جميع أنحاء العالم، إرادة تقدم القيادة على المغامرة، والتعاون على المنافسة، والفعل على رد الفعل.

 

الديون التي تنوء بها الحكومات والمصارف والأسر في الدول المتقدمة إحدى أخطر التحديات التي تواجهها، وقد أدت هذه المشكلة إلى تقويض الثقة في اقتصادات هذه الدول وأوقفت عجلة الإنفاق والاستثمار وخنقت سوق العمل فيها. فرص انتعاش هذه الدول تبدو ضعيفة وصعبة المنال مع تفاقم معدلات البطالة، واستفحال الأزمة وتوالد مشكلات فرعية واستمرار عجز الساسة.

 

وتحت سطح هذه الأزمة تتقد نار توترات اجتماعية قد تنفجر في أي لحظة في عدد من دول أوروبا، وفي ظل هذه الظروف تبرز الحاجة إلى تحرك جماعي لتحقيق انتعاش وفق أربعة محددات رئيسية: إصلاح الضرر والإصلاح الهيكلي وإعادة التوازن وإعادة البناء.

 

فقبل القيام بأي شيء آخر، يجب علينا تخفيف بعض الضغوط على ميزانيات الحكومات والأسر والبنوك التي تثير مخاطر خنق الانتعاش. وتحتاج البلدان المتقدمة خططا متوسطة المدى ذات مصداقية لتحقيق الاستقرار والتخفيف من عبء الديون العامة.

 

"
من الضروري اتخاذ تدابير لدعم الإنفاق على المدى المتوسط ​​يساعد على تعزيز هوامش النمو. وبطبيعة الحال فإن المسار الأمثل لتحقيق هذا الهدف يختلف من بلد إلى آخر
"
دعم الإنفاق

غير أن السير في هذا الاتجاه بسرعة كبيرة يضر بالانتعاش ويعمق البطالة. لكن هناك حل وهو اتخاذ تدابير لدعم الإنفاق على المدى المتوسط ​​يساعد على تعزيز هوامش النمو. وبطبيعة الحال فإن المسار الأمثل لتحقيق هذا الهدف يختلف من بلد إلى آخر، نظرا لأن بعضها واقع تحت ضغوط الأسواق وليس لديها خيار، في حين أن دولا أخرى لديها هامش مناورة أوسع.

 

في ما يخص الولايات المتحدة أرحب بمقترحات الرئيس أوباما لمعالجة إشكالية النمو والتوظيف عبر إجراءات لتخفيض الضرائب وخفض معدلات الفائدة، أما بالنسبة لأوروبا فعلى حكوماتها معالجة مشاكل موازناتها بضبط النفقات والعجوزات. كما يتوجب على البنوك تعزيز رساميلها لتعزيز فرص النمو.

 

المسار الثاني هو الإصلاحات الهيكلية، وهنا تعطى الأولوية للقطاع المالي. ولحسن الطالع فنحن لدينا اتفاق واسع النطاق حول ضوابط رأس المال والسيولة المالية وفق ترتيبات مرحلية متدرجة، لكن ثمة فجوات كبيرة لا تزال قائمة ويجب معالجتها من خلال التعاون الدولي.

 

وتحت هذا البند يندرج البعد الاجتماعي للأزمة، لا سيما الحاجة إلى حفز النمو في القطاعات القادرة على توفير فرص عمل كافية، وهذا جانب مهم بالنسبة لقطاع الشباب الأكثر تضررا من أزمة الديون.

 

تحفيز الطلب

ثالثا إعادة التوازن ويتحقق على مستويين: الأول تمكين القطاع الخاص من أن يكون محرك الطلب على السلع والخدمات وليس القطاع العام، لكن بعد أن يصبح قويا بما يكفي لتحمل هذا العبء، وهو ما لم يحدث حتى الآن. والمستوى الثاني هو نقل عبء الطلب العالمي على السلع والخدمات من البلدان التي تعاني عجزا خارجيا باتجاه الدول التي لديها فوائض في الحساب الجاري.

 

وإزاء ضعف الإنفاق وارتفاع مستويات الادخار في الاقتصادات المتقدمة، يجب على الأسواق الناشئة الرئيسية تحمل مسؤولية تقوية الطلب بوصفه محرك انتعاش الاقتصاد العالمي. لكن إعادة التوازن هذه لم تتحقق بالقدر الكافي، وإذا ما استسلمت الاقتصادات المتقدمة للركود فلا منجاة لأحد.

 

آخر مستويات إنعاش الاقتصاد العالمي هو إعادة البناء، فكثير من البلدان -بما فيها ذات الدخل المنخفض- بحاجة إلى إعادة بناء "دفاعاتها الاقتصادية"، بتقوية أوضاع ميزانياتها بغية حماية نفسها من أي عواصف اقتصادية مستقبلية. وهذا من شأنه أن يساعد أيضا على تعزيز الاستثمار العام المحفز للنمو، كما يساعد على توفير شبكات أمان اجتماعي مهمة.

 

"
أمام كل هذه الظروف ظهر صندوق النقد كرافعة قوية لدعم خطة التحرك الجماعي،  فمشوراته تساعد في إبراز القضايا الملحة، وقروضه توفر متنفسا للأقطار المأزومة
"
صندوق النقد

وأمام كل هذه الظروف ظهر صندوق النقد الدولي بأعضائه الـ187 كرافعة قوية لدعم خطة التحرك الجماعي هذه، فمشوراتنا يمكن أن تساعد في إبراز القضايا الآنية الملحة، وبرامجنا للإقراض توفر متنفسا للأقطار المأزومة. وإذا ما أصبحت الأزمة وراء ظهورنا، يمكن لصندوق النقد المساعدة في بناء نظام مالي دولي أكثر أمانا واستقرارا.

 

ليس هذا وقت الحلول المجزوءة وأنصاف الإجراءات، وإذا ما اغتنمنا الفرصة الراهنة فبوسعنا أن نشق طريقنا للخروج من هذه الأزمة، وأن نحقق مستويات نمو عالمي قوي ومستدام ومتوازن، لكن علينا التحرك بسرعة وبصورة جماعية.

__________

 

* رئيسة صندوق النقد الدولي ووزيرة فرنسية سابقة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة