حروب نظم تسعير الغاز الطبيعي المسال   
الخميس 9/4/1436 هـ - الموافق 29/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:13 (مكة المكرمة)، 16:13 (غرينتش)



تامر بدوي

التسعيران النفطي والسوقي
مشروعات التسييل الجديدة على المحك
الطلب الياباني والطاقة النووية
النمو الصيني والغاز الروسي
أي مسار تتجه إليه الأسعار؟

باتت تجارة الغاز المسال تحتل تدريجيا مساحات أكبر في تجارة الغاز الطبيعي عالميا، في ظل توقع منظمة الطاقة الدولية في تقريرها للعام 2014 استمرار نمو الطلب على الغاز الطبيعي على المدى المتوسط بنسبة 2.2% سنويا حتى نهاية العقد الجاري.

وسيكون للغاز المسال نصيب هام من ذلك النمو بفضل مشروعات تسييل الغاز في أميركا الشمالية وأستراليا، والتي ستدفع حجم تجارة الغاز المسال إلى التوسع بنسبة 40% بحلول 2019. ومع ذلك يبقى مستقبل الكثير من الوافدين الجدد على صناعة الغاز المسال مرتبطا بانخفاض أسعار النفط الذي تشهده الأسواق العالمية منذ شهر يوليو/تموز 2014، إذ قد يسهم في إحداث تغييرات كبيرة في تجارة الغاز المسال.

التسعيران النفطي والسوقي
يوجد نظامان لتسعير الغاز المسال وخاصة في السوق الآسيوي، الأول -وهو المهيمن على تجارة الغاز المسال- هو المرتبط بسعر النفط (Oil-Indexation). ووفقا لهذا النظام يمثل سعر الوحدة الحرارية من الغاز المسال في عقود التوريد الطويل المدى (عشرون عاما مثلا) 10% إلى 14% من سعر برميل خام برنت القياسي. وفي ظل استمرار العمل بهذا النظام يستمر ارتباط أسعار الغاز المسال بأسعار الخام في الأسواق العالمية.

ويتمسك كبار مُصدري الغاز الطبيعي الجاف والمسال بهذا النظام، وعلى رأسهم قطر وروسيا والجزائر، في مقابل سعي كبار مستوردي الغاز المسال الآسيويين (بالإضافة لمستوردي الغاز الجاف الأوروبيين) في السنوات الماضية إلى فك الارتباط إذا بقي سعر برميل النفط فوق مستوى المائة دولار.

كبار مُصدري الغاز الطبيعي الجاف والمسال يتمسكون بنظام تسعير الغاز بمستوى أسعار النفط، في مقابل سعي كبار مستوردي الغاز المسال الآسيويين في السنوات الماضية إلى فك الارتباط إذا بقي سعر برميل النفط فوق مستوى المائة دولار

أما النظام الثاني فهو آلية التسعير النفطي، وهو يتصل بصورة رئيسية بنظام سوق التسليم الفوري (Spot Market) الذي يتحرك سعر الغاز المسال فيه وفقا لآليات العرض والطلب بشكل منفصل عن سعر خام النفط.

وقد جذبت صناعة الغاز المسال بالولايات المتحدة (مدفوعة بثورة الغاز التقليدي في السنوات الأخيرة) كبار المستوردين الآسيويين إلى نظام تسعير التسليم الفوري الذي تباع فيه الوحدة الحرارية من الغاز المسال بسعر يقل عن سعرها وفق نظام التسعير النفطي في ارتفاع أسعار الخام.

وبدأ العمل بهذا النظام يتوسع تدريجيا مع اتجاه الدول المستوردة للغاز إلى بيع فوائضها في الأسواق. في المقابل، يعارض كبار مُصدري الغاز المسال هذا النظام الذي يسعى لتقويض نظام التسعير النفطي، والذي يحقق لهم عائدات مرتفعة في فترات ارتفاع أسعار النفط.

وبينما كانت الخطط المستقبلية لتصدير الغاز المسال الأميركي إلى آسيا تكتسب تنافسيتها من تسعيرة هنري (Henry Hub) السوقية، أصبحت هذه الخطط -بل والعديد من المشروعات الناشئة- في خطر كبير، بسبب تراجع أسعار النفط إلى ما دون الثمانين دولارا للبرميل.

ومع انخفاض سعر برميل الخام إلى ما دون الخمسين دولارا، باتت عقود الغاز المرتبطة بسعر النفط أكثر تنافسية من أسعار التعاملات المحكومة بآليات التسعير السوقي بأشكاله المختلفة. وفي هذا السياق، ستباع الوحدة الحرارية من الغاز المسال التي ستسلم في مارس/آذار القادم وفق نظام التسليم الفوري بتسعة دولارات، في مقابل ستة دولارات ونصف الدولار للوحدة الحرارية في الفترة القادمة وفقا لنظام التسعير النفطي بعد امتصاص أسعار النفط المتدنية، وذلك حسب ما ذهب إليه محللو مؤسسة تومبسون رويترز.

مشروعات التسييل الجديدة على المحك
تعرضت حتى الآن ثلاث مشروعات مبرمجة لتسييل للغاز في ديسمبر/كانون الأول الماضي للإلغاء أو التأجيل في كل من كندا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية، وذلك بفعل تراجع تنافسية هذه المشروعات في سياق انخفاض أسعار النفط. وهو الأمر الذي ينذر بتعثر المزيد من المشروعات المخطط لها في الفترة المقبلة إذا استمرت اتجاهات أسعار النفط في التراجع.

وهنا ترصد مؤسسة "بيزنس مونيتور" وجود مخاطر عالية تهدد مشروعات لتسييل الغاز في أستراليا وكندا وأميركا وشرق أفريقيا، والتي تقترب من مرحلة نيل قرار الاستثمار النهائي. ويوجد في العالم حتى الآن 36 مشروع تسييل للغاز تساوي مجموع طاقتها الإنتاجية 460 مليار متر مكعب، وكلها تتهددها مخاطر هبوط أسعار النفط.

وهناك ما يشير إلى أن طوكيو تتجه مرة أخرى نحو العودة للطاقة النووية بصورة ستؤدي إلى تراجع حجم طلبها على الغاز المسال على المديين القصير والمتوسط (وهناك اتجاه مشابه في كوريا الجنوبية). ومن شأن وقوع هذا التحول في مستوى الطلب الياباني والكوري الجنوبي إحداث تغير كبير في اتجاهات أسعار الغاز، إذ تستحوذ الدولتان على نحو 55% من الاستهلاك العالمي للغاز المسال (حصة اليابان وحدها 37% من الاستهلاك العالمي).

هناك ما يشير إلى أن طوكيو تتجه مرة أخرى نحو العودة للطاقة النووية بصورة ستؤدي إلى تراجع حجم طلبها على الغاز المسال على المديين القصير والمتوسط، مما سيحدث تغييرا كبيرا في اتجاهات أسعار الغاز عالميا

الطلب الياباني والطاقة النووية
وقد صادقت السلطات التنظيمية لقطاع المفاعلات النووية باليابان لحد الآن على قرار يقضي بإعادة تشغيل مفاعلين، وتتوقع مؤسسة اقتصادات الطاقة اليابانية عودة نحو 22 مفاعلا في العام 2015. وفي حال عودة هذا العدد الكبير من المفاعلات فقد يتراجع الطلب الياباني بعشرين مليون طن من الغاز المسال.

ولكن تظل مسألة عودة المفاعلات النووية للعمل (بعد توقفها كليا بعد كارثة محطة فوكوشيما في مارس/آذار 2011) محل استقطاب وجدل سياسي في اليابان، وهو ما قد يحسم بعد الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في أبريل/نيسان المقبل.

وفي وقت سابق، كانت المفاعلات النووية في اليابان -البالغ عددها 48 مفاعلا- تغطي ثلث الاستهلاك من الكهرباء، ولكن في حال عودة المفاعلات للعمل سيتم استثناء المفاعلات القديمة من عمليات إعادة التشغيل.

أما بالنسبة للصين، فبالرغم من استمرار نمو طلبها على الغاز المسال، فإنه قد يشهد تراجعا في العقد المقبل. ويمكن عزو هذا التراجع المتوقع في جزء منه إلى التحولات الجيوستراتيجية التي دفعت موسكو إلى عقد صفقة تاريخية في مايو/أيار الماضي لتصدير الغاز الطبيعي لبكين، ثم عقد اتفاق مبدئي آخر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

النمو الصيني والغاز الروسي
واعتمادا على مستويات النمو الاقتصادي للصين في بدايات العقد القادم سيتحدد حجم طلبها من الغاز المسال في ظل وصول إمدادات الغاز الروسي بحلول نهاية العقد الجاري، ناهيك عن زيادة الغاز المتدفق من آسيا الوسطى. وستلقي العقوبات الغربية على روسيا بظلالها على أسعار الغاز في السوق الآسيوية في السنوات المقبلة. وربما يفرض الغاز الروسي على كبار مصدري الغاز المسال تقديم عروض أكثر تنافسية للحفاظ على حصصهم بالسوق.

ولئن كان اتجاه روسيا شرقا فيما يخص سياسة الطاقة سيضر بكبار مُصدري الغاز المسال، إلا أن استمرار انخفاض أسعار النفط قد يؤثر سلبا على الإنتاج الآسيوي من الغاز الصخري لصالح مصدري الغاز المسال (والجاف أيضا) إذا استمرت آثار الهبوط لفترة طويلة. وفي هذا السياق هناك تنبؤات بتراجع الإنتاج الصيني للغاز الصخري في 2015 بصورة كبيرة بالنظر إلى العام الماضي الذي أنتجت فيه بكين 1.3 مليار متر مكعب مقارنة بما أنتجته في 2013، والذي ناهز مائتي مليون متر مكعب (زيادة بنسبة 500%).

ومن العوامل المؤثرة أيضا في الطلب على الغاز، استمرار منافسة الفحم للغاز الطبيعي بنوعيه فيما يخص إنتاج الكهرباء بتكاليف أقل حتى لو كانت للفحم تداعيات بيئية خطرة. وحسب تقديرات فقد شهد سعر الفحم ابتداء من العام 2011 انخفاضا من مائة دولار للطن إلى 75 دولارا. ووفقا لحسابات الوكالة الدولية للطاقة، يكلف إنتاج الكهرباء بواسطة الغاز المسال الدول الآسيوية ضعف ما يكلفها إذا استخدمت الفحم.

ثمة توقعات بأن تعود أسعار الغاز للارتفاع على خطى أسعار النفط. فتراجع الاستثمار في الاستكشاف والاستخراج بشكل معتبر من المفترض أن يدفع إلى تراجع حجم المعروض، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام

أي مسار تتجه إليه الأسعار؟
تعتمد التوقعات بشأن اتجاهات أسعار الغاز المسال بشكل كبير على متغيرات سوق النفط لارتباط معظم عقود الغاز المسال بآلية التسعير النفطي. فهناك ما يشير إلى أن اتجاهات أسعار الغاز قد تعود للارتفاع على خطى أسعار النفط. فتراجع الاستثمار في الاستكشاف والاستخراج بشكل معتبر من المفترض أن يدفع إلى تراجع حجم المعروض مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام.

ويتوقع محللو مؤسسة مورغان ستانلي الأميركية تراجع معدلات الاستثمار في عمليات استكشاف واستخراج النفط والغاز بنسبة 20% (ما يناهز 28 مليار دولار) بحلول العام 2017 في ظل تراجع العائدات النفطية.

ويرى محللو مؤسسة وود ماكنزي لاستشارات الطاقة أنه سيتعين على شركات النفط تقليص تكاليفها بنسبة 37% لتبقي حجم ديونها عند مستواها للعام السابق، وذلك بافتراض بقاء سعر برميل النفط عند حدود الستين دولارا. وهناك توقعات بانخفاض عائدات كبريات الشركات النفطية بنسب تتراوح بين 19% و57%، إذا تحققت هذه التوقعات سيتراجع حجم الإنتاج النفطي.

أما بالنسبة لمستوى الطلب على الغاز المسال، ففي حين تشير تقديرات إلى التراجع المتوقع في الطلب الياباني على الغاز، ترى مؤسسة ألينس بيرنستين أن الطلب سيزيد في 2015 بنسبة 9.8% (268 مليون طن سنويا) مدفوعا بتدني الأسعار.

وتتنبأ المؤسسة نفسها على المدى البعيد بعودة الأسعار للارتفاع مجددا بفعل صعود الطلب وتعطل أو إلغاء عدد من مشروعات تسييل الغاز (وبالتالي تراجع المعروض). ومن المنتظر أن تتراجع أسعار الغاز المسال في آسيا بنسبة 30% في العام الجاري.

وعلى غرار حرب السعودية على مستخرجي النفط الصخري، يضع انخفاض سعر النفط قطر بصفتها أكبر مُصدر للغاز المسال -فضلا عن باقي كبار المصدرين- في ذات الموقع أمام الغاز الصخري الأميركي الذي يرغب مستخرجوه في قلب موازين السوق وآليات التسعير في آسيا لصالحهم. وربما تسهم هذه الفترة في حسم التوقعات بشأن تجاوز أستراليا لقطر لتصبح أكبر مُصدر للغاز بحلول 2018.

ويبدو أن مستويات أسعار النفط في عامي 2015 و2016 ستسهم بشكل كبير في تثبيت أو تغيير آليات تجارة الغاز المسال، وخاصة في السوق الآسيوية. ولن يؤثر نمو الاقتصادات ومستويات الأسعار وحدهما في تشكيل اتجاهات الطلب على الغاز المسال، بل أيضا ستسهم في ذلك المخاطر الجيوسياسية المحتملة على خلفية تصاعد التوترات بين بكين وواشنطن في منطقة جنوب شرق آسيا من جهة، والتقارب في سياسة الطاقة بين روسيا والصين على خلفية صراع موسكو مع الغرب من جهة أخرى.
ـــــــــــــ
باحث مصري مختص بالشأن الإيراني والعلاقات الدولية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة