صندوق النقد الدولي و"الخيارات الصعبة" بشأن اليونان   
الجمعة 1436/9/3 هـ - الموافق 19/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:28 (مكة المكرمة)، 16:28 (غرينتش)

افتراضات خاطئة لتدابير الضبط المالي
النقد الدولي ومطلب التقليص أكثر لمعاشات التقاعد
أعباء الديون العامة ومقترح أثينا

طرح أوليفييه بلانشار -كبير الاقتصاديين لدى صندوق النقد الدولي- سؤالاً بسيطاً ومهما هو "ما هو حجم التعديل والتكيف المطلوب من اليونان، والمطلوب من دائنيها الرسميين؟" لكن هذا السؤال يثير تساؤلين آخرين هما: ما حجم الضبط الذي نفذته اليونان بالفعل؟ وهل قدم الدائنون أي شيء على الإطلاق؟

في شهر مايو/أيار 2010 وافقت الحكومة اليونانية على ضبط أوضاعها المالية بما يعادل 16% من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة ما بين 2010 إلى 2013. ونتيجة لهذا انتقلت اليونان من عجز أولي للميزانية (الذي يستبعد أقساط الفائدة على الدين) الذي تجاوز 10% إلى توازن أولي في العام الماضي، وهو أكبر تحول في هذا المجال بأوروبا في مرحلة ما بعد الأزمة.

في مستهل الأمر توقع النقد الدولي أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل تبعاً للتضخم) في اليونان بنحو 5% على مدى فترة 2010/2011، ثم يستقر في العام 2012 وينمو بعد ذلك. والواقع أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفض بنسبة 25% ولم يتعاف. ولأن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي انخفض في العام 2014 ولا يزال مستمراً في الهبوط فإن نسبة مديونية البلاد، والتي كان من المفترض أن تستقر قبل ثلاث سنوات، مستمرة في الارتفاع.

ويشير بلانشار إلى أن اليونان وافقت في العام 2012 على "إحداث القدر الكافي من الفائض الأولي للحد من مديونياتها"، وتنفيذ "عدد من الإصلاحات التي ينبغي أن تؤدي إلى نمو أكبر". وتضمنت تلك الإصلاحات خفض الإنفاق العام بشكل حاد، وتقليص الحد الأدنى للأجور، وتنفيذ صفقات الخصخصة بأسعار بخسة، وإنهاء المفاوضة الجماعية للعمال، وخفض كبير لمعاشات التقاعد. وقد نفذت اليونان المطلوب منها بحذافيره ولكن الكساد استمر.

تبين أن افتراض النقد الدولي بأنه سيكون للانكماش المالي الهائل تأثير مؤقت على الاقتصاد اليوناني افتراض خاطئ تماما، بل إن ضبط الأوضاع المالية في مرحلة ما بعد العام 2010 أدى إلى كارثة اقتصادية

افتراضات خاطئة لتدابير الضبط المالي
لقد افترض النقد الدولي وغيره من دائني اليونان أن الانكماش المالي الهائل لن يخلف سوى تأثير مؤقت على النشاط الاقتصادي وتشغيل العمالة والضرائب، وأن خفض الأجور ومعاشات التقاعد والوظائف العامة له تأثير سحري على النمو. وقد تبين أن ذلك الافتراض خاطئ تماما، بل إن ضبط الأوضاع المالية باليونان في مرحلة ما بعد العام 2010 أدى إلى كارثة اقتصادية، وكان ذلك أسوأ فشل لتوقعات صندوق النقد على الإطلاق.

وكان من الواجب أن يدرك بلانشار خطأ الإصرار على هذا الفشل الذريع، فبمجرد انقطاع الصلة بين الإصلاح والنمو -كما كانت الحال في اليونان- تنهار حجته. ففي غياب المسار الذي يؤدي إلى النمو يصبح طلب الدائنين بتحقيق فائض أولي في الموازنة بـ3.5% في نهاية المطاف بمثابة دعوة إلى المزيد من الانكماش، بدءاً بركود عميق آخر هذا العام.

ولكن بدلاً من الاعتراف بهذا الواقع وتعديل الأوضاع وفقاً لذلك، يضاعف بلانشار الضغط على معاشات التقاعد، فيكتب: لماذا الإصرار على معاشات التقاعد؟ إن معاشات التقاعد والأجور تمثل نحو 75% من الإنفاق الأولي، وقد تم خفض نسبة الـ25% الأخرى إلى أقصى حد ممكن بالفعل. ويمثل الإنفاق على معاشات التقاعد ما يزيد على 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وتقترب التحويلات من الميزانية إلى نظام التقاعد من 10% من الناتج المحلي.

ونحن نعتقد أن خفض الإنفاق على معاشات التقاعد بنسبة 1% (من أصل 16%) هو أمر مطلوب، وأن هذا من الممكن أن يتم مع حماية أكثر المتقاعدين فقرا".

النقد الدولي ومطلب التقليص أكثر لمعاشات التقاعد
ولنلاحظ هنا أولا الاعتراف الدامغ، فبعيداً عن معاشات التقاعد والأجور تم خفض الإنفاق "إلى أقصى حد ممكن" بالفعل. ولنتذكر أن تأثير هذا النهج على النمو كان سلبيا. وفي تحد للأدلة الدامغة، يريد صندوق النقد الدولي الآن أن يستهدف القطاع المتبقي وهو معاشات التقاعد، والذي خضع بالفعل لتخفيضات هائلة فاقت أحيانا أكثر من 40%، والتخفيضات الجديدة المطلوبة من شأنها أن توجه ضربة شديدة القسوة للفقراء.

وتمثل مدفوعات التقاعد الآن 16% من الناتج المحلي الإجمالي لليونان لأن اقتصاد البلاد أصبح أصغر حجماً بنسبة 25% عن ما كان عليه في العام 2009. ولولا خمس سنوات من التقشف الكارثي فربما كان حجم اقتصاد اليونان ليصبح أعلى مما هو عليه الآن بـ33%، وكانت ميزانية التقاعد لتصبح 12% من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من 16%. والحسابات هنا واضحة ومباشرة.

ويدعو بلانشار حكومة اليونان إلى تقديم "تدابير ذات مصداقية حقا". ألا ينبغي لصندوق النقد أن يفعل الأمر نفسه؟ فخفض معاشات التقاعد بمقدار نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي يكفي لتحقيق نمو اقتصادي اسمي بنسبة 4% فقط سنوياً لعامين، وذلك دون المزيد من التخفيضات. فلماذا إذن لا تتخذ "تدابير ذات مصداقية" لتحقيق هذا الهدف؟

لولا خمس سنوات من التقشف الكارثي فربما كان حجم اقتصاد اليونان ليصبح أعلى مما هو عليه الآن بـ33%، وكانت ميزانية التقاعد لتصبح 12% من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من 16%

إن هذا يعيدنا إلى موضوع ديون اليونان، فكما يعرف الجميع في صندوق النقد الدولي تعد أعباء الدين الثقيلة التزاما ضريبيا غير ممول وهو ما يوجه رسالة للمستثمرين مفادها: تحملوا مخاطركم، ففي أي وقت ربما يتم فرض ضريبة على استثماراتكم وأرباحكم وعملكم الشاق لسداد أعباء المقرضين القدامى. وتشكل أعباء الديون عقبة تحول دون تحقيق النمو، ولهذا السبب تنتهي كل أزمة دين، إن عاجلاً أو آجلا، إلى إعادة الهيكلة أو العجز عن السداد.

أعباء الديون العامة ومقترح أثينا
إن بلانشار رائد في اقتصاد الدين العام، وهو يعلم أن ديون اليونان لم تكن قابلة للتحمل في أي وقت في السنوات الخمس الأخيرة، وأنها ليست مستدامة الآن. وفي هذه النقطة يتفق صندوق النقد واليونان.

والواقع أن أثينا لديها اقتراح معقول لمعالجة الدين، ويقضي أولاً بأن تقدم آلية الاستقرار الأوروبي لليونان قرضاً بقيمة 27 مليار يورو (30 مليار دولار) بآجال استحقاق طويلة، وذلك من أجل سحب السندات اليونانية التي اشتراها البنك المركزي الأوروبي في تصرف أحمق في العام 2010. وثانيا تستخدم الأرباح على هذه السندات لسداد دين صندوق النقد. وثالثا يتم ضم اليونان إلى برنامج البنك المركزي الأوروبي للتيسير الكمي، والذي من شأنه أن يسمح للبلاد بالعودة إلى الأسواق.

وستوافق اليونان على أي شروط عادلة للحصول على قرض من آلية الاستقرار الأوروبي. وهي لا تطلب سنتاً واحداً من التمويل الرسمي الإضافي للدولة اليونانية. فهي تعد بالإنفاق في حدود إمكانياتها، والاعتماد على المدخرات الداخلية والاستثمار الخارجي لتحقيق النمو، وهذا أقل بكثير مما قد تفعله أي دولة كبيرة تسيطر على عملتها الخاصة عندما تواجه كارثة مماثلة.

إن بلانشار يصر على أن الوقت مناسب الآن لاتخاذ "الاختيارات الصعبة والتعهد بالالتزامات الشاقة من الطرفين". وهذا صحيح بالفعل، ولكن اليونانيين اتخذوا بالفعل اختيارات صعبة. والآن جاء دور الصندوق بدءاً باتخاذ القرار بالاعتراف بأن السياسات التي فرضها على اليونان طيلة خمس سنوات خلقت كارثة.

وبالنسبة للدائنين الآخرين يتلخص الاختيار الأشد صعوبة في الاعتراف -كما يعلم النقد الدولي- بضرورة إعادة هيكلة ديونهم المستحقة على اليونان، إن منح قروض جديدة في مقابل تنفيذ سياسات فاشلة -وهو اقتراح مشترك للدائنين- لا تمثل بالنسبة إليهم أي تعديل على الإطلاق.
ـــــــــــــ
مؤلف كتاب "نهاية المعتاد"، وأستاذ في كلية ليندون جونسون للشؤون العامة بجامعة تكساس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة