حكومة مصر تخفي عجز الموازنة   
الاثنين 17/9/1432 هـ - الموافق 15/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 8:40 (مكة المكرمة)، 5:40 (غرينتش)
 
 

14.9% نسبة العجز الحقيقي للناتج المحلي
حفلت الموازنة الحكومية المصرية بالعديد من أوجه الإنفاق التي تتعارض مع الأولويات الشعبية، حيث زادت مخصصات الهيئة العامة للاستعلامات والبالغة 34 مليون دولار والمعنية بالمكاتب الإعلامية بالخارج عن المخصصات المقررة لتطوير العشوائيات التي يسكنها أكثر من 18 مليون مواطن والبالغة 27 مليون دولار. كما ارتفعت مخصصات دار الأوبرا والبالغة 18 مليون دولار عن مخصصات أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا والبالغة 17 مليون دولار.

وزادت مخصصات مصلحة السجون البالغة 112 مليون دولار عن مخصصات هيئة الطاقة الذرية البالغة 36 مليون دولار، كما زادت نفقات أكاديمية الفنون عن نفقات الهيئة القومية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء. واستمرت الجهات الحكومية المعنية بالمرأة، والتي كانت ترعاها حرم الرئيس المخلوع، في الحصول على مخصصات حكومية كبيرة، بينما استمرت الجهات المعنية بتطوير القرى المصرية، وبتطوير أنشطة الحرفيين وبرعاية المصريين بالخارج بمخصصات ضئيلة.
 
وشملت أوجه التناقض بالموازنة المصرية زيادة مخصصات جهات أقل أهمية لدى الشارع المصري، مثل هيئة الاستعلامات ومكتبة الإسكندرية والمجلس الأعلى للصحافة، والأوبرا عن العام المالي السابق 2010/2011، بينما انخفضت موازنات جهات ذات اتصال حيوي بالجمهور مثل مرفق الإسعاف وهيئة محو الأمية.
 
وكانت أعلى مخصصات للوزارات لوزارة التعليم قبل الجامعي بنحو 6.8 مليارات دولار، تليها وزارة الدفاع 4.3 مليارات دولار،  ثم الصحة بحوالي 4 مليارات دولار، ثم الداخلية 2.9 مليار دولار، ثم الإسكان 2.8  مليار دولار.
 
وبلغ نصيب وزارة التضامن المعنية بمعاشات الفقراء 493 مليون دولار، ونصيب وزارة الإعلام بملحقاتها 171 مليون دولار، ووزارة التنمية المحلية 114 مليون دولار، ووزارة القوى العاملة 60 مليون دولار.
 
وكانت الموازنة التي تخص العام المالي 2011/2012، الذي بدأ في يوليو/تموز الماضي ويستمر حتى يونيو/حزيران من العام القادم، قد لاقت تأخرا في الإفصاح عن مضمونها وتعديلا بالخفض من المجلس العسكري الحاكم للبلاد.
 
وظلت وزارة المالية المصرية تعلن بيانات منقوصة للموازنة حتى اضطرت للإفصاح عن الحجم الحقيقي للموازنة ولكن بشكل مستتر، بعد مرور أربعة أسابيع على بداية العام المالي، يظهر بها العجز الحقيقي الضخم بالموازنة والتي تختلف عن صورة الموازنة التي أعلنت للجمهور قبل بداية العام المالي.
 
وكانت الموازنة التي أعلنت قد خففت العجز، بحيث أصبح الرأي العام غير مدرك لحقيقة العجز، الذي ينعكس على ارتفاع نسبة التضخم وانخفاض مستوى المعيشة لغالبية المصريين.
 
ويشير الشكل النهائي للموازنة الذي لا يعرفه غالب المصريين، وحتى المتخصصين منهم في المالية العامة، إلى بلوغ النفقات ما يعادل 99.8 مليار دولار، في حين تصل الموارد المتوقعة إلى 60.6 مليار دولار، لتصل قيمة العجز بالموازنة إلى 39.2 مليار دولار، تمثل نسبة 14.9% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 263.9 مليار دولار.
 
وتوزعت نفقات الموازنة المصرية على ثمانية أبواب، أولها أجور العاملين بالحكومة، البالغة 16.7 مليار دولار، وثانيها شراء السلع والخدمات لإدارة دولاب العمل الحكومي، من مطبوعات ومياه وكهرباء ووقود وصيانة بنحو 5 مليارات دولار، وثالثها فوائد الدين العام المحلي والخارجي بنحو 17.9 مليار دولار، ورابعها الدعم للسلع بقيمة 26.5 مليار دولار.
 
وخامسها المصروفات الأخرى التي تتضمن مصروفات البرلمان، وجهات قضائية والاشتراك بالمؤسسات الدولية بنحو 6.3 مليارات دولار، وسادسها الاستثمارات بالبنية الأساسية بنحو 7.9 مليارات دولار وسابعها حيازة الأصول المالية بالمساهمة في الهيئات الاقتصادية والشركات العامة بنحو 0.7 مليار دولار، وثامنها سداد أقساط الديون المحلية والخارجية بنحو 16.7 مليار دولار .
"
يبلغ نصيب فوائد الدين العام نسبة 18% من إنفاق الموازنة، فإذا ما أضيف لها سداد أقساط الدين العام البالغ نسبته 16.6%، يصل نصيب عبء الدين العام 34.6% من إجمالي الإنفاق
"

نصيب الغذاء بمخصصات الدعم
وإذا كان التوزيع النسبي لمصروفات الموازنة أشار إلى استحواذ الدعم على النصيب الأكبر بنسبة 26.6% من الإنفاق، فإن ذلك الدعم تتنوع أشكاله بين دعم لسلع البطاقات التموينية الأربعة وهى: الزيت والسكر والأرز والشاي، إلى جانب الخبز المدعم.
 
وتحصل تلك السلع الغذائية على نسبة 12% فقط من مجموع الدعم، بينما تحصل المشتقات البترولية المدعمة على نسبة 61%، وتذهب النسبة الباقية إلى العديد من الجهات والخدمات بنسبة 12%.

إلى جانب المنح والمزايا الاجتماعية الخاصة بالمعاشات بنسبة 13%.
 
ومن الخدمات التي يتم دعمها تنشيط  الصادرات وإسكان ذوي الدخل المحدود، والقروض الزراعية والتدريب الصناعي، وأتوبيسات النقل العام بمحافظتي القاهرة والإسكندرية دون غيرهما من المحافظات، وشركات مياه الشرب والسكك الحديدية واشتراكات الطلاب بالمواصلات العامة، والتأمين الصحي والأدوية وألبان الأطفال ودعم الغزل لمنتجي الغزل والنسيج.
 
وإذا كانت سلع البطاقات التموينية تذهب إلى 63 مليون مواطن من إجمالي 82 مليون مصري، فإن دعم المشتقات البترولية يستفيد منه الجميع، بل إن الأغنياء يحصلون على الجانب الأكبر منه، حيث يشمل الدعم الأنواع الفاخرة من البنزين، وكذلك السولار الذي تستخدمه أساطيل النقل البري، والبوتوجاز الواصل للفنادق والغاز الطبيعي الواصل إلى المصانع.
 
ويمثل بند الأجور المركز الثاني في الحجم بنسبة 20% من إجمالي الإنفاق بالموازنة، وبقسمة مخصصات الأجور على عدد موظفي الحكومة، يصل متوسط نصيب الموظف حوالي 1632 جنيها مصريا شهريا، إلا أن مخصصات الأجور تقسم على عدة أنواع، منها: الأجور الأساسية والمكافآت والبدلات والمزايا النقدية في صورة علاوات، والمزايا العينية مثل الغذاء والملابس والعلاج والمزايا التأمينية.
 
الدين العام يستهلك ثلث الإنفاق الحكومي 
وهكذا لا تمثل الأجور الأساسية التي يحصل عليها كل الموظفين سوى نسبة 18% من إجمالي مخصصات الأجور، بينما يخضع الحصول على بقية المزايا لمدى الرضا من قبل الرؤساء في العمل عن الموظف، بغض النظر عن كفاءته، مما أوجد فجوة كبيرة في الأجور، حيث يحصل البعض على مبالغ ضخمة وتحصل الغالبية على الفتات، مما دعا إلى الضغط على الحكومة لرفع الحد الأدنى للأجور، الذي زاد مؤخرا إلى أقل من 700 جنيه أي ما يعادل 118 دولارا شهريا.
 
ويبلغ نصيب فوائد الدين العام نسبة 18% من إنفاق الموازنة، فإذا ما أضيف لها سداد أقساط الدين العام البالغ نسبته 16.6% ويصل نصيب عبء الدين العام 34.6% من إجمالي الإنفاق، وهو ما يمثل أكبر مشكلة تواجهها الموازنة المصرية التي تغل أيدي صانع القرار المالي عن التحرك، بحيث لا يستطيع تحسين الأجور بالقدر المناسب أو زيادة الاستثمارات أو الإنفاق على تحسين دولاب العمل الحكومي.
 
من ناحية أخرى فإن عبء الدين يتسبب في استمرار عجز الموازنة، وإضافة جديدة للدين العام الذي بلغ بنهاية مارس من العام الحالي 203.2 مليار دولار،  وهو ما يعادل نسبة 84% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أنه قد تجاوز حد الأمان الذي تحدده اتفاقية ماستريخت الأوربية بنسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
 
ورغم أن الإنفاق على الاستثمارات هو الأكثر أهمية لدى عموم المصريين، لاتجاهه إلى المرافق وخدمات الصحة والتعليم، لم تحظ سوى بنسبة 7.9% من إجمالي الإنفاق رغم تدهور حالة البنية الأساسية، بل إن ما خصص للاستثمارات يقل عما كان عليه قبل عامين، رغم أن عوامل التضخم  تتطلب ارتفاعا مستمرا في الأرصدة لاستيعاب أثر التضخم.

وتتمثل الآثار السلبية لتدني قيمة الاستثمارات في تأخر تنفيذ مشروعات البنية التحتية بأنحاء البلاد، فإذا كان هناك طريق في إحدى المدن يحتاج عشرة ملايين جنيه لاستكماله، فإنه في ضوء قلة مخصصات الاستثمارات سيخصص نحو مليوني جنيه فقط له، مما يعنى طول مدة الانتهاء منه لسنوات أخرى قد ترتفع خلالها تكلفة إنشائه، ونفس الأمر مع محطات مياه الشرب ومحطات الصرف الصحي والمستشفيات، وغيرها من المرافق مما يعنى تأخير تحسين المستوى المعيشي لعموم المصريين. إلى جانب عدم الدخول في الملفات الشعبية مثل علاج العشوائيات أو أزمة السكن ونحو ذلك لقلة الاستثمارات.

الضرائب توفر 64% من موارد الموازنة
وعلى الجانب الآخر الخاص بإيرادات الموازنة المصرية والبالغة 60.6 مليار دولار، فإن تلك الموارد تأتى من أربعة موارد رئيسية، أولها الضرائب بأنواعها والمتوقع لها أن تجلب 39 مليار دولار، وثانيها المنح الأجنبية والمحلية ومتوقع لها 1.7 مليار  دولار، وثالثها الإيرادات الأخرى التي  تمثل الفوائض التي تحققها الجهات الحكومية ومتوقع لها 18 مليار دولار، ورابعها المتحصلات من الإقراض الحكومي ومبيعات الأصول الحكومية ومتوقع منها 1.9 مليار دولار.
وهكذا تمثل الضرائب بأنواعها النصيب الأكبر من الموارد بنسبة 64% من الإجمالي، وتشمل الضرائب على الدخل والأرباح والضرائب على الممتلكات، والضرائب على السلع والخدمات والجمارك، وعددا آخر من الضرائب مثل ضرائب الدمغة والرسوم التي تحصل من العديد من الجهات الحكومية.
 
أما الإيرادات الأخرى والتي يصل نصيبها النسبي لحوالي 30 % من الموارد، فتشمل عوائد الملكية الحكومية في الهيئات الاقتصادية، وأبرزها هيئة البترول وهيئة قناة السويس، والبنك المركزي والبنوك والشركات العامة، كما تشمل إيرادات الصناديق الخاصة بالمحافظات، وحصيلة فروق أسعار بيع الغاز الطبيعي ومقابل الرخصة الثالثة للتليفون المحمول.
 
ويصل نصيب المتحصلات من الإقراض ومبيعات الأصول 3.6% فقط من الموارد.
وقد انحسر هذا النوع من الموارد في ضوء تراجع برنامج الخصخصة للشركات الحكومية، في إطار  الرفض الشعبي له في ظل اعتباره بيعا للبلاد، أما المنح البالغ نصيبها 3% من الموارد فمعظمها من حكومات عربيه وأجنبية ومن منظمات دولية.

"
عبء الدين يتسبب في استمرار عجز الموازنة، وإضافة جديدة للدين العام الذي بلغ بنهاية مارس/آذار من العام الحالي 203.2 مليارات دولار، وهو ما يعادل نسبة 84% من الناتج المحلي الإجمالي
"

ابتكار مسميات جديدة لخفض نسبة العجز
وهكذا يسفر الفرق بين إجمالي الإنفاق وإجمالي الموارد عن عجز ضخم بلغ 39.2 مليار دولار سوف تلجأ الحكومة إلى اقتراضه في شكل إصدار أذون خزانة وسندات خزانة حكومية، إلى جانب الاقتراض من البنوك المحلية. وكانت هناك نية لاقتراض جانب منه من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلا أن الحكومة قد تراجعت عن ذلك الاقتراض الخارجي، مبررة ذلك بوجود شروط مجحفة من جانب المؤسستين الدوليتين.
 
ويتسبب تركز الاقتراض لسد العجز بالموازنة من السوق المحلية في مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على أموال  البنوك، ومن الطبيعي أن تفضل البنوك إقراض الحكومة الأقل مخاطرة، مما يؤدى إلى ارتفاع فائدة التمويل، الأمر الذي سينعكس على التكلفة داخل الشركات الإنتاجية، وبما يقلل من تنافسيتها محليا وخارجيا.
 
كما ارتبط حجم الاقتراض الحكومي الضخم بارتفاع الفائدة على أذون الخزانة وسندات الخزانة إلى حوالي 13%، مما يزيد من حجم الدين الحكومي، وهو ما يؤدي لارتفاع تكلفته في مخصصات الموازنة من فوائد وأقساط، مما يعنى دخول الموازنة في دوامة لا تنتهي من ضخامة عبء الدين، وزيادة قيمة العجز وزيادة الاقتراض عاما بعد آخر.
 
ولجأت وزارة المالية في السنوات الأخيرة وفى عهد ثلاثة وزراء للمالية إلى التلاعب في تعريف العجز بالموازنة لخفض قيمته، وبالتالي انخفاض نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي.
 
فرغم أن هيكل الموازنة يتكون من ثمانية أبواب للإنفاق، وخمسة أبواب للموارد، اكتفت تلك الوزارات بحساب العجز ما بين الأبواب الستة الأولى من الإنفاق، والأبواب الثلاثة الأولى من الموارد، أي الفرق بين 82.5 مليار دولار للإنفاق و58.8 مليار للموارد لينتج ما يسمى بالعجز النقدي الذي بلغت قيمته 23.7 مليار دولار لتصل نسبته بالموازنة الجديدة 9% من الناتج.
 
وعندما وجدت تلك الوزارات أن الفرق بين الباب السابع بالإنفاق والباب الرابع بالموارد موجبا لجأت إلى طريقة أخرى لحساب العجز، من خلال احتساب الفرق بين الأبواب السبعة الأولى بالإنفاق، والأبواب الأربعة الأولى بالموارد، ليصل الفارق بينهما إلى 22.6 مليار دولار، وهو ما تسميه بالعجز الكلي الذي تصل نسبته إلى الناتج المحلى 8.6%، وهى النسبة التي تتداولها الوزارة والحكومة إعلاميا وبالتقارير الرسمية.
 
وهكذا حرصت الوزارة على عدم إظهار الصورة الكاملة للموازنة، حتى لا تظهر قيمة أقساط الديون البالغة 16.7 مليار دولار، لأنه بظهور الباب الثامن الخاص بالأقساط وإدخاله في قيمة العجز تصل قيمة العجز الحقيقي إلى 39.2 مليار دولار، وهو ما يوازي نسبة 14.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهى النسبة التي لا يذكرها أحد من الرسميين الحكوميين على الإطلاق مع الأخذ في الاعتبار أن نسبة العجز بموازنة اليونان في العام الماضي كانت 10.5%.
_______________________
كاتب مصري
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة