أوباما وأزمة اليونان   
الأربعاء 1436/4/22 هـ - الموافق 11/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)

أشوكا مودي

رفض انتقاد اليورو
أوباما والاستنتاج الصحيح

كانت دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً لتخفيف تدابير التقشف المفروضة على اليونان لافتة للنظر، ليس فقط بسبب دعمه للموقف التفاوضي الذي تبنته الحكومة اليونانية المنتخبة حديثاً في مواجهة دائنيها الرسميين.

لعل أوباما توصل إلى الاستنتاج الصحيح متأخرا، ولكنه أعرب عن حقيقة واضحة بكل تأكيد مفادها: لا يمكنك أن تستمر في الضغط على بلد يمر بأزمة كساد

والواقع أن تصريحات أوباما تمثل تحولا من التقليد المعتاد المتمثل في التزام المسؤولين الأميركيين الصمت إزاء الشؤون النقدية الأوروبية. ورغم التنديد المستمر من قبل الباحثين في الولايات المتحدة بالسياسات التي ينتهجها الاتحاد النقدي في أوروبا، فإن حكومتهم طالما كانت تنظر جانبا، إلى الناحية الأخرى.  

رفض انتقاد اليورو
وكان أولئك الذين ينتقدون اليورو أو كيفية إدارته يقابَلون بالرفض باعتبارهم أنجلوساكسون، أو حتى مناهضين لأوروبا.

والواقع أن رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر تنبأت بدقة بحماقة الاتحاد النقدي الأوروبي.

وقد حذا غوردون براون عندما كان وزيراً للخزانة البريطانية حذو تاتشر، وعندما قدم له معاونوه أسباباً تم بحثها والتدقيق فيها بعناية لعدم الانضمام إلى اليورو، كانت استجابة العديد من الأوروبيين السخرية والاستهزاء.

ولهذا السبب كان تصريح أوباما بمثابة نسمة من الهواء النقي، فقد جاء بعد يوم واحد من تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن اليونان لا ينبغي لها أن تتوقع المزيد من الإعفاء من الديون، ويتعين عليها أن تواصل تدابير التقشف.

من ناحية أخرى، بعد أيام من تهديدات تكاد تكون غير مستترة، يقترب البنك المركزي الأوروبي من قطع التمويل عن البنوك اليونانية. ويحرص حراس الاستقرار المالي على تضخيم حالة التهافت على البنوك المزعزعة للاستقرار.

ويصبح خرق أوباما لعزلة أوروبا الفكرية أكثر إبهاراً لأنه حتى صندوق النقد الدولي أذعن للقوامة الألمانية.

إذا كان لكلمات أوباما أن تخلف أي صدى، فلا بد أن يستمر في الضغط لصالح الصفقة التي تحتاج إليها اليونان، وهي الصفقة التي تنحاز إلى صالح تعظيم القسم المعفى من الديون وليس تقليله

وكما أخبرت مديرة صندوق النقد كريستين لاغارد صحيفة إيريش تايمز فإن "الدين هو دين، وهو عقد، والتخلف عن سداده أو إعادة هيكلته أو تغيير شروطه ليس بلا عواقب".

واتخذ الصندوق موقفاً متأهباً في تسعينيات القرن العشرين عندما كانت مصيبة منطقة اليورو قيد التحضير.

وفي عام 2002، وصف مدير الإدارة الأوروبية في صندوق النقد القواعد المالية التي أسست لثقافة التقشف المستمر بأنها "إطار سليم". وفي مايو/أيار 2010، أيد الصندوق القرار الذي اتخذته السلطات الأوروبية بعدم فرض أي خسائر على دائني اليونان من القطاع الخاص، وهي الخطوة التي لم يتم التراجع عنها إلا بعدما أصبح شد الحزام المالي بدرجة غير مسبوقة من القسوة سبباً في دفع الاقتصاد اليوناني إلى حالة من الفوضى.

الواقع أن التأخيرات والأخطاء التي ارتكبت في إدارة الأزمة اليونانية بدأت في وقت مبكر.

ففي يوليو/تموز 2010 اعترفت لاغارد -التي كانت حينها وزيرة المالية الفرنسية- بالضرر الذي أحدثته تلك التأخيرات الأولية وقالت "لو كنا تمكنا من معالجة ديون اليونان منذ البداية ولنقل في فبراير/شباط، أظن أننا كنا سنتمكن من منعها من التضخم على النحو الذي كان".

وحتى صندوق النقد الدولي اعترف بأنه كان مخطئاً عندما لم يفرض الخسائر على الدائنين من القطاع الخاص كتدبير استباقي، ولم يفعل ذلك في نهاية المطاف إلا في يونيو/حزيران 2013 عندما كان الضرر قد وقع بالفعل.

من الواضح أن كثيرين يستحقون اللوم، فقد تبنى وزير الخزانة الأميركي السابق تيموثي غيثنر موقفاً متشدداً ضد إعادة هيكلة الديون أثناء الأزمة. ونتيجة لهذا، ورغم تحذيرات العديد من مسؤولي صندوق النقد في مايو/أيار 2010 من أن إعادة الهيكلة كانت حتمية، أيدت الولايات المتحدة الموقف الأوروبي بضرورة السداد بالكامل للدائنين من القطاع الخاص.

أوباما والاستنتاج الصحيح
كان لي بوشيت محامي الديون السيادية الرائد والرجل الذي أدار عملية إعادة هيكلة الديون اليونانية أخيراً عام 2012، شديد الانتقاد لفشل السلطات في مواجهة الواقع. وعلى حد تعبيره "فمن الصعب أن أتخيل أنهم سيحشدون الآن للاقتراح الذي ماطلوه -بتكلفة مروعة تحملتها اليونان ودائنوها ورعاة قطاعها الرسمي- بإعادة هيكلة الديون الأساسية".

ولعل أوباما توصل إلى الاستنتاج الصحيح متأخرا، ولكنه أعرب عن حقيقة واضحة بكل تأكيد مفادها "لا يمكنك أن تستمر في الضغط على بلد يمر بأزمة كساد".

يتعين على السلطات الأوروبية أن تفهم أن الفصل القادم من المأساة اليونانية لن يقتصر على اليونان

إذا كان لكلمات أوباما أن تخلف أي صدى، فلا بد أن يستمر في الضغط لصالح الصفقة التي تحتاج إليها اليونان، وهي الصفقة التي تنحاز إلى صالح تعظيم القسم المعفى من الديون وليس تقليله.

ويُظهر تحليل حديث أن إعفاء الدين الرسمي اليوناني أمر مرغوب بلا أدنى لبس، لأن أي صفقة وهمية أخرى من شأنها أن تُبقي الاقتصاد اليوناني في حالة كساد، وهو ما من شأنه أن يضمن تكرار المشكلة قريبا. وإذا كان لنا أن نخفف الحساسيات الأوروبية بالضرورة، فإن سداد ديون اليونان يمكن أن يتم تمديده لأكثر من مائة عام.

وفي نهاية المطاف، من الأهمية بمكان أن ندرك أن الفوائد المترتبة على إعفاء الديون ستعود على الدائنين بقدر ما تعود على المدينين.

وقد أدرك الدائنون هذه الحقيقة منذ القرن السادس عشر على الأقل، عندما أصبح فيليب الثاني ملك ألمانيا أول كيان سيادي يتخلف عن سداد ديونه بشكل متكرر.

يتعين على السلطات الأوروبية أن تفهم أن الفصل القادم من المأساة اليونانية لن يقتصر على اليونان. وإذا لم يتحقق إعفاء الديون فإن السخط السياسي سينتشر، وستكتسب القوى المتطرفة المزيد من القوة، وقد يتعرض بقاء الاتحاد الأوروبي ذاته للخطر.
_________________________
رئيس بعثة صندوق النقد الدولي الأسبق إلى ألمانيا وإيرلندا، وهو حالياً أستاذ السياسة الاقتصادية الدولية الزائر لدى كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية في جامعة برينستون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة