هل إعادة توزيع الدخل مفتاح احتواء الفقر؟   
الأحد 4/12/1432 هـ - الموافق 30/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 4:49 (مكة المكرمة)، 1:49 (غرينتش)
 

جاغديش بغواتي

يشكك مفكرو اليسار في النظرية الاقتصادية الدارجة بأن النمو هو الأداة المثلى لمحاصرة الفقر في الدول النامية، ويعتقدون أن سياسات تعزيز النمو الاقتصادي تعزز في الواقع الناتج القومي الإجمالي، ولا تساعد في التخفيف من حدة الفقر، وبالتالي فهم يرون أن إعادة توزيع الثروة هي المفتاح الحقيقي لاحتواء آفة الفقر.

ومنذ الخمسينيات، واقتصاديو التنمية يؤكدون أن زيادة الناتج القومي الإجمالي لا تعني بالضرورة زيادة معدلات الرفاه الاجتماعي، ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن النمو الاقتصادي وسيلة لا غاية، وسيلة يمكن من خلالها تحقيق الأهداف الحقيقية المرتبطة بالحد من الفقر وتحقيق التقدم الاجتماعي للجماهير.

قبل ربع قرن أشرت إلى طريقتين من خلالهما يمكن للنمو الاقتصادي أن يحقق هذه الغاية، أولا: النمو يوفر للفقراء فرص عمل، وبالتالي انتشالهم من وهدة الفقر. ثم إن تحسن مداخليهم سيمكنهم من الإنفاق بصورة أكبر على التعليم والصحة، وهو ما بدا واضحا في الهند خلال الفترة الأخيرة التي شهدت نموا اقتصاديا كبيرا.

ثانيا: النمو الاقتصادي يعزز مداخيل الدولة، وهو ما يعني أنه سيصبح بوسعها أن تنفق أكثر على تعليم الفقراء وصحتهم، وإن كانت زيادة مداخيل الدولة لا تقود آليا إلى تحسن هذين القطاعين، لا سيما إذا كانت البرامج غير فعالة.

غير أن المشككين في فاعلية هذا النموذج يدعون إلى "نموذج إعادة توزيع الدخل" الذي يرون أن تأثيره أكبر وأعظم في تخفيف حدة الفقر.
ويطالب منتقدو "نموذج النمو الاقتصادي" بضرورة المسارعة إلى تبني النموذج البديل، مع تنامي إحساس قطاعات شعبية واسعة عبر العالم بزيادة حصة الأغنياء على حساب الفقراء.

بنغلاديش والهند
ويسوق المدافعون عن هذا النموذج دولة بنغلاديش وولاية كيرالا الهندية مثالا، حيث كان الفضل في تحسين أوضاع الفقراء فيهما يعود إلى نموذج إعادة توزيع الدخل وليس إلى نموذج النمو الاقتصادي، وهو ما لم يتحقق في بقية ولايات الهند.

عمال بنغلاديشيون يفرغون أكياس بطاطس في ميناء قرب العاصمة دكا (الفرنسية-أرشيف)
لكن في الأقطار الفقيرة حيث تتجاوز أعداد الفقراء أعداد الأغنياء بهوامش كبيرة جدا، فإن إعادة توزيع الدخل تزيد معدلات استهلاك الفقراء بنسب بسيطة. وبعبارة أخرى، فإن النمو الاقتصادي بالنسبة للدول النامية هو الإستراتيجية الأساسية لتحقيق أهداف التنمية وتحسين أوضاع الفقراء والمهمشين.

لكن بغض النظر عن هذا الجدل، ولكي ينجح "نموذج النمو الاقتصادي" في تحقيق غايته من تخفيف حدة الفقر فإنه بحاجة من الناحية السياسية إلى جهود فعلية.
 
فبينما النمو الاقتصادي لا يفيد الفقراء، فإن الأغنياء يستفيدون منه بصورة متفاوتة. ولذلك -وحتى يظل الفقراء قابلين بنموذج النمو الاقتصادي- يتعين على الأغنياء أن يتخففوا من المستويات المرتفعة من الاستهلاك المثير لحفيظة هؤلاء.

والأهم من ذلك -في ذات الوقت- أنه يتعين تحسين فرص الفقراء في الوصول إلى الخدمات التعليمية، كي تتحسن فرصهم الاقتصادية وأوضاعهم الاجتماعية. هذه في نظري الوصفة القادرة على انتشال الفقراء من قيعان المجتمع.
______________________
أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا
 
 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة