أزمة البورصة والمقاربة الإسلامية   
الثلاثاء 14/3/1430 هـ - الموافق 10/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 20:01 (مكة المكرمة)، 17:01 (غرينتش)


خالد الطراولي

هذا ليس عنوانا استفزازيا ولا تحديا غير مسؤول، ولا يحمل تبسيطا لمعالجة الوضع العالمي الحالي، ولكنه محاولة تبين بعض مكامن الأزمة المالية وهي تنطلق من البورصة أو من أطرافها المصرفية لتتعمق داخلها وتضرب بكل قوة الاقتصاد الحقيقي بعيدا عن الرمزية المؤقتة، وتحل بالأفراد والمجموعات كوابيس ومآسي.

لم تكن البورصة يوما مؤسسة طفيلية، أو مسقطة على النموذج الرأسمالي، بل تعتبر أحد أعمدته الأساسية وعنوان هيبته ووجوده، وصرحا قائما في كل بلد، يؤكد للقاصي والداني هيمنة الطرح الرأسمالي نظرا وممارسة. ومن قال "بورصة" فإنه يعني أدوات تفعيل معينة ونماذج استثمار ومضاربة، وأساليب تعامل محددة، وأخلاقية ممارسة، وقوانين وتشريعات، كلها تشكل ثقافة معينة تجاه رأس المال وعقلية خاصة تجاه الكسب والربح، يهيمن فيها عنصر الفائدة كمعطى حسابي وكعامل دافع للاستثمار.

تحمل البورصة على الورق مهمة أساسية ووظيفة اقتصادية رسمية وهي تمويل الاقتصاد ومساعدة الشركات والمنشآت على الحصول على رأسمال يساعدها في مشوارها الإنتاجي عند انطلاقته عبر طرح أسهم للعوام، أو في تواصله عبر تداول هذه الأسهم لاحقا بين المستثمرين.

"
الفكرة الأولى والأساسية لانبعاث البورصة هي التقريب بين أصحاب السيولة الفائضة وبين أصحاب المبادرات الإنتاجية، لكنها اليوم انحرفت عن هدفها الأساسي لنشأتها فأصبحت كازينو عالميا مفتوحا أربعا وعشرين ساعة
"
كانت هذه الفكرة الأولى والأساسية لانبعاث البورصة في التقريب بين أصحاب السيولة الفائضة وبين أصحاب المبادرات الإنتاجية، فهي سوق مالية تضمن للمستثمر كسبا معينا عبر المساهمة غير المباشرة في عملية الإنتاج ومن ورائها في ازدهار بيئته. وهي تيسر للباعثين الحصول على مبتغاهم بعيدا عن ضغوط وشروط المصارف القابلة لإقراضهم، أو بالتوازي معها.

البورصة الحالية انحرفت بشكل جدي وخطير عن هذا الهدف الأساسي لنشأتها فأصبحت كازينو عالميا مفتوحا أربعا وعشرين ساعة دون انقطاع، فما إن تنغلق بورصة نيويورك حتى تفتح بورصات شرق آسيا ثم تتبعها بورصات موسكو وفرانكفورت وباريس ولندن، وساعدت عالمية الأسواق وتكنولوجيا الاتصال المتطورة في المتابعة الحينية، إذ تستطيع ملء جعابك وعودا وصكوكا وأسهما في إطار عبثي من الأرقام المتحركة على شاشات خاصة في صالون البيت وأنت مستلق على ظهرك ترتشف فنجانا من الشاي وفأرة الحاسوب في اليد تتلاعب بها في مصير أفراد وأسر ومؤسسات وحتى مصائر شعوب.

هذا اللقاء الثنائي بين العجلة في الربح ووفرته بدون ضابط أو حائل من جهة، والقطيعة بين الرمزية داخل الجدران وبين الواقع الاقتصادي للشركات والمنشآت، هي أساس هذا البناء الأخلاقي الهابط الذي تبلور في أساليب ومنتجات استثمار جهنمية معقدة ومتعددة ليس لها من كلمة الاستثمار إلا الاسم، والتي قاربت في البعض منها ألعاب الميسر والحظ، وأشرفت عليها وسهرت على تواصلها مؤسسات وصناديق وأفراد غلبت في البعض منهم تعاملات منحطة لإنجاح منتجاتهم الوهمية التي شكك الكثير من المتابعين في أخلاقيتها، كالرشا المدفوعة للسماسرة، وغض الطرف، ومسايرة الموجة، وكالتحايل لمزيد من الإيقاع بالمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، في تنافس غير سليم وهابط.

ولعل في حالة "مادوف" العميل المالي العالمي، خير دليل على هذا الانحراف الأخلاقي الذي شاب عمليات البورصة وساهم في سقوطها. فقد بنى الرجل إمبراطورية احتيال دائم ومباشر، طيلة أكثر من عقدين من الزمن وهو سيد البورصة ومديرها وربح من خلالها أكثر من 50 مليار دولار، عبر تركيبة هرمية جهنمية يدفع فيها المنتمون الجدد لهذا الفخ، مكاسب الأطراف التي سبقت.

البورصة إطار ومؤسسة ولا شك ولكنها أيضا أخلاقية ممارسة كما ذكرنا سالفا وهذه الأخلاقية تمثل بيت القصيد في هذا الانحراف، فلو سألت أي مضارب في البورصة لأجابك بأن همه الأول والأخير هو الكسب العاجل والربح الوفير، وكثير من المضاربين -المصطلح عليهم بالصغار، وهم عمود البورصة (يفوق عددهم في فرنسا مثلا ستة ملايين أي 10% من عدد السكان)- علاقته بأسهم البورصة وصكوكها وعقودها هي ارتباط يقف عند الأرقام المتجولة أمام حاسوبه ولا تتجاوزها، فهو لا يعرف المؤسسة المعنية ولا دورها التنموي في بلاده وإسهابها الاجتماعي، ولا بيئتها العمالية وإطارها الحقوقي، ولا أهدافها الإستراتيجية التي تخدم قومه أو تواجههم، وإذا وصلته بعض الأخبار عنها فإنها لا تستدعي منه إلا لفتة الثقافة العامة الهزيلة نوعا وكما.

ثقافة البورصة داخلها وعلى أطرافها تتمثل في هذا الانفصام بين الحقيقة والخيال الذي تتولد عنه عقلية اللامبالاة بما يحمله سهم أو صك أو عقد من وراء الرقم من هموم ومبادرات ومشاغل، وما يستبطنه من أعمال وأشغال، وما يرتبط به من حياة أفراد وأسر ومجتمعات، والاكتفاء فقط بالمناورة والمضاربة واللعب والرهان على أرقام ورعشات على الشاشات، بعيدا عن حقيقة المنشأة وظروفها وبيئتها.

"
ثقافة البورصة تتمثل في الانفصام بين الحقيقة والخيال الذي تتولد عنه عقلية اللامبالاة بما يحمله سهم أو صك أو عقد من وراء الرقم من هموم ومبادرات ومشاغل، وما يستبطنه من أعمال وأشغال، وما يرتبط به من حياة أفراد وأسر ومجتمعات، والاكتفاء فقط بالمناورة والمضاربة واللعب والرهان
"
لقد حملت هذه العقلية توترا وجورا في معادلة الربح والخسارة بين أطراف عملية الإنتاج، حيث أصبح عنصر المال -المتمثل غالبا في مجموعة المساهمين المستثمرين- المهيمن والمحدد لحياة الشركة والمنشأة من عدمها، وأصبح لصوتهم المركز الأول في تحديد توجهات الشركة وأمكنة وجودها، ولا يتريث في غلقها أو طرد عمالها إذا تبين له أن الكسب لم يكن بالمستوى المطلوب، ولهذا ترى في كثير من المواطن أن الشركة تكون رابحة ولكن مجلس إدارتها يقرر تسريح العمال أو تحويل الشركة نحو مناطق أقل تكلفة، تحت ضغط المساهمين. والأمثلة في هذا الباب عديدة تخص كبار الشركات وصغارها.

هل نغلق البورصة إذن لنتجاوز هذه الثقافة المهيمنة وما يتبعها من عقلية وممارسة تلقي بظلالها على حياة أفراد وأسر، وهل يمكن إغلاقها؟ وإذا أغلقناها فبماذا نعوضها؟ السؤال منهجي وإستراتيجي وحضاري، ولا يُستشفُ منه هزل أو تعجيز، ولكنه يمكن أن يدفعنا إلى مداخل إجابة وبلورة مقاربات وتصورات...

لن نغلق البورصة لأنها ليست ملكا لشخص ولا لمجموعة ولا لسلطة، ولا لنظام ونسق فكري معين وهو الأهم، فالبورصة ليست تابعة للرأسمالية ولكن الرأسمالية وظفتها توظيفا خاطئا، وجعلتها عنوان هيمنتها. وليس ممكنا إغلاقها أيضا لأنها أصبحت نسيجا داخل المشهد الاقتصادي الحديث وأحد مداخله ومكوناته. ولن نعوضها أيضا بمنشأة أخرى، لأننا نزعم أنها من أفضل ما بناه الإنسان في لقاء وفرة المال وندرته، والمساهمة في تنمية المجتمعات ونمو اقتصاداتها، ولكن الحل الأصوب والأمثل هو أن نعيدها إلى مهمتها الأساسية الأولى وهي دعم الاقتصاد عبر تمويل قطاعاته في ظل أطر أخرى وسياقات جديدة.

البورصة عماد نظام مالي وأداة تمكنه وتواصله ولا شك، بناها الحس الإنساني بدافع فطري تجاه حب المال ومراكمته، ولكنها أيضا سوق طبيعية للقاء المستثمرين وهو أصل النشأة، وما استعمال النظام الرأسمالي لها إلا كاستعمال الخباز لفرنه، والسباك لمعدنه، وكل مرتزق لأداة رزقه، فالخبز المحروق أو السيئ المذاق لا يطعن في مبدئية الفرن في الطهي، واستعمال النظام الرأسمالي للبورصة هو حالة اختطاف لمبدأ سليم وإطار صالح وأداة ناجعة، والانحراف بها في مستنقعات الذاتية والهبوط الأخلاقي من أجل الربح الوفير والعاجل.

إن الدور الأساسي الذي يمكن أن يلعبه أي طرح بديل لمعالجة الأزمة الحالية هو الانطلاق أولا من مبدئية الأخلاق في أي تعامل مالي أو غيره، حيث تصبح الأخلاق الإطارَ والهدفَ لأي عملية اقتصادية، سواء كانت داخل جدران البورصة أو خارجها. وهذا ليس مثالية وإسقاطا عاطفيا ووجدانيا، ولكنه مجموعة تشريعات وقوانين وأهداف ومعالم واضحة، تتداخل فيها عناصر البيئة والمصلحة العامة والبعد التنموي، وتحملها أدوات إعلام وتوعية سهلة، يمكن لأي مستثمر التواصل معها وممارستها.

إن المقاربة الإسلامية في هذا الباب تعتبر ثمينة وهامة، وتمثل معالم بديل يدعو إلى مزيد من البلورة وعلى الجرأة في تنزيله. وهي تنطلق من هذا البعد الأخلاقي غير الطوباوي التي تحمله منظومة قيمية حازمة وضوابط جامعة وفضائل، من مثل الصدق في المعلومة وانسيابها داخل السوق، وعدم التغرير والتجهيل في المعاملة، والتي يمثلها العديد من التوجيهات الأساسية والهامة، من مثل عدم البيع لما لا تملك، وعدم بيع الديون، وهي إحدى مطبات الأزمة الحالية.

"
إصدار ميثاق شرف أخلاقي للعمل داخل البورصة يعتبر هاما وضروريا ومحطة أولى للانطلاق نحو إطار أكثر إلزاما وواقعية، من ضوابط وقوانين حازمة ومؤسسات مراقبة وتنبيه وتقييم
"
إن إصدار ميثاق شرف أخلاقي للعمل داخل البورصة كما دعا إليه رجل الأعمال الشيخ صالح عبد الله كامل يعتبر هاما وضروريا ومحطة أولى للانطلاق نحو إطار أكثر إلزاما وواقعية، من ضوابط وقوانين حازمة ومؤسسات مراقبة وتنبيه وتقييم. ولو أردنا إعطاء معالم وخطوط عريضة لهذا التوجه ذي المرجعية الإسلامية في بناء بورصة المستقبل لاعتمدنا رؤوس الأقلام التالية:

* شفافية العقود والمنتوجات وسهولة تكوينها، فقد أظهرت الأزمة مدى تشعبها وتعقيداتها بالشكل التي تصعب حتى لباعثيها توضيحها، زيادة على تداخلها حسب نسب مئوية في تراكيب بعضها، ومثال ذلك ما وقع لعدد من المستثمرين وهم يكتشفون أن عقودهم تحتوي على استثمارات "مادوف" المأسوية، ولولا الأزمة التي فضحت هذا التحايل لما تبين للجميع بنوكا ومؤسسات وأفرادا، هذا التداخل العجيب، فيمكن أن ينطلق منتوج مالي من بقعة صغيرة ليتحول في تركيبته على مجموعة ضخمة من المنتوجات غير المحددة المكان والزمان.

والشفافية والوضوح والإفصاح في العقود من مقاصد الشرع الحنيف حيث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"، فيكون الكتمان والتحيل من مبطلات العقد وفساد المعاملة وعدم صحتها.

* الارتباط المفروض بين الرمزي وعالم الأرقام من جهة، وعالم الاستثمار والمنشأة من جهة أخرى، وهذا توفره في الحقيقة إحدى أساسيات العلاقة بين صاحب المال والمستثمر في الشريعة الإسلامية، حيث تصبح الأصول مشتركة بين المدين والمصرف المخول له التصرف، مما يتطلب متابعة وتواصلا يلزم الشفافية في الإنتاج والتقارير.

إن التعاملات المصرفية الإسلامية لا تولد وجود مموّل صرف، بل يجب على صاحب المال ربط نتائج تمويلاته بنتائج النشاط الاستثماري الحقيقي. وهذه الشفافية تنعكس إيجابا في البورصة، بما توفره من معلومات ومتابعات هامة تخص الشركة ومسارها الإنتاجي. ولعل في الصكوك الإسلامية خير مثال، حيث تكون هذه الصكوك المعروضة للشراء مدعومة من أصول فعلية قائمة ولها ارتباط مباشر بعالم الواقع، ويكون لحامليها ربح مرتبط بما تحققه هذه الأصول.

* شفافية المعلومة داخل البورصة عبر تكوين مؤسسات مستقلة تتابع عن كثب صحة الخبر وتوفره للجميع ومتابعة العملاء ورصد المعاملات المشبوهة، وهذا يتطلب استقلالية تامة عن مراكز القرار السياسي والمالي، وقد تبين في قضية "مادوف" أن أحد المفتشين الهامين في لجنة مراقبة البورصة في نيويورك كان زوج ابن أخ مادوف نفسه.

كما تابعنا في عديد المرات إطلاق الإشاعات أو إخفاء المعلومة، أو استغلال المكانة والمنزلة للحصول على الربح الوافر عبر التأثير المباشر وغير المباشر، وقد تدخل على الخط البعض من الصحف المالية في النصح ومساعدة المستثمرين وهي لا تحمل كل الحيادية المطلوبة، فكيف تطلب النزاهة والاستقلالية من صحيفة يمكن أن تكون في ملكية مباشرة أو غير مباشرة لمؤسسة، فتفقد التنافسية دورها وتصبح مغشوشة.

"
بناء بديل إسلامي ليس مثالية أو طوباوية، ولكنه سعي لبناء هذا البديل الذي لا يستدعي أكثر من فطرية الإنسان وإنسانيته، وهو هدف المقاربة الإسلامية في إنسانية ما تريد وإنسانية ما تطرح، بعد غيبة فرضتها منظومة قيم ونموذج حضاري بُني على تثمين الأنا وتأليه الجشع
"
وتوفيرا لهذه المعلومة المحايدة والمستقلة سعى النص المقدس إلى تثبيت أركان المعاملة الشفافة منذ انطلاقتها فعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "لا تتلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: :"لا تتلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد"، فقال له طاووس: ما "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمساراً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

*إدخال ضوابط عبر سن قوانين ملزمة وحازمة يستظل تحتها المستثمر والعميل ولا تميز بين فرد وآخر مهما علا شأنه، وفي قضية "مادوف" مرة أخرى عبرة، فقد استغل الرجل مكانته ومنزلته المالية وهو يرأس بورصة نيويورك في استمالة الكثيرين والإيقاع بهم دون أن يقع التثبت من منتوجاته ولا البحث في أعماله ولا مراقبة حركة رؤوس الأموال لديه.

إن بناء بورصة الغد هو بناء اقتصاد الغد، وهو ثورة لا تستدعي الترميم والتلفيق، ولكنه أيضا لا يهدف إلى بخس حقوق من سبق وليس بناء على بياض، ولكنه إعادة المفهوم إلى طبيعته وسكينته، فالبورصة أو الاقتصاد عامة ليس موطن استغلال وتجاذب قاتل وهدام، الداخل فيه مفقود والخارج منه ميت أو يحتضر، ولكنه موطن لقاء وتبادل ومصالح مشتركة وحياة، وهذا ليس مثالية أو طوباوية، ولكنه سعي لبناء هذا البديل الذي لا يستدعي أكثر من فطرية الإنسان وإنسانيته وعودة هذا الابن الضال إلى حظيرة الفطرة والقلب السليم، وهو هدف المقاربة الإسلامية في إنسانية ما تريد وإنسانية ما تطرح، بعد غيبة فرضتها منظومة قيم ونموذج حضاري بـُني على تثمين الأنا وتأليه الجشع سواء في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد.
ـــــــــ
كاتب تونسي

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة