القضاء الأميركي وملف الديون السيادية   
السبت 1436/5/16 هـ - الموافق 7/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:10 (مكة المكرمة)، 20:10 (غرينتش)



جوزيف ستيغليتز-مارتن جوزمان

عندما أصدر القاضي الفدرالي الأميركي توماس غريزا حكمه في يوليو/تموز الماضي، والذي قضى بإلزام الأرجنتين بسداد ديونها كاملة لما يسمى الصناديق الجشعة التي اشترت ديونها السيادية في أسعار متدنية للغاية، واضطرت البلاد للتخلف عن سداد ديونها. وقد خلف هذا القرار صدى بعيد المدى، فأثر على السندات الصادرة في عدد من مناطق العالم، وهو ما يشير إلى أن المحاكم الأميركية قادرة على التأثير في العقود المنفذة في بلدان أخرى.

ومنذ ذلك الحين، حاول المحامون وخبراء الاقتصاد استجلاء العواقب المربكة المترتبة على قرار غريزا. ولكن هل تمتد سلطة المحاكم الأميركية حقا إلى خارج حدود أميركا؟

غير أن محكمة بريطانية أسهمت بعض الشيء في توضيح هذا الموضوع، فحكمت بأن مدفوعات سعر الفائدة المستحقة على السندات الأرجنتينية الصادرة بموجب القانون البريطاني يشملها قانون البلاد، وليس الأحكام القضائية الصادرة في الولايات المتحدة. والواقع أن هذا القرار البريطاني بعث برسائل مهمة، وهو يمثل انفصالا محمودا عن سلسلة من القرارات الصادرة عن قضاة أميركيين يبدو أنهم لا يفهمون مدى تعقيد الأسواق المالية العالمية.

فأولا وقبل كل شيء، كان استباق المحكمة الأميركية -التي عارضتها محكمة بريطانية بعد ذلك- لمفاوضات الديون الأرجنتينية بمثابة تذكير قوي بأن الحلول القائمة على آلية السوق في تسوية أزمات الديون السيادية لديها قدرة عالية على إحداث الفوضى.

فقبل قرار غريزا الذي أدى إلى تخلف الأرجنتين عن السداد، كان يعتقد في أغلب الحالات أن الحلول المطروحة لمشاكل سداد الديون السيادية يمكن التوصل إليها عبر مفاوضات غير مركزية وفي غياب لإطار قانوني قوي.

سعت الأوساط المالية وصندوق النقد الدولي إلى فرض بعض النظام في أسواق السندات السيادية، وتم ذلك ببساطة بواسطة تعديل عقود الدين، ولكن هذه التعديلات البسيطة لن تتغلب على أوجه القصور التي تعيب النظام

تدخلات لضبط أسواق السندات السيادية
وحتى بعد ذلك، سعت الأوساط المالية وصندوق النقد الدولي إلى فرض بعض النظام في أسواق السندات السيادية، وتم ذلك ببساطة بواسطة تعديل عقود الدين، خاصة الشروط الواردة في فقرات العمل الجماعي، والتي تلزم كل الدائنين باقتراح إعادة الهيكلة الذي توافق عليه الأغلبية العظمى.

ولكن التعديلات البسيطة مثل تنقيح العقود لن تتغلب على أوجه القصور التي تعيب النظام، فمع خضوع ديون متعددة لعدد كبير من القوانين التي قد تكون متناقضة أحيانا في ولايات قضائية مختلفة، فإن الصيغة الأساسية المتمثلة في إضافة أصوات الدائنين -التي روج لها أنصار النهج القائم على السوق- إلى المعادلة لن تفعل الكثير لحل مشاكل المفاوضات المعقدة، ولن تنجح في إنشاء أسعار صرف يمكن استخدامها لتقييم الديون الصادرة بعملات مختلفة.

وإذا تركت هذه المشاكل للأسواق لمعالجتها فإن قوة التفاوض، وليس اعتبارات الكفاءة والإنصاف، هي التي ستحدد الحلول. والواقع أن العواقب المترتبة على أوجه القصور هذه ليست مجرد مضايقات، ذلك أن التأخير في إتمام إعادة هيكلة الديون قد يجعل الركود الاقتصادي أكثر عمقا وأطول أمدا كما توضح الحال اليونانية.

علاقة أسواق الديون بأميركا
ويقودنا هذا إلى الدرس الثاني المستفاد من الحكم القضائي البريطاني، ففي ظل ارتفاع المخاطر بشكل كبير لم يعد لدى أسواق الديون أي سبب يذكر للبقاء في الولايات المتحدة. فقد كانت أميركا تتفاخر دوما بقوة "سيادة القانون" لديها، وهي النقطة المشجعة التي جعلت وول ستريت مكانا لاستضافة أكبر سوق للديون السيادية.

ولكن حكم غريزا، الذي اعتمد على تفسير غريب لا يمكن الدفاع عنه يتعلق ببنود عقود ديون الأرجنتين أظهر أن المصالح التجارية للولايات المتحدة من الممكن أن تهمين على قرارات محاكمها. والواقع أن سيادة القانون التي طالما ادعتها أميركا لم تعد بالقوة التي تبدو عليها، بل إنها تحمي على نحو شاذ القوي على حساب الضعيف.

ولم يكن قرار غريزا سوى آخر القرارات بعد العديد من القرارات والتغيرات القانونية التي كشفت ما يمكن أن نسميه أحد أعراض الفساد على الطريقة الأميركية، حيث تهدد جماعات الضغط وممولو الحملات الانتخابية بتعريض النظام بأكمله للخطر، وذلك رغم أننا لا نستطيع أن نزعم بأن أي مسؤول تورط في قضية رشوة. ومن الحكمة أن تتحرك الولايات المتحدة الآن قبل أن تغادر سوق الديون السيادية نيويورك.

إذا أرادت الصين تحويل شنغهاي لسوق رائدة للديون السيادية، فينبغي لها أن تكون واعية بأوجه القصور التي تعيب الأطر القانونية في أماكن أخرى، وأن تصمم بديلا أكثر كفاءة وإنصافا

الصين ودورها في ملء الفراغ
ولا بد أن تكون الصين على استعداد لملء الفراغ، ذلك أن مدخراتها الآن تفوق بكثير نظيراتها في الولايات المتحدة، وهي تسعى جاهدة إلى تحويل شنغهاي إلى مركز مالي عالمي. وقد أصبح هذا الطموح أقرب للتحقق في ضوء الضرر الذي لحق بمصداقية المنظومة الأميركية في أعقاب الأزمة المالية في العام 2008.

وإذا كان لشنغهاي أن تظهر كرائدة لأسواق الديون السيادية، فينبغي لبكين أن تكون واعية بأوجه القصور التي تعيب الأطر القانونية في أماكن أخرى، وأن تصمم بديلا أكثر كفاءة وإنصافا.

وتتلخص الرسالة النهائية الشاملة لقرار المحكمة البريطانية في أن كل البلدان لا بد أن تنتبه، فهناك حاجة ملحة إلى تجديد جهود الأمم المتحدة الرامية إلى خلق إطار قانوني متعدد الجنسيات لإعادة هيكلة الديون السيادية. ورغم أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة لتقويض هذه الجهود، فإن الحكم الصادر في المملكة المتحدة يذكرنا بأن قضاة أميركا ليسوا قضاة العالم.

قد لا تكون مؤسسات وول ستريت سعيدة بهذه الخلاصة، غير أنه في نظر العديد من الدول في مختلف أنحاء العالم التي تعتمد على الديون السيادية هو خبر جيد.
ـــــــــــــ
جوزيف ستيغليتز حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ في جامعة كولومبيا
مارتن جوزمان زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في قسم الاقتصاد والتمويل في كلية إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة