الاتفاق النووي وحدود تطوير إيران لقطاعي النفط والغاز   
الثلاثاء 1436/6/18 هـ - الموافق 7/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:04 (مكة المكرمة)، 20:04 (غرينتش)

تامر بدوي

منذ التوصل إلى اتفاق جنيف المؤقت في سبتمبر/أيلول 2013 بين إيران والقوى الكبرى ومرورا باتفاق الإطار النووي الذي عقد في أبريل/نيسان الجاري، تعقد الإدارة الإيرانية آمالا على النجاح في جذب المستثمرين الأجانب إلى قطاع النفط لرفع مستوى إنتاجها من النفط ليس إلى مراحل إنتاج ما قبل العقوبات القاسية التي فرضتها القوى الغربية في العام 2012 (حيث بلغ إنتاج إيران في 2011 ما يزيد عن 4 ملايين برميل يوميا وفقا لتقارير شركة النفط البريطانية) بل إلى مراحل إنتاج ما قبل اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979.

تراجع دراماتيكي للإنتاج
جدلية العقوبات وقوانين الاستثمار
هل يصل الغاز الإيراني لأوروبا؟

تراجع دراماتيكي للإنتاج
فمن مستوى إنتاج بلغ 6 ملايين برميل يوميا في العام 1974 إبان حكم الشاه، تراجع كل من الإنتاج النفطي وطاقة التصدير بصورة دراماتيكية أثناء الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي.

إذ عمدت بغداد في منتصف العام 1985 إلى قصف منشآت إيران النفطية خاصة في جزيرة خرج التي كانت مسؤولة عن تصدير 90% من مجموع النفط الإيراني لتتراجع صادراتها من 1.5 مليون برميل يوميا إلى ما يتراوح بين 750 ألف برميل ومليون برميل. ولاحقا في منتصف العام التالي قصفت بغداد منشآت التصدير بجزيرة سيري بحيث تراجعت الصادرات الإيرانية من 1.6-1.8 مليون برميل يوميا إلى 0.8-1.2 مليون برميل. وهي طاقة التصدير التي عاد إليها قطاع النفط الإيراني تقريبا مرة أخرى في الربع الثاني من العقد الجاري بفعل العقوبات الغربية.

لم تكن العقوبات الغربية هي العائق الوحيد لجذب الاستثمار الأجنبي إلى قطاعات النفط والغاز التي طالما شكلت عائداتها مصدر الدخل الرئيسي الذي يرتكز عليه اقتصاد إيران الريعي

فهل تنجح طهران في جذب عدد من شركات النفط والغاز (خاصة الغربية منها) إلى قطاعها النفطي مرة أخرى بعد انسحابها بشكل كامل في العام 2010؟

جدلية العقوبات وقوانين الاستثمار
بعد انتهاء الحرب مع العراق, استطاعت إيران إصلاح وإعادة بناء منشآتها النفطية حتى وصلت طاقتها التصديرية إلى 2.4 مليون برميل يوميا في العام 1996. ولكن بدخول قانون عقوبات إيران-ليبيا الشهير إلى حيز التنفيذ في نفس العام، كان من الصعب على الإدارة الإيرانية آنذاك جذب مستثمرين كثر إلى قطاعي النفط والغاز لتطويرهما بوتيرة سريعة حيث حظر قانون العقوبات على أي شركة الاستثمار في إيران بأكثر من 20 مليون دولار. ولكن لم تكن العقوبات الغربية هي العائق الوحيد لجذب الاستثمار الأجنبي إلى هذه القطاعات الحيوية التي طالما شكلت عائداتها مصدر الدخل الرئيسي الذي يرتكز عليه اقتصاد إيران الريعي.

ترصد إيفاليلى بيساران في كتابها المعنون "صراع إيران للاستقلال الاقتصادي: جهود الإصلاح والإصلاح المضاد في مرحلة ما بعد الثورة" قوانين الاستثمار التي حاولت إدارة الرئيس السابق محمد خاتمي إصلاحها لجذب الاستثمار الأجنبي لقطاعي النفط والغاز خاصة.

في العام 2002 صدق مجمع تشخيص مصلحة النظام على قانون دعم وحماية الاستثمار الأجنبي الذي نص على عدم وجود قيود لنسبة الحصص التي يمكن أن يستحوذ عليها المستثمر الأجنبي (وذلك في مقابل القيود التي يمكن أن تستنبط من تفسير المادة رقم 81 من الدستور) لطالما لم تمنح الحكومة تنازلات إلى المستثمر الأجنبي (والمقصود بالتنازلات هنا -حسب تعبير المؤلف- حقوق خاصة تضع المستثمر الأجنبي في موقع احتكاري). ورغم محاولات إصلاح قوانين الاستثمار، لم تنجح إيران في اجتذاب الكثير من المستثمرين إلى قطاعي النفط والغاز. فبشكل واضح اتسمت القوانين الجديدة بالتناقض وعدم الوضوح في ظل بيئة استثمارية عالية المخاطر لعوامل داخلية وخارجية.

واليوم تحتاج الإدارة الإيرانية إلى الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط أكثر مما مضى لرفع إنتاجها النفطي مع قرب التوقيع على اتفاق نهائي بين طهران والقوى الكبرى قبل 30 يونيو/حزيران من العام الجاري.

وقد صرح وزير النفط الإيراني باستعداد بلاده لإضافة مليون برميل آخر من النفط إلى ما تنتجه حاليا (2.8 مليون برميل يوميا)، ليصل إنتاجها إلى 3.8 ملايين برميل يوميا (وهناك من يشير إلى أن الزيادة لن تتجاوز حدود 800 ألف برميل يوميا).

لكن يذهب مراقبون إلى أن إيران لن تستطيع تجاوز حاجز الأربعة ملايين برميل يوميا دون دخول شركات النفط العالمية إلى قطاعها النفطي. وذلك في الوقت الذي صرح فيه مسؤولون إيرانيون في مجال النفط كحميد بورد برغبة إيران في رفع إنتاجها النفطي ليصل إلى 5.7 ملايين برميل يوميا بحلول العام 2018.

هناك حالة من التفاؤل يبديها العديد من المراقبين بشأن دخول إيران مصدرا للغاز إلى السوق الأوروبية بديلا لروسيا على خلفية مساعي الاتحاد الأوروبي الحالية لتنويع وارداته من الغاز

وفي ظل توقعات بتقليص شركات النفط العالمية لاستثماراتها بنسبة 30% (أكبر تراجع ستشهده الاستثمارات النفطية منذ العام 1986) في العام الجاري، سيكون على الإدارة الإيرانية تقديم المزيد من الحوافز الاستثمارية لشركات النفط العالمية. ويكمن التحدي في صياغة عقود مناسبة للمستثمرين في ظل تقييد قوانين الاستثمار الإيرانية الحالية لحركة المستثمر الأجنبي في قطاعات إستراتيجية كالنفط والغاز، لأن صيغ العقود التي قدمتها الإدارة الإيرانية للمستثمرين في أعقاب اتفاق جنيف في سبتمبر/أيلول 2013 قد لا تكون ملائمة الآن مع تدني سعر النفط.

هل يصل الغاز الإيراني لأوروبا؟
هناك حالة من التفاؤل التي يبديها العديد من المراقبين بشأن دخول إيران مصدرا للغاز إلى السوق الأوروبية بديلا لروسيا على خلفية مساعي الاتحاد الأوروبي الحالية لتنويع وارداته من الغاز. وقد صرح الرئيس حسن روحاني سابقا بأن بإمكان بلاده تصدير 25 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى أوروبا مستقبلا. ومع ذلك، هناك ما يبطئ من دخول إيران إلى السوق الأوروبية سريعا والذي يمكن أن نلخصه، أولا في استمرار مستوى الاستهلاك المحلي في ارتفاعه، وثانيا في الحاجة إلى دخول المستثمرين الأجانب لرفع مستوى إنتاجها من الغاز (للمزيد يمكن العودة إلى مقالنا المنشور بالجزيرة نت المعنون: الغاز الإيراني بين تحديات أوروبا والمتوسط).

وبعض النظر عن العوائق الداخلية التي تواجهها طهران لتصدير غازها غربا، يخدم الظرف الجيوسياسي في شرق أوروبا الطموحات الإيرانية على المدى المتوسط والبعيد، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية في 25 فبراير/شباط عن خططها لإنشاء ما يسمى بـ"اتحاد الطاقة الأوروبي" لتحقيق تنسيق أكبر بين الدول الأعضاء في تطبيق سياسات الطاقة الأوروبية ودمج أسواق الطاقة الإقليمية والتكتل في مواجهة المصدرين.

فالسير في تجاه تحرير السوق الأوروبية وتفكيك الشبكات الاحتكارية (وهو ما قطعت فيه المفوضية الأوروبية شوطا بحسب تقديرات), سيتيح المزيد من الفرص لتنويع واردات الغاز الأوروبية بعيدا عن روسيا من مصادر أخرى.

لكن من جهة أخرى هناك تعقيدات خارجية قد تواجها إيران مستقبلا فيما يخص تصديرها للغاز إلى أوروبا بسبب موسكو.

فبعد إلغاء روسيا لبناء خط السيل الجنوبي (ساوث ستريم) الذي كان مخططا له أن يعبر البحر الأسود إلى بلغاريا وجنوب شرق أوروبا، أصبح الخط البديل المعروف بالسيل التركي (تيركيش ستريم) معتمدا على خط أنبوب العابر للأدرياتيكي (تاب) المخصص لنقل الغاز الأذري إلى أوروبا والذي كان الخيار الأمثل لتصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا.

بمعنى آخر، سيصبح هناك ضغط أكبر مستقبلا على خط الغاز الأذربيجاني (تاب) الذي ستعتمد عليه إيران أيضا. وأما خيار إيران الآخر ولكن المكلف (والذي أعلنت عن رغبتها في تحقيقه مرارا) فهو بناء خط غاز خاص بها يمر بتركيا إلى أوروبا.

ورغم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة العربية وخاصة منطقة الشام، لا تزال تعول طهران على تصدير غازها إلى أوروبا من خلال خط آخر يمتد من العراق شرقا حتى لبنان غربا ثم البحر المتوسط حتى السواحل الأوروبية. وبغض النظر عن ضعف احتمال نجاح إيران في مد هذا الخط إلى أوروبا مستقبلا، تسعى طهران لتوزيع شبكة زبائنها الإقليميين لتصل خطوطها حتى دولا عربية كالأردن.
ــــــــــــــــــــ
باحث مختص بالشأن الإيراني والعلاقات الدولية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة