الخيارات الصعبة لتصدير الغاز الإسرائيلي   
الخميس 1438/1/5 هـ - الموافق 6/10/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:01 (مكة المكرمة)، 15:01 (غرينتش)

بعد مفاوضات طويلة ابتدأت منذ عام 2011 بإلحاح وتشجيع أميركي مستمر ومعارضة شعبية قوية وواسعة الانتشار، وقعت شركة الكهرباء الوطنية الأردنية في سبتمبر/أيلول 2016 وشركة "نوبل إنيرجي" الأميركية الممثلة لحقوق المساهمين في حقل غاز لفيتان البحري وغيره من الحقول الإسرائيلية اتفاقية لتوريد الغاز إلى الأردن لتوليد الكهرباء وتعزيز بدائل الإمدادات إلى المملكة بصفقة قدرت بعشرة مليارات دولار على مدى 15 سنة وكميات تصل إلى 530 مليار قدم مكعبة.

وكانت شركة نوبل إنيرجي قد وقعت في 2014 عقدا متواضعا نسبيا مع "شركة البوتاس العربية" في الأردن لتوريد الغاز على مدى 15 عاما من حقل تمار بصفقة قدرت بخمسمئة مليون دولار ولكميات تصل إلى 66 مليار قدم مكعبة.

وتعد اتفاقيتا تصدير الغاز الإسرائيلي إلى الأردن -إذا ما نفذتا- أول نجاح لإسرائيل في البحث عن مستوردين لغازها الذي كثر الحديث عنه منذ اكتشاف حقل لفيتان البحري قبالة سواحل حيفا في 2010، إذ بقي الحقل الكبير بعيدا عن التطوير بسبب كلفته العالية وحاجته إلى استثمارات كبيرة لتصريف إنتاجه الذي يزيد كثيرا عن حاجة إسرائيل.

اتفاقيات لا تكفي
إن الاتفاقيتين مع الأردن لن تكونا كافيتين لتطوير حقل لفيتان، وإن احتياجات إسرائيل المتزايدة للغاز تجهز من حقول أخرى، لذا فالاتفاقيتان -على أهميتهما- لن تكونا حافزا كافيا للشركات المالكة لاستثمار ما لا يقل عن ستة مليارات دولار لتطوير هذا الحقل، لذا ستسعى إسرائيل لإيجاد مسالك أخرى لتصدير الغاز، فما الخيارات التي تتحدث عنها الأوساط الإسرائيلية وغيرها وما مدى احتمال نجاح أي منها؟

الاستكشافات الإسرائيلية في شرق المتوسط بدأت عام 1999 (رويترز)

ابتدأت الاستكشافات الغازية الإسرائيلية البحرية عام 1999 باكتشاف حقل "نوى" الصغير وتلاه في السنة التالية حقل "ماري"، وكلاهما لا يحويان احتياطيا كبيرا (1.5 تريليون قدم مكعبة)، استنزف معظمه. وبقي الحال هكذا إلى عام 2009 الذي اكتشف فيه حقلا "داليت" و"تمار" باحتياطي يقدر بنصف تريليون، وعشرة تريليونات قدم مكعبة على التوالي، وجرى تطوير هذين الحقلين لتجهيز إسرائيل بالغاز خاصة بعد انقطاع تجهيزاتها من الغاز المصري في 2012، أما المفاجأة الكبرى فكانت في 2010 باكتشاف حقل لفيتان الكبير قبالة ساحل حيفا على بعد 150 كيلومترا في عمق المنطقة الاقتصادية الخاصة بإسرائيل بموجب ما حددته هي دون الالتفات إلى حقوق الآخرين وخاصة لبنان، ويقدر احتياطي الغاز فيه بما لا يقل عن 18 إلى 22 تريليون قدم مكعبة من الغاز. وأعقب ذلك في 2012 اكتشاف حقلي "تانين" و"كاريش" باحتياطي مجموعه ثلاثة تريليونات قدم مكعبة. والملاحظ أن هذه الاستكشافات ونجاحها قد حدث بشكل أساس من قبل شركة نوبل إنيرجي الأميركية التي تعد اللاعب الأساسي في المنطقة بتعاونها مع شركات إسرائيلية.

أما استهلاك الغاز في إسرائيل فقد ارتفع من مئة مليون قدم مكعبة يوميا في 2004 إلى خمسمئة مليون في 2011، وانخفض إلى مئتي مليون في 2012 على إثر انقطاع الغاز المصري، ثم ارتفع إلى ثمانمئة مليون في 2015 بالاعتماد على إنتاج الحقول البحرية باستثناء حقل لفيتان.

غير أن إسرائيل في 2015 ما زالت تستهلك 25.6 و 6.7 ملايين طن نفط مكافئ من النفط والفحم المستوردين، وهي تسعى لتقليل استيراداتها وتحسين بيئتها بزيادة استهلاك الغاز مما سيجعل من تطوير حقل لفيتان أمرا مهما بالنسبة لها.

معوقات داخل إسرائيل
ولكن تطوير حقل لفيتان يصطدم بمجموعة من المعوقات، فمن الناحية القانونية هناك حكم بأن المجموعة المسيطرة على الحقل -بل معظم الغاز الإسرائيلي- تمثل تجمعا احتكاريا، مما أثار احتجاجا على سياسة الحكومة في الاتفاق معها، وأن وزير الاقتصاد الذي من صلاحيته تجاوز هذا القرار لأسباب تتعلق بالأمن رفض ذلك وقدم استقالته رغم موافقة الكنيست على اتفاق الحكومة مع الشركات، ولكن هذا الموضوع ربما سيحل من خلال ألاعيب السياسة الإسرائيلية إذ سيتولى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزارة الاقتصاد ويعطي موافقته على إثر قيام شركة نوبل إنيرجي وشركائها بالتنازل لغيرها عن بعض أسهمها في حقول غير لفيتان خلال مدة أقصاها ست سنوات.

نتنياهو متمسك بخطط إنتاج الغاز الطبيعي (رويترز)

والأهم من كل ذلك أن الشركات غير مستعدة لاستثمار ستة مليارات دولار لإنتاج ملياري قدم مكعبة يوميا وربما أكثر ما لم تكن متمكنة من تصدير الفائض عن حاجة إسرائيل، ومن أين ستجد الشركات هذا الاستثمار ما لم تتأكد المصارف الدائنة من ربحية المشروع ومن إمكانيات تصريف الغاز عن طريق التصدير؟

خيارات التصدير
وقد تعددت الأفكار والمقترحات بشأن التصدير، ولكن أيا منها لم يصل إلى نتيجة، باستثناء التصدير إلى الأردن، فهناك درجة كبيرة من عدم اليقين بشأن موقع وهندسة آليات التصدير في ضوء  المشاكل الأمنية في المنطقة والنزاعات بشأن الحدود البحرية، إضافة إلى ضعف الاقتصاد العالمي وانخفاض أسعار الغاز، ومع ذلك لنستعرض خيارات التصدير المطروحة:

1 - التصدير إلى مصر بعكس جريان خط الغاز الذي كان يورد الغاز المصري إلى إسرائيل وخاصة أن مصر باتت فجأة بحاجة كبيرة إلى الغاز وتوقفت صادراتها إلى خط الغاز العربي إلى الأردن وسوريا، ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بالقبول لقيام إسرائيل بالمطالبة عن طريق التحكيم بتعويضات كبيرة بسبب توقف صادرات الغاز المصري، وقد فازت بهذه الدعوى، وعرضت إسرائيل تنازلها عن نصف مبلغ التعويض إذا وافقت مصر على الاستيراد. ولا بد أن مصر متخوفة من تعرض الأنابيب للتخريب كما حدث في حالة التصدير في 2012.

الخط الذي كان ينقل الغاز المصري إلى إسرائيل تعرض لهجمات عديدة في عامي 2011 و 2012 (الأوروبية)

أما المقترح الثاني فكان إيصال الغاز الإسرائيلي إلى مجمعي إسالة الغاز المصريين في دمياط وإدكو باستثمارات قدرت بين 1.5 مليار وملياري دولار لتوسيع طاقات الإنتاج وبناء الخط البحري. وستستفيد مصر من بعض الغاز وتسيل الباقي وتعيد تصديره إلى الأسواق العالمية، وربما كان هذا خيارا فنيا معقولا في ضوء حاجة المجمعين إلى الغاز، إلا أن الفكرة منيت بضربة قاضية باكتشاف حقل غاز كبير في المنطقة الاقتصادية الخاصة بمصر من قبل شركة "إيني" الإيطالية الذي عد أكبر حقل بحري في شرق المتوسط باحتياطي أكثر من ثلاثين تريليون قدم مكعبة، كما اكتشفت شركة "بي بي" البريطانية حقولا أخرى شمال دمياط وباحتياطي أولي يقدر بخمسة تريليونات قدم مكعبة، وتسرع الشركتان بتطوير هذه الحقول لتوفير الغاز حيث سيكون ذلك أسرع من انتظار تطوير حقل لفيتان وإيصال الغاز الإسرائيلي إلى مجمعي التسييل.

2 -على إثر اكتشاف الغاز في حقل "أفرودايتي" في مياه جزيرة قبرص فكر الطرفان بإنشاء مجمع مشترك لتسييل الغاز في قبرص ثم تصدير إنتاجه إلى الأسواق العالمية، إلا أن محدودية احتياطي قبرص من الغاز (سبعة تريليونات قدم مكعبة) وعدم اكتشافها حقولا جديدة قلل من أهمية هذا المقترح كما أن هناك من يعتقد أن إسرائيل تفضل مجمعا مستقلا لها وليس في قبرص، ولن يستغرب أحد إذا ما استوردت قبرص الغاز الإسرائيلي لتكملة حاجتها بعد تطوير حقل "أفرودايتي".

3 - مقترح إنشاء خط أنابيب شرق المتوسط البحري/البري الذي ينقل الغاز مباشرة إلى أوروبا لنقل ما يصل إلى 530 مليار قدم مكعبة من الغاز سنويا، ويربط حقل لفيتان مارا بجزيرتي قبرص وكريت وصولا إلى شبكة الغاز اليونانية ثم الشبكة الإيطالية عبر خط أنابيب "بوسيدون".

وقد أسست شركة "آي جي آي بوسيدون" اليونانية للترويج لهذا المشروع واستقطاب المستثمرين له. ويبلغ طول الخط بجزأيه البحري والبري 1700 كيلومتر بكلفة 8 مليارات دولار ويستغرق بناؤه 8 سنوات، وكلها مآخذ على هذا المشروع مما قد يجعل بروزه للواقع أمرا مستبعدا على الرغم من دعم الاتحاد الأوروبي له بقصد تقليل الاعتماد على الغاز الروسي وتعزيز أمن الإمدادات بتنويع مصادرها وزيادة المنافسة بين المجهزين لتخفيض الأسعار وتجهيز المناطق اليونانية في كريت وغرب البلاد التي لم يصل إليها الغاز لحد الآن. وبموجب هذه المعطيات فإن المشروع لم يتقدم سوى في بعض التصاميم الأولية.

4 - تصدير الغاز إلى تركيا ثم أوروبا، وهذه الفكرة مطروحة منذ مدة طويلة إلا أن المشاكل بين تركيا وإسرائيل في أعقاب المواجهة مع السفينة التركية "مافي مرمرة" التي كانت متجهة إلى غزة في 2010 ومقتل تسعة أتراك قد دفع أي تعاون بين الجانبين إلى خانة المستحيل، ولكن هذه القضية قد سويت مؤخرا باعتذار إسرائيل ودفعها تعويضا لعوائل الضحايا فعادت تكهنات تصدير الغاز الإسرائيلي إلى تركيا وحلم الإسرائيليين في الوصول إلى السوق الأوروبية.

تسوية قضية "مافي مرمرة" فتحت الباب لتطبيع العلاقات مجددا بين إسرائيل وتركيا (أسوشيتد برس)

واقعيا، ترحب تركيا بكل من يرغب بتصدير الهيدروكربونات عبر أراضيها فهي تستفيد من رسوم العبور وتعزز أمن إمداداتها وربما تحصل على حسومات في حالة شرائها كميات من النفط أو الغاز، فلا غرابة إذن أن يتضمن التفاهم الأخير بين الجانبين موضوع بيع أو نقل الغاز إلى تركيا عبر خط بحري، وقد ذكرت صحيفة حرييت التركية أن وزير الطاقة والموارد الطبيعية الإسرائيلي يوفال شتاينتس قال إن ذلك قد يحدث في 2019، ولزيادة حلاوة تصريح الوزير المتفائل فقد أضاف أن تركيا يمكن أن تكون طريق عبور غاز شرق المتوسط إلى أوروبا، قاصدا غازا من دول أخرى، وأن المشروع قد يكلف ملياري دولار تمول من القطاع الخاص بمباركة تركيا وإسرائيل.

غير أن المشروع يصطدم بعدم وجود حل لمسألة تقسيم قبرص ورفض تركيا قيام الأخيرة بالتنقيب البحري وتحديد الحدود البحرية دون أي تنسيق مع شمال قبرص وأرسلت سفنا حربية إلى المنطقة. كما أن مسألة الخلاف بشأن الحدود البحرية مع لبنان قد تكون عائقا آخر لإعطاء تركيا موافقتها. أضف إلى ذلك عزوف المستثمرين العالميين عن الاستثمار في منطقة مليئة بالمشاكل في وقت تراجعت فيه أسعار الغاز عالميا بما يقرب من 50% وأن شركات النفط الكبرى لن تقترب من مثل هذه المشاريع بسبب تخوفها من ردة فعل المنتجين العرب للنفط والغاز.

بيع الغاز للسلطة الفلسطينية
وفي هذا السياق يجب أن نذكر محاولات إسرائيل لبيع الغاز إلى السلطة الفلسطينية وقطاع غزة بعد أن منعت بكل الوسائل تطوير حقول غزة المكتشفة من 1999، والمؤسف أن السلطة الفلسطينية فاوضت بمعزل عن غزة لشراء ما قيمته 1.2 مليار دولار من الغاز من حقل لفيتان على مدى عشرين سنة دون أن تضغط لتطوير حقول غزة، بل فاوضت شركة "بي جي" البريطانية -صاحبة الامتياز- من أجل حرمان سلطات غزة من العوائد في حالة تطوير الحقول.

بعد استعراض جميع الخيارات المتاحة لتصدير الغاز الإسرائيلي نرى أن بعضها قد أسقط تماما بفعل تغير الظروف، بينما البقية ما زالت تراوح في مكانها بانتظار توفر التمويل وانفراج أزمات المنطقة. وحتى الاتفاق مع الأردن فإنه لن يفعل قبل تطوير حقل لفيتان الذي يحتمل أن يكون في 2019 إذا جرى البدء فيه الآن. وعند ذلك سيكون الأردن مستوردا للغاز المسال من الجزائر والغاز الجاف من مصر ولكل حادث حديث.

-------------------------
خبير نفط عراقي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة