دروس فقاعة الأسهم الصينية   
الاثنين 17/10/1436 هـ - الموافق 3/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:04 (مكة المكرمة)، 17:04 (غرينتش)

مايكل سبنس

ارتفاع أسعار الأصول وفرط الاستدانة
أضرار الفقاعة القائمة على تضخم الاستدانة

استكمال مسار تصحيح سوق الأسهم

أصبحت المشاكل المصاحبة لنمط النمو الاقتصادي في الصين معلومة لدى الجميع في السنوات الأخيرة، وقد أدى الهبوط الحاد لسوق الأسهم الصينية مؤخراً إلى إعادة هذه المشاكل إلى بؤرة الاهتمام. ولكن المناقشات التي تتناول مظاهر اختلال التوازن ونقاط الضعف التي تعيب الاقتصاد الصيني تميل إلى إهمال التطور البنيوي لبعض العناصر الأكثر إيجابية، وخاصة سجل الحكومة في التدخل التصحيحي العاجل، وموازنة الدولة الضخمة التي يمكن نشرها إذا لزم الأمر.

ولكن في هذا الصدد، ينبغي لنا أن ننظر إلى فقاعة سوق الأسهم التي نشأت في النصف الأول من هذا العام باعتبارها استثناء. ذلك أن السلطات التنظيمية الصينية لم تكتف بتمكين لهذه الفقاعة من النمو عبر السماح للمستثمرين الأفراد -وكثيرون منهم من الوافدين الجدد على السوق- بالانخراط في التداول بالهامش (الشراء على المكشوف باستخدام أموال مقترضة)، بل إن الاستجابة السياسية لتصحيح السوق، والتي بدأت أواخر يونيو/حزيران الماضي كانت أيضاً مزعجة للغاية.

في ضوء التجارب السابقة مع مثل هذه الفقاعات، تصبح هذه الأخطاء السياسية محيرة. لقد كنت في العاصمة الصينية بكين خريف العام 2007 عندما ارتفع مؤشر شنغهاي المركب إلى عنان السماء محققاً ستة آلاف نقطة (لم يتجاوز في ذروته الأخيرة خمسمئة ألف نقطة إلا قليلا)، والذي كان راجعاً جزئياً إلى مشاركة مستثمرين أفراد عديمي الخبرة نسبيا.

تصورت في ذلك الوقت أن الهم السياسي الأكبر لابد أن يكون الفائض المتزايد في الحساب الجاري والذي تجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي من شأنه أن يخلق توترات مع شركاء الصين التجاريين. ولكن قادة الصين كانوا أكثر اهتماماً بالعواقب الاجتماعية التي قد تترتب على تصحيح سوق الأسهم الذي وقع بعد ذلك بفترة وجيزة. ورغم عدم نشوء اضطرابات اجتماعية فإن فترة مطولة من أسعار الأسهم المتهاوية كانت حتمية، حتى بالرغم من استمرار الاقتصاد في النمو بسرعة.

في العام 2008 كانت التركيبة التي جمعت بين أسعار الأصول الملتهبة وفرط الاستدانة لدى الأسر هي التي غذت الأزمة المالية العالمية، وعندما تنفجر مثل هذه الفقاعات التي تتغذى على الدين تنتقل تأثيراتها بشكل مباشر إلى الاقتصاد الحقيقي

ارتفاع أسعار الأصول وفرط الاستدانة
في العام 2008، كانت التركيبة التي جمعت بين أسعار الأصول الملتهبة وفرط الاستدانة لدى الأسر هي التي غذت الأزمة المالية العالمية. وعندما تنفجر مثل هذه الفقاعات التي تتغذى على الدين تنتقل تأثيراتها بشكل مباشر إلى الاقتصاد الحقيقي عن طريق ميزانيات الأسر، مع إسهام انخفاض الاستهلاك في تراجع فرص العمل والاستثمار الخاص.

ومن الصعب جدا إيجاد قواطع لدائرة هذه الديناميكية مقارنة بتلك التي ترجع إلى ضائقة الموازنات العامة في القطاع المالي على سبيل المثال.

ومع ذلك، يبدو أن السلطات الصينية لم تستوعب الدرس المستخلص من أيٍ من الأزمتين. فهي لم تفشل فقط في تخفيف المخاطر التي جلبها المستثمرون الأفراد الجدد إلى السوق، والتي ظهرت في الانهيار الذي وقع عام 2007، بل إنها تسببت في تفاقم هذه المخاطر بالسماح لهؤلاء المستثمرين بتكديس الديون، بل وحتى تشجيعهم على ذلك عن طريق الشراء بالهامش.

وما زاد الطين بلة أن السلطات التنظيمية الصينية قررت عندما بدأ تصحيح سوق الأسهم أوائل يونيو/حزيران الماضي تخفيف القيود المفروضة على عمليات الشراء بالهامش، في حين شجعت الشركات المملوكة للدولة ومديري الأصول على شراء المزيد من الأسهم. ويبدو أن السلطات كانت أكثر انشغالا بدعم السوق من السماح بتصحيح الأسعار المنضبط.

من المؤكد أن فقاعة سوق الأسهم الصينية لم تنشأ إلا قبل فترة قصيرة، ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي اعتبر العديد من المحللين أن الأسهم مقيمة بأقل من قيمتها الحقيقية عندما كان مؤشر شنغهاي المركب عند مستوى 2500 نقطة، ونظراً للنمو القوي نسبيا فإن ارتفاع الأسعار بدا مبرراً حتى شهر مارس/آذار الماضي تقريبا عندما ارتفعت السوق مدعومة في الأغلب بأسهم قليلة التداول وأسهم صغيرة إلى متوسطة، وفاق المؤشر خمسة آلاف نقطة معرضة بذلك الاقتصاد للخطر.

والواقع أن كثيرين زعموا أن الارتفاع المسجل منتصف أبريل/نيسان الماضي غير قابل للاستمرار، وذلك لأن سوق الأسهم كانت تتداول على نسبة مقدمة من الأسعار إلى الأرباح بلغت نحو 15، وهو ما يتفق مع المتوسط المسجل في عشر سنوات.

أضرار الفقاعة القائمة على تضخم الاستدانة
ولكنها كانت فقاعة قائمة على الاستدانة المفرطة، ففي حين قد يكون نشوء الفقاعات الدورية أمراً حتميا -ولا تخلو أي فقاعة من عواقب- فإن الفقاعات القائمة على فرط الاقتراض تتسبب بأضرار أكبر بكثير نتيجة تأثيرها على الاقتصاد الحقيقي، والمدة التي تستغرقها عملية تقليص المديونية.

وينعكس هذا الأمر في استمرار التعافي البطيء اليوم في الاقتصادات المتقدمة. وحتى في الولايات المتحدة، التي كان أداؤها أفضل من أغلب البلدان منذ الأزمة، كان نمو الناتج المحلي الإجمالي منذ بداية عام 2008 أقل من 10%، وفي الفترة نفسها سجل الاقتصاد الصيني نمواً بلغ 66%.

من غير المرجح أن يتسبب ركود سوق الأسهم الحالي في عرقلة الاقتصاد الصيني لأن قطاع الأسر يحتفظ بحصة صغيرة نسبياً من الأسهم مقارنة بالقطاع العقاري. مع ذلك فإنه من المحتمل أن تؤدي خسارة مدخرات إلى إشعال شرارة اضطرابات اجتماعية

ومن غير المرجح -بطبيعة الحال- أن يتسبب ركود سوق الأسهم الحالي في عرقلة الاقتصاد الصيني لأن قطاع الأسر يحتفظ بحصة صغيرة نسبياً من الأسهم مقارنة بالقطاع العقاري. مع ذلك، وكما حدث عام 2007، فإن من المحتمل أن تؤدي خسارة مدخرات إلى إشعال شرارة اضطرابات اجتماعية لا يمكن استبعادها، وخاصة في وقت تمكن فيه أدوات مثل وسائل التواصل الاجتماعي المواطنين من تبادل المعلومات بسهولة، وبث التظلمات، والتعبئة للاحتجاجات.

وكما أظهرت أزمات سابقة، وأيضا الهبوط الحالي للأسهم الصينية، فإنه لابد من اتخاذ خطوات للحد من مخاطر السوق. وتحتاج بكين على وجه التحديد إلى قواعد تنظيمية تحوطية تعمل على تقليص إمكانية اللجوء للاستدانة من أجل شراء الأصول. وهنا تتمتع الصين بالفعل بميزة تتمثل في المستويات المرتفعة من أسهم رأس المال وانخفاض نسب الرهن العقاري مقارنة بقيمة المشتريات العقارية التي تقوم بها الأسر.

استكمال مسار تصحيح سوق الأسهم
وعلاوة على ذلك، يتعين على السلطات عندما يبدأ تصحيح السوق أن تسمح له باستكمال مساره تماما، بدلاً من دعم الأسعار باللجوء إلى المزيد من الاستدانة، وهو النهج الذي لن يفضي إلا إلى إطالة أمد التصحيح. وإذا سمحت السلطات التنظيمية الصينية للسوق بتصحيح نفسه فسيتدخل نهاية المطاف المستثمرون المؤسساتيون المخضرمون الذين يركزون على تحقيق الربح على الأجل الطويل، وهو ما سيعزز استقرار السوق. وفي الوقت نفسه قد يكون استخدام الميزانيات العامة لشراء القدر الكافي من الأسهم -لمنع السوق من التصحيح المبالغ فيه- أمرا مبررا.

ومع توسع أسواق الصين (تعادل الأموال المخصصة لرسملة بورصتي شنغهاي وشنتشن 11 تريليون دولار) فإنها تتجاوز بوتيرة متزايدة قدرة صانعي السياسات على إدارة الأسعار والتقييمات. ويتلخص السبيل العملي الوحيد في تركيز السلطات الصينية على التطوير التنظيمي والمؤسسي، مع مواصلة التزامها بالسماح للأسواق بالاضطلاع بدور حاسم في إدارة الموارد.
ـــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد بكلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، كبير زملاء مؤسسة هووفر

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة