أوبك.. هل سوق النفط مطمئنة على المدى البعيد؟   
الاثنين 23/12/1431 هـ - الموافق 29/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:36 (مكة المكرمة)، 15:36 (غرينتش)

 


 سعد الله الفتحي

 

غياب التغيير في سياسات الطاقة

زيادة إمدادات أوبك على المدى المتوسط

توقعات الإمدادات المستقبلية

 

لعل الآثار المترتبة على الأزمة المالية باتت وراء ظهورنا كما يعتقد، فهل يمكن النظر إلى سوق النفط على نحو أكثر إيجابية على المدى البعيد؟

 

منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تحاول الإجابة على هذا السؤال، إذ نشرت حديثا دراستها "توقعات النفط في العالم 2010" التي تعتمد داخليا منذ فترة طويلة، ولكنها تنشر للمرة الثانية فقط.

 

لقد أدى تدخل الحكومات بعد أزمة 2008 إلى الاستقرار النسبي في الاقتصاد العالمي، حيث استعادت أسعار النفط عافيتها إلى معدل 75 دولارا للبرميل حتى الآن في العام 2010 بعدما قاربت 33 دولارا في ديسمبر/كانون الأول 2008. كما استأنف الطلب على النفط النموَّ بعد انخفاض في عامي 2008 و2009.

 

كما أن استئناف الاستثمار في مشاريع تطوير الحقول سيؤدي إلى زيادة في الطاقة الإنتاجية الفائضة البالغة نحو 6 ملايين برميل يوميا في الوقت الحالي.

 

وإزاء ذلك، لم تعد أوبك ترى آفاق الاقتصاد العالمي "قاتمة" كما قالت في السنة الماضية، بل إن "الشفاء من الركود العالمي كان أسرع مما يعتقد سابقا، ولو أنه لا يزال هشا" حيث إن نمو الاقتصاد العالمي في 2010 بنسبة 3.9% من المرجح أن يستمر بمعدل أقل قليلا حتى عام 2014، في حين أن النمو على المدى الطويل يتوقع أن يكون نشطا بسبب السياسات المعتمدة واعتمادا على النمو السكاني وتحقيق مكاسب في الإنتاجية.

 

ومن المرجح أن يكون معدل النمو حتى العام 2030 بحدود 3.5% سنويا مقارنة مع 3% في توقعات العام الماضي، في حين تفترض أوبك أن أسعار النفط ستعتمد على تكاليف التطوير والإنتاج من الحقول الجديدة وتكلفة إنتاج النفوط غير التقليدية من رمال القطران الكندية مثلا أو النفوط المنتجة من تحويل الغاز أو الفحم إلى سوائل.

 

كما تتوقع أوبك أن مسار السعر سيتأثر أيضا بواقع النمو الاقتصادي، لذا فهي أكثر تفاؤلا من العام الماضي حيث يمكن للأسعار أن تتراوح بين 75 و85 دولارا (بدولار 2009) لغاية العام 2020، ثم ترتفع بحدة إلى 106 دولارات بحلول العام 2030.

 

غياب التغيير في سياسات الطاقة

تفترض أوبك عدم وجود تغييرات جوهرية في سياسات الطاقة، خاصة في الولايات المتحدة (قانون استقلال وأمن الطاقة) والاتحاد الأوروبي (التشريعات المتعلقة بالتغير المناخي وكفاءة الطاقة)، حيث أخذت تأثيرات تلك السياسات بنظر الاعتبار وأثرها في الطلب.

 

وترى أوبك أن توقعات الزيادة في إنتاج واستهلاك الوقود الحيوي "مفرطة في التفاؤل"، إلا أن مجمل السياسات قد تؤدي إلى خفض الطلب على نفط أوبك بمقدار 4 ملايين برميل يوميا بحلول العام 2020، وهو تأثير كبير لا يمكن إهماله.

 

وبأخذ هذه الافتراضات في الحسبان، ترى أوبك في الحالة المرجعية أن الطلب على الطاقة سينمو من 227 مليون برميل مكافئ نفط يوميا عام 2008 إلى 323 مليونا في 2030، أي بنسبة نمو 1.6% سنويا.

 

وسيشمل النمو جميع مصادر الطاقة، ولكن الطاقة من الكتلة الحيوية وغيرها من المصادر المتجددة يتوقع أن تنمو بوتيرة أسرع تصل إلى 3.3% سنويا أو من 9.9 ملايين برميل مكافئ نفط يوميا عام 2008 إلى 24.3 مليونا عام 2030.

 

وسيبقى الوقود الأحفوري (نفط وغاز وفحم) يفي بما يقرب من 80% من الطلب رغم النمو في الطاقة النووية والمتجددة، في حين ينمو استهلاك النفط بمعدل 0.9% سنويا مع انخفاض حصته إلى ما يزيد قليلا عن 30%.

 

إن الطلب على النفط لغاية العام 2014 هو الآن أفضل بكثير مما كان متوقعا في وقت سابق من العام الماضي. ومن المرجح أن يكون قريبا من 90 مليون برميل أو بزيادة أكثر من 5 ملايين على الطلب في 2009.

 

ومع ذلك فإن توقعات أوبك حتى 2030 مقاربة لتلك التي وردت في دراستها العام الماضي، حيث من المرجح أن يبلغ الطلب 105.5 ملايين برميل، أي أقل بكثير من التوقعات في السنوات القليلة التي سبقت الأزمة المالية والاقتصادية والتي كانت تتوقع الطلب بحدود 120 مليونا.

 

وقد يقول البعض إن هذا تحفظ كبير من جانب أوبك، ولكن دراسة حديثة لوكالة معلومات الطاقة الأميركية ترى الطلب بحدود 106.6 ملايين، أي أنه متقارب مع توقعات أوبك. وربما كان تأثير النمو الاقتصادي الأعلى في دراسة هذه السنة قد تمت معادلته بعض الشيء بواقع الافتراض بأن الأسعار ستكون أعلى أيضا.

 

وترى أوبك أن 75% من النمو سيكون في البلدان النامية في آسيا، بينما من المرجح أن ينخفض الطلب في الدول الصناعية في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بمقدار 2.4 مليون برميل، ولكن سيتم تعويض ذلك من خلال النمو المتوقع بمقدار 22.5 مليونا في البلدان النامية، وأقل من مليون في الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية (روسيا وأوروبا الشرقية).

 

وسيسهم قطاع النقل في معظم النمو في الطلب على النفط، ولكن الطلب على البتروكيماويات والقطاعات الأخرى ستساهم أيضا، ولو أن من المتوقع أن يكون انخفاض الطلب في الدول الصناعية شاملا لجميع القطاعات.

 

وعلى جانب العرض، فإن استئناف العديد من المشروعات الملغاة أو المجمدة بسبب الأزمة ستؤدي إلى زيادة العرض، وبالتالي فإن إمدادات النفط من خارج أوبك قد تنمو بحدود 6 ملايين حتى العام 2030، ولو أن النفط التقليدي سينخفض إنتاجه، ولكن سيكون التعويض والزيادة من النفوط غير التقليدية العالية الكلفة.

 

زيادة إمدادات أوبك على المدى المتوسط

ومع انخفاض إمدادات أوبك من النفط الخام في السنوات القليلة الماضية إذ أصبحت بحدود 29 مليون برميل، فإن من المرجح أن تزداد قليلا على المدى المتوسط حتى العام 2014 قبل أن تستأنف النمو إلى 38.7 مليونا في 2030، أي أقل بمقدار مليوني برميل عن توقعات العام الماضي نظرا لتحسن التوقعات من خارج أوبك وزيادة 5.2 ملايين برميل يوميا من سوائل الغاز الطبيعي المنتجة في أوبك والتي لا تدخل في سقف الإنتاج أو في حصص الدول الأعضاء.

 

وإذا اعتبرنا هذه الحالة المرجعية واقعية وتقترب من توقعات أخرى، فإن السوق النفطية عوّدتنا على إمكانية تغير التوقعات سلبا أو إيجابا.

 

وفي جميع الأحوال وعلى عادة المتنبئين، فإن أوبك تصر على أن الحالة المرجعية ليست بالضرورة النتيجة المرجوة، ولكن مجرد حالة مبنية على العديد من الافتراضات التي قد تتغير.

 

وبينما يُرجح أن تكون أوبك مطالبة بشكل متزايد بالوفاء بنمو الطلب على النفط، تواجه سوق النفط تحديات كثيرة قد يكون أهمها ما يتعلق بحالة الاقتصاد العالمي، مع "اختلاف واضح في قوة التعافي" بين البلدان أو المجموعات الاقتصادية، وسط اعتقادات بإمكانية حدوث انتكاسة جديدة.

 

فبعض البلدان أخرجت نفسها من حزم التحفيز خوفا من التضخم، بينما تسعى بلدان أخرى إلى تخفيف القيود النقدية (طبع المزيد من العملة) للحفاظ على الانتعاش الذي تحقق مع تصاعد المخاوف بشأن القدرة على تحمل الديون في البلدان الصناعية.

 

ولذلك فإن "أزمة الديون السيادية في جنوب أوروبا أثارت الشكوك حول آفاق الانتعاش" كما تقول أوبك.

 

إن ضعف الاستهلاك المحلي وارتفاع معدل البطالة لا يزالان مصدرا للقلق، وإن الإصلاحات في الجهاز المصرفي بطيئة في أحسن الأحوال.

 

ورغم أن البنوك أكثر حذرا فإنه لا يزال هناك مجال أمام المغامرين للمشاركة في بعض الممارسات التجارية وزعزعة الاستقرار، فسوق النفط ما زالت تعاني من المضاربة باعتبار النفط من الأصول المالية التي تميل إلى زيادة التقلبات، وهناك حاجة إلى معالجة لهذه المسألة يتفق عليها الجميع، ولكن التشريعات محدودة وبطيئة.

 

في الوقت نفسه فإن تكاليف المشاريع في الإنتاج والتكرير ترتفع مرة أخرى، وهناك نقص حقيقي في اليد العاملة الماهرة رغم التقدم التقني، ويمكن لهذه التكاليف "تلعب دورا حاسما في إمدادات النفط للعالم بأسره".

 

منتجو النفط يخشون الشطط في السياسات البيئية التي ستؤثر عليهم، فالبلدان الصناعية رغم أنها المسؤولة تاريخيا عن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو، من غير المرجح أن توافق على تحمل عبء هذه المسؤولية، وبالتالي فإن سياساتها قد تقلل الطلب على النفط بشكل غير متناسب مع بقية المصادر الأحفورية.

 

ولما تقدم أعلاه، ترى أوبك النظر في سيناريوهين إضافيين من حيث النمو الاقتصادي: أحدهما "أعلى" والآخر "أقل" بنسبة 0.5% زائدا أو ناقصا عن المعدل في الحالة المرجعية البالغة 3.5%.

 

في حالة النمو الاقتصادي الأعلى تتوقع أوبك ارتفاع الطلب على النفط عام 2030 بمقدار 7.6 ملايين برميل أو إلى 113 مليونا، بينما في حالة النمو الأدنى فيُرجح أن ينخفض الطلب بمقدار 12.6 مليونا أو إلى 93 مليونا عام 2030.

 

لكن هذه النتائج قد لا تؤثر على قدم المساواة في جميع المنتجين، فبينما يُرجح أن تستفيد أوبك من زيادة 5.5 ملايين برميل في إنتاجها في الحالة ألأعلى ليصل إنتاجها إلى 44 مليونا، مقارنة مع 38.5 مليونا في الحالة المرجعية، لن يكون إنتاج المنظمة في الحالة الأدنى أكثر من 28 مليونا عام 2030، أي أقل مما هو عليه الآن.

 

وهذا هو السبب في أن كثيرا من أعضاء أوبك يدعون إلى سياسة معقولة في التسعير لمساعدة الاقتصاد العالمي، دون إغفال الحاجة إلى أسعار  تسمح بالأستثمار وتغطية النفقات للحفاظ على هذه الصناعة مستقبلا.

 

ولكن الأمانة العامة في أوبك لا تناقش أبدا الخطر من الداخل سواء في تقريرها الحالي أو في أي وثيقة أخرى.

 

فهناك أنباء وتصريحات عن زيادة الإنتاج في أغلب الدول الأعضاء بشكل لا يتناسب مع الزيادة في الطلب، مما سيرفع الطاقة الإنتاجية الفائضة وما يصاحب ذلك من ضغط على الأسعار. والأهم من ذلك، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة المنافسة بين الأعضاء وجعل الاتفاقات أكثر صعوبة.

 

وتحتاج المنظمة لتكون أكثر نشاطا في التعامل مع التوسعات المستقبلية، أن تعيد إلى الحياة أهدافها قبل خمسين عاما في مجال برمجة الإنتاج.

 

فهناك على سبيل المثال لا الحصر دولة تخطط لزيادة إنتاجها بمقدار 9-10 ملايين برميل في السنوات السبع القادمة، مع معرفتها المؤكدة أنه لا يوجد مثل هذا التوسع في الطلب العالمي على النفط، ناهيك عن الطلب على نفط أوبك. وبينما تحترم أوبك دائما سيادة أعضائها، ليس هناك ضرر من مناقشة برامج التوسع لجميع الأعضاء لمنح كل منهم فرصة الاستفادة في اتخاذ القرارات الاستثمارية الملائمة في الوقت المناسب.

 

وختاما أرى أن أوبك قد تضطر إلى العيش مع مخاطر الاقتصاد العالمي، ولكن مخاطر جانب العرض ليست من المنتجين خارج أوبك فحسب، بل من الداخل أيضا. إنه لأمر جيد أن لا ننتظر حتى "يقع الفأس في الرأس"، ولكن العمل لتجنب الفأس وضرب الرأس.

 

توقعات الإمدادات المستقبلية

- أدى تدخل الحكومات بعد أزمة 2008 إلى الاستقرار النسبي في الاقتصاد العالمي، حيث استعادت أسعار النفط عافيتها إلى معدل 75 دولارا للبرميل حتى الآن في 2010 بعدما قاربت 33 دولارا أواخر أكتوبر/كانون الأول 2008. 

 

- يتوقع أن يكون النمو الاقتصادي نشطا بسبب السياسات التي اعتمدت والنمو السكاني وارتفاع الإنتاجية. ومن المرجح أن يكون معدل النمو لغاية 2030 بحدود 3.5% سنويا.

 

- أسعار النفط ستعتمد على تكاليف التطوير والإنتاج من الحقول الجديدة والنفوط غير التقليدية.

 

- إن الطلب على النفط لغاية 2014 أفضل مما كان متوقعا، وتوقعات أوبك حتى 2030 مقاربة لتلك التي وردت في العام الماضي، حيث من المرجح أن يبلغ الطلب 105.5 ملايين برميل.

 

- إمدادات النفط من خارج أوبك قد تنمو بحدود 6 ملايين حتى 2030، ويزداد إنتاج أوبك قليلا في المدى المتوسط قبل أن يستأنف النمو إلى 38.5 مليونا في 2030.

 

- منتجو النفط يخشون الشطط في السياسات البيئية التي تؤثر عليهم.

 

- زيادة الإنتاج في أغلب الدول الأعضاء بشكل لا يتناسب مع الزيادة في الطلب، مما سيرفع الطاقة الإنتاجية الفائضة وما يصاحب ذلك من ضغط على الأسعار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة