الاتفاق على التنظيم المالي عبر الأطلسي   
الجمعة 1435/3/30 هـ - الموافق 31/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 0:31 (مكة المكرمة)، 21:31 (غرينتش)



كريس برومر


مشكلة اختلاف الثقافات التنظيمية
الافتقار لأدوات إدارة الدبلوماسية
الحوار بين الأسواق المالية

مع بداية العام 2014 تبدو دلائل العلاقات التنظيمية المتنافرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جلية في كل مكان، فقد كانت التشريعات الصارمة الجديدة بشأن البنوك الأجنبية التي أقرها مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي سببا في دفع المفوضية الأوروبية إلى التهديد بالانتقام.

كما انهارت الجهود الرامية إلى إحراز تقدم نحو التوفيق بين القواعد التي تحكم عمل المشتقات المالية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي كانت من بين الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الأزمة المالية. كما توشك خطط الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لحماية الودائع المصرفية أن تتباعد فيما بينها شكلا ومضمونا، وتتباعد أيضا عن قاعدة فولكر التي كشف عنها أخيرا في الولايات المتحدة.

ولكن الدرس الذي يستخلصه أغلب المراقبين من هذه النزاعات المتزايدة الحِدة لم يكتمل بعد، رغم أنه حتى في التنظيم المالي تكون الغلبة لسياسات القوة على الصالح العام، ففي نهاية المطاف لا تعد الفوارق التنظيمية مجرد نتاج لمصالح وطنية متشعبة، ذلك أن مدى فعالية الممارسات الدبلوماسية وتنسيقها قد يضطلع بدور مهم أيضا.

فعلى سبيل المثال أبرزت دراسة حديثة فشل زعماء مجموعة العشرين في تحديد خريطة طريق متماسكة وقابلة للتحقق في تنفيذ أجندة الإصلاح المالي التي أعلن عنها بعد أزمة 2008. فعلى مدى العقد الماضي بالكامل تقريبا كان رؤساء الدول يدعون الهيئات التنظيمية للتصدي لقضايا كبرى مثل معايير رأس المال جنبا إلى جنب مع أمور أخرى مثل المشتقات المالية غير المدرجة، وإصلاح نظام تصنيف القروض. ولكن في هذه الفترة تصرف المسؤولون على هواهم وسمحوا بأن يتم علاج المشاكل وفقاً لدورات اقتصادية وسياسية مختلفة.
دراسة حديثة أظهرت فشل زعماء مجموعة العشرين في تحديد خريطة طريق متماسكة وقابلة للتحقق في تنفيذ أجندة الإصلاح المالي التي أعلن عنها بعد أزمة 2008

مشكلة اختلاف الثقافات التنظيمية
ويؤدي هذا التفاوت الجذري بين ثقافة صنع القواعد التنظيمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تفاقم المشكلة. فخلافا للولايات المتحدة حيث تقود وكالات مستقلة عملية صنع القواعد التنظيمية وفقا لإملاءات الكونغرس فإن الهيئات التشريعية الموجودة بروكسل وستراسبورغ سواء المفوضية الأوروبية أو المجلس الأوروبي أو البرلمان الأوروبي تحدد الأجندات التنظيمية وتدون القواعد.

ورغم أن هيئات الاتحاد الأوروبي مثل البنك المركزي الأوروبي تحصل على نصيب متزايد من المسؤولية لا تزال الاختلافات في إجراءات صنع القرار تؤثر على حجم وطبيعة التنسيق عبر ضفتي الأطلسي.

وما يزيد الطين بلة أن إصلاحات السوق والإصلاحات النقدية كانت تأتي مدمجة في بعض الأحيان، بعد أن أصبحت عملية صنع القواعد التنظيمية تعتمد جزئيا على قرارات تتخذها هيئات ومؤسسات مختلفة، فمثلا تتطلب الالتزام بمعايير رأس المال المعدل وفقا لبازل 3 ما هو أكثر من القواعد، فهي تتطلب إعادة هيكلة رؤوس أموال البنوك.

وهي عملية ستستغرق وقتا أطول في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، ويرجع هذا جزئيا إلى أن منطقة اليورو كانت مضطرة للتفاوض على آليات تمويل البنوك والحكومات التي تعاني من ضائقة مالية. والآن تثير هذه التأخيرات الشكوك في الولايات المتحدة حول مدى التزام الاتحاد الأوروبي بهذا الإصلاح.

الافتقار لأدوات إدارة الدبلوماسية
وتعكس كل هذه المشاكل حقيقة بسيطة، مفادها أن صناع السياسات يفتقرون إلى الأدوات المناسبة لإدارة الدبلوماسية التنظيمية في عالم تخضع أسواقه لإصلاحات ديناميكية. والواقع أن السبل التقليدية لتحقيق هذه الغاية (الاعتراف المتبادل والامتثال المستبدل) نشأت في بيئة تتميز بتحفيز البلدان بعضها بعضا على رفع المعايير من خلال منح الأجانب المزيد من القدرة على الوصول إلى الأسواق المحلية بمجرد أن تتطابق التنظيمات في بلدانهم الأصلية مع التنظيمات المحلية.

ومن الواضح أن أيا من هذه الآليات ليس بمقدورها استشراف موقف يدفع كل البلدان في الوقت نفسه إلى السعي نحو ترقية أنظمتها المالية عبر مجموعة متنوعة من القطاعات.

هناك حقيقة بسيطة مفادها أن صناع السياسات في أميركا وأوروبا يفتقرون إلى الأدوات المناسبة لإدارة الدبلوماسية التنظيمية في عالم تخضع أسواقه لإصلاحات ديناميكية

ومن ناحية أخرى، فإن المنتدى التقليدي الذي يستضيف المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة غالبا يكون بطيئا ويمكن التحايل والالتفاف عليه، وهو منتدى الحوار التنظيمي للأسواق المالية والذي يجمع بين القائمين على التنظيم على فترات غير منتظمة للتفاوض حول قوائم من القواعد التنظيمية المتباينة.

والنبأ السار هنا هو أن صناع السياسات الأوروبيين والأميركيين لديهم خيارات لإزالة الحواجز البنيوية. وينبغي لهم أن يشرعوا بتطوير "مجموعة أدوات" جديدة لمساعدة البلدان، ليس لتلبية معايير قائمة فحسب، بل وأيضا على العمل معا من أجل تحسين المعايير في بيئة تتسم بأسواق سريعة التغير.

وسواء نفذت برامج الاعتراف المتبادل والامتثال المستبدل كجزء من محادثات شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي أو على أساس غير رسمي فلا بد أن تصبح أكثر قوة، كما ينبغي لها أن توفر آليات إجرائية لتنسيق عمليات صنع القواعد التنظيمية والإدارية بشكل فوري. وينبغي لآليات التنسيق فضلا عن ذلك أن تكون -قدر الإمكان- سلسلة إجراءات قائمة على أهداف محددة تقاس بالنظر إلى الالتزامات الدولية وأفضل الممارسات.

الحوار بين الأسواق المالية
أخيرا، وفي ضوء التفاعل بين الرقابة المالية والعلاقات النقدية فلا بد من إحياء الحوار التنظيمي للأسواق المالية إلى جانب اجتماعات مسؤولي المالية ومحافظي البنوك المركزية في بلدان مجموعة العشرين.

وبدلا من الاعتماد على مجلس الاستقرار المالي متعددة المناطق لجسر هوة الخلافات وتحديد إيقاع التشريعات لا بد من تشجيع الهيئات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تقديم حلول وإصلاحات مشتركة للاستجابة للمتطلبات الدولية الأوسع نطاقا.

بطبيعة الحال، من شأن إصلاح البنية التنظيمية عبر ضفتي الأطلسي أن يقدم الكثير للدبلوماسية المالية، وسوف تظل المصالح الوطنية مهمة دوما. ولكن في عالم يشهد تدفقات رؤوس أموال تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، وفي ظل المخاطر المتزايدة في ظل نظام مالي عالمي سليم فإنه حتى أكثر التحسينات تواضعا قادرة على إحداث فارق كبير، ولا شك أن تحسين آليات صنع القواعد التنظيمية نقطة انطلاق جيدة.
ـــــــــــــ
أستاذ القانون في مركز القانون بجامعة جورج تاون، ومدير مشروع المبادرة المالية عبر الأطلسية التابعة للمجلس الأطلسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة