التهديد الرأسمالي للرأسمالية   
الأربعاء 1435/7/30 هـ - الموافق 28/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:48 (مكة المكرمة)، 9:48 (غرينتش)

 

 بول بولمان، ولين فورستر دي روتشيلد

الرأسمالية والاختلال الوظيفي
تعاظم الآثار الجانبية السلبية للرأسمالية
الشركات والعمل التعاوني

الرأسمالية والاختلال الوظيفي
ذات يوم قال ونستون تشرشل إن الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم باستثناء كل الأشكال الأخرى التي تم تجريبها، ولو كان على قيد الحياة اليوم لعله كان يرى الرأي نفسه في الرأسمالية بوصفها وسيلة لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

الواقع أن الرأسمالية قادت الاقتصاد العالمي إلى ازدهار لم يسبق له مثيل، بيد أنها أثبتت أيضا أنها تعاني من اختلال وظيفي على أكثر من نحو بارز، فهي تشجع قِصَر النظر غالبا، وتساهم في اتساع فجوة التفاوت بين الأغنياء والفقراء، وتتسامح في التعامل الطائش المتهور مع رأس المال البيئي.

وإذا لم نتمكن من السيطرة على هذه العلل فقد يختفي أي دعم للرأسمالية ومعه أفضل أمل للبشرية في النمو الاقتصادي والرخاء، ومن هنا فقد حان الوقت للنظر في نماذج جديدة للرأسمالية تنشأ الآن في مختلف أنحاء العالم، وعلى وجه التحديد الرأسمالية الواعية، والرأسمالية الأخلاقية، والرأسمالية الشاملة.

رغم نمو الأسواق الناشئة في الآونة الأخيرة فإن الاقتصاد العالمي يُعَد مكانا لتناقضات مذهلة، ذلك أن أفقر 1.2 مليار نسمة من سكان الكوكب يمثلون نحو 1% فقط من الاستهلاك العالمي، في حين يمثل أكثر مليار نسمة من سكان الأرض ثراءً نحو 72% من الاستهلاك العالمي

وتدرك مثل هذه الجهود الرامية إلى إعادة تعريف الرأسمالية أن الشركات والمشاريع لابدَّ أن تنظر إلى ما هو أبعد من الربح والخسارة للحفاظ على الدعم العام لاقتصاد السوق، وكلها تشترك في افتراض مفاده أن الشركات لابدَّ أن تضع في اعتبارها الدور الذي تلعبه في المجتمع، وأن تعمل على ضمان تقاسم فوائد النمو على نطاق واسع وعدم فرض تكاليف بيئية واجتماعية غير مقبولة.

وكما هو عليه الحال الآن، فعلى الرغم من نمو الأسواق الناشئة في الآونة الأخيرة فإن الاقتصاد العالمي يعد مكانا لتناقضات مذهلة، ذلك أن أفقر 1.2 مليار نسمة من سكان الكوكب يمثلون نحو 1% فقط من الاستهلاك العالمي، في حين يمثل أكثر مليار نسمة من سكان الأرض ثراءً نحو 72% من الاستهلاك العالمي.

ووفقا لدراسة حديثة، فإن أغنى 85 شخصا في العالم يضعون أيديهم على القدر نفسه من الثروة التي يملكها أفقر 3.5 مليارات شخص، ويبيت واحد من كل ثمانية أشخاص جائعا كل ليلة، في حين يعاني 1.4 مليار شخص من زيادة الوزن.

والحق أن أي نظام يولد مثل هذه التجاوزات ويستبعد كل هذا العدد من الناس يواجه خطر الرفض الشعبي العام.

تعاظم الآثار الجانبية السلبية للرأسمالية
ومن المزعج للغاية أن الآثار الجانبية السلبية للرأسمالية تتعاظم، في حين انخفض مستوى الثقة في المؤسسات العامة إلى أدنى مستوياته تاريخيا، ووفقا لأحدث بيانات مقياس إديلمان للثقة، فإن أقل من نصف سكان العالم يثقون في حكوماتهم.

ولا شك في أن أداء الشركات أفضل، لكن ليس أفضل بكثير، فالفضائح -من المؤامرات في التلاعب بمعدلات الفائدة إلى اكتشاف لحوم خيول في الإمدادات الغذائية- تعمل على تقويض ثقة الناس في الشركات.

وفي ظل هذه الحالة من خيبة الأمل في الدولة والسوق يتساءل الناس على نحو متزايد ما إذا كانت الرأسمالية كما نمارسها تستحق العناء.

ونحن نرى هذا في حركات مثل "يوم الأرض" و"احتلوا وول ستريت"، وفي العديد من أجزاء العالم -من بلدان الربيع العربي إلى البرازيل وتركيا وفنزويلا وأوكرانيا- تنزل الجماهير المحبطة إلى الشارع للإعراب عن احتجاجها.

إن معالجة إخفاقات الرأسمالية الحديثة سوف تتطلب زعامة قوية وتعاونا واسع النطاق بين الشركات والحكومات والمنظمات غير الحكومية.

ولكي نبدأ في شق طريق إلى الأمام، اجتمع كبار زعماء العالم بلندن في الـ27 من مايو/أيار الجاري في إطار مؤتمر الرأسمالية الشاملة، وكان بين الحضور كبار المسؤولين التنفيذيين من مؤسسات تمثل أكثر من ثلاثين تريليون دولار من الأصول القابلة للاستثمار، أو ثلث الإجمالي العالمي.

وسوف يتلخص هدفهم في التأسيس لخطوات ملموسة بوسع الشركات أن تتخذها لكي تبدأ في تغيير الطريقة التي تزاول بها أعمالها، وإعادة بناء ثقة عامة الناس في الرأسمالية.
لا يستطيع أي منا أن يصيب الازدهار والرخاء في عالم  يذهب فيه مليار إنسان إلى فراشهم جوعى كل ليلة، ويفتقر 2.3 مليار شخص إلى خدمات الصحة العامة الأساسية، ولن تزدهر الشركات في بيئة حيث التفاؤل العام بالمستقبل والثقة في المؤسسات عند أدنى مستوياتهما على الإطلاق

ومن الممكن أن يؤتي مثل هذا الجهد ثماره، كما تُظهِر تصرفات شركة يونيليفر ذاتها، فمنذ التخلي عن التوجيهات وإعداد التقارير ربع السنوية عن الأرباح عملت الشركة جاهدة لمنح الأولوية للتفكير في الأمد البعيد.

الشركات والعمل التعاوني
لكنْ هناك حدود لما قد تتمكن أي شركة بمفردها من إنجازه، ولن يأتي التغيير التحولي إلا من خلال العمل التعاوني بين الشركات وغيرها من الأطراف.

ومرة أخرى، نحن نتمسك بأهداب الأمل، لأن الزخم يتراكم، وتتشكل التحالفات لمعالجة قضايا تتراوح بين إزالة الغابات بشكل غير قانوني إلى الأمن الغذائي.

وتعمل هيئات مثل مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة والمنتدى العالمي للسلع الاستهلاكية على توحيد اللاعبين في صناعات رئيسية وفرض الضغوط على الحكومات لحملها على توحيد قواها في البحث عن الرأسمالية المستدامة.

ومع ارتفاع تكاليف التقاعس عن العمل يتعين على الحكومات والشركات مواصلة استجاباتها.

ولا يستطيع أي منا أن يصيب الازدهار والرخاء في عالم يذهب فيه مليار إنسان إلى فراشهم جوعى كل ليلة ويفتقر 2.3 مليار شخص إلى خدمات الصحة العامة الأساسية، ولن تزدهر الشركات في بيئة حيث التفاؤل العام بالمستقبل والثقة في المؤسسات عند أدنى مستوياتهما على الإطلاق.

إن الطريق لا يزال طويلا أمامنا، ولكننا نعتقد أن التحول الضروري قد بدأ بالفعل، وهناك كم متزايد من الأدلة التي تشير إلى أن نماذج الأعمال الجديدة من الممكن أن تحقق غاية النمو المسؤول. ويشكل مؤتمر الرأسمالية الشاملة خطوة أخرى إلى الأمام، ورغم أن عملنا بدأ للتو فإننا مقتنعون بأننا قادرون في غضون جيل واحد على إعادة تعريف الرأسمالية وبناء اقتصاد عالمي مستدام وعادل.

لم يعد لدينا أي وقت نضيعه، وكما قال المهاتما غاندي ذات يوم "المستقبل يعتمد على ما تفعله اليوم".
ـــــــــــــــــ
بول بولمان الرئيس التنفيذي لشركة يونيليفر. لين فورستر دي روتشيلد الرئيسة التنفيذية لشركة إي إل روتشيلد، وهي مؤسِسة والمضيفة المشاركة لمؤتمر الرأسمالية الشاملة في لندن والذي عقد في الـ27 من مايو/أيار 2014.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة