ما الذي يمنع تعافيا اقتصاديا قويا؟   
الخميس 1435/1/19 هـ - الموافق 21/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)

التعافي ونمو القطاع القابل للتداول
تحقيق التوازن بين الطلب المحلي والخارجي

خفض قيمة العملة

التعافي ونمو القطاع القابل للتداول
لقد أصبحت خريطة نمو الاقتصاد العالمية واضحة نسبيا. والآن تمر الولايات المتحدة بفترة من التعافي الجزئي، في ظل معدل نمو يتراوح بين 1.5% إلى 2% وتأخر تشغيل العمالة.

وفي أوروبا ككل لا يتجاوز معدل النمو الصفر إلا بالكاد، في ظل اختلافات كبيرة بين البلدان، ولو في وجود بعض الدلائل التي تشير إلى إعادة التقارب المؤلم، على الأقل من حيث تكاليف وحدة العمل الاسمية.

ومن ناحية أخرى، بدأ النمو في الصين يستقر عند مستوى 7%، وتستعد بقية الدول النامية الآن لرفع أسعار الفائدة.

ولا زال لزاماً على العديد من الاقتصادات المتقدمة أن تعالج نهاية نمط نمو ما قبل الأزمة الذي تولد عن الطلب المحلي المفرط في مثل هذه الاقتصادات، لم يكن ذلك النمط يعتمد عادة على الروافع المالية (الاستدانة) فحسب، بل وعمل أيضاً على توسيع الجانب غير القابل للتداول من الاقتصاد (مثل الخدمات والتعليم وقطاع التجزئة والإنشاءات)  وتقليص الجانب القابل للتداول (مثل الصناعات ومنتجاتها القابلة للتداول عالميا).

ولكن برغم هذا، ولأن القطاع غير القابل للتداول مقيد باعتماده على الطلب المحلي، فإن التعافي إذا جاء سوف يعتمد على إمكانية نمو القطاع القابل للتداول.

ولتحقيق هذه الإمكانية يتعين على القطاع القابل للتداول أن يعود إلى التوسع على الهامش، مع تسبب العملة الضعيفة في انخفاض الواردات وانحدار تكاليف وحدة العمل الحقيقية مع ثبات الأجور الاسمية، تتدفق العمالة العاطلة عن العمل ورأس المال نحو الأسواق الخارجية للسلع والخدمات والموارد.

وهذا ما يحدث بالفعل في الولايات المتحدة، حيث تجاوزت الصادرات ذروتها السابقة بينما ظلت الواردات منخفضة، وعجز الحساب الجاري في انخفاض.

يُعَد العبء المالي من بين الأسباب التي تجعل التعافي في الولايات المتحدة جزئيا، فهو التأثير المتخلف عن ركود ما بعد عام 2008، والذي حول بعض الروافع المالية إلى القطاع العام، الأمر الذي أسفر عن أعباء الديون المتنامية التي عولجت من خلال التقشف الفوري.

وحتى صافي العمالة في القطاع القابل للتداول أصبح في ازدياد -وللمرة الأولى في عقدين من الزمان-.

والواقع أن البيانات الأخيرة تشير إلى أن أكثر من نصف التسارع في نمو الولايات المتحدة يحدث على الجانب القابل للتداول، حتى برغم أنه يشكل نحو ثلث واحد فقط من الاقتصاد.

ولعل هذه المساهمة أقل من حقيقتها، لأن الدخل الذي يتم توليده على جانب العرض القابل للتداول ينتج دخلاً يتحول إلى طلب على الجانب غير القابل للتداول، وهو التأثير المضاعف الذي يعبر حدود القابل للتداول/غير القابل للتداول.

إن اقتصاد الولايات المتحدة مرن نسبيا، وهذا النوع من التكيف البنيوي في القطاع الخاص يحدث بسرعة معقولة. ورغم هذا فإن تشغيل العمالة لا يزال متأخرا، نظراً لعوامل أطول أمداً، مثل التكنولوجيا الموفرة للعمالة وإعادة تشكيل سلاسل العرض العالمية، حيث تميل الشرائح ذات القيمة المضافة الأدنى والوظائف إلى التركز في البلدان ذات الدخل المنخفض.

ويُعَد العبء المالي من بين الأسباب التي تجعل التعافي في الولايات المتحدة جزئيا، فهو التأثير المتخلف عن ركود ما بعد عام 2008، والذي حول بعض الروافع المالية إلى القطاع العام، الأمر الذي أسفر عن أعباء الديون المتنامية التي عولجت من خلال التقشف الفوري.

ولكن المشكلة الرئيسية هي أن الاستثمار في القطاع العام يظل أدنى كثيراً من مستويات دعم النمو. ويتسبب الجزء الصعب من تحقيق النمو المحتمل بشكل كامل في تحويل تكوين الطلب المحلي من الاستهلاك إلى الاستثمار دون إضافة الروافع المالية. وهذا يعني تحميل جانب القطاع العام التكاليف، عن طريق الضرائب والانخفاض في الاستهلاك المنزلي (وتراكم الثروة).

تحقيق التوازن بين الطلب المحلي والخارجي
وهذا يعني أيضاً تحقيق التوازن بين الطلب المحلي والخارجي على الوجه الصحيح، وتقدير حساسية النمو في الأمدين المتوسط والطويل للاستهلاك وحجم الطلب الكلي المحلي.

وإزاء هذه الخلفية، يتعين على صناع السياسات النقدية أن يتوخوا الحذر، لأن معدلات الفائدة المنخفضة من الممكن أن تحول نموذج النمو باتجاه الاستدانة والطلب الاستهلاكي المحلي مرة أخرى، وبالتالي تعطيل التحول البنيوي نحو الجانب القابل للتداول والجاري الآن.

والواقع أن العديد من البلدان الأوروبية أصبحت مفرطة في اعتمادها على الطلب المحلي وتحتاج إلى إعادة التوازن نحو الجانب القابل للتداول.

ولكن التحدي الذي يواجه هذه البلدان أكبر كثيراً والعملية أبطأ. في العقد الأول من عمر اليورو، ارتفعت تكاليف وحدة العمل الاسمية بشكل حاد في اليونان وأيرلندا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، بينما  ثبتت تقريباً في ألمانيا. وفي غياب العملة الموحدة فإن هذه الاختلافات كانت لتصبح مصحوبة بتعديلات لأسعار الصرف، وبكل تأكيد بعد -بل ربما قبل- أن ينتهي نمط الاستدانة المفرطة والطلب المحلي.

ولكن مثل هذه التعديلات من غير الممكن أن تحدث في ظل اتحاد نقدي، لذا فإن تكاليف وحدة العمل تتقارب ببطء، من خلال عملية مطولة من نمو الأجور الاسمية الراكد تقريباً والانحدار البطيء في الأجور الحقيقية (وهي العملية التي يُتوقع أن تكون أسرع في ظل معدل تضخم أعلى في ألمانيا وشمال أوروبا). ومع نقص الطلب المحلي فإن هذا الطريق البطيء يعمل في الأساس على تأجيل أو إعاقة النمو من خلال توسع القطاع القابل للتداول.

وتتأثر أيضاً سرعة التكيف البنيوي بقوة بمدى سهولة تحول العمالة من الجانب غير القابل للتداول إلى الجانب القابل للتداول في أي اقتصاد وعبر شرائح من سلاسل العرض العالمية.

وتتباين درجات مرونة سوق العمل في البلدان المختلفة إلى حد كبير، وتشكل الإصلاحات التي تزيد من درجة المرونة أهمية بالغة. على سبيل المثال، كانت الإصلاحات في ألمانيا في الفترة 2003-2006 سبباً في زيادة المرونة بشكل كبير (رغم أن ذلك تم في بيئة حميدة من الاعتدال على مستوى العالم وفي منطقة اليورو).

وهناك الكثير من المبالغات المحيطة بفوائض الحساب الجاري الكبيرة في ألمانيا. ولكن تماماً كما تعاني اقتصادات منطقة اليورو المكافحة من العملة المبالغ في تقدير قيمتها، فإن ألمانيا لديها عملة غير مقدرة كما ينبغي لها، وهو ما يميل إلى إنتاج فوائض خارجية، وبحكم التعريف فائض في المدخرات في مقابل الاستثمار.

خفض قيمة العملة
وتميل العملة المبالغ في خفض قيمتها أيضاً إلى إنتاج نموذج نمو غير متوازن من النوع المعاكس: قطاع قابل للتداول ضخم الحجم، وطلب كلي محلي غير كاف. ولأن القطاع غير القابل للتداول في الاقتصادات المتقدمة يميل إلى خلق فرص عمل أكثر، فإن هذا النموذج من الممكن أن يؤدي إلى مشكلة في تشغيل العمالة (حتى ولو تخفى جزئياً وراء خفض ساعات العمل بدلاً من الاستغناء عن العاملين).

من حيث المبدأ، تستطيع ألمانيا أن تحاول تعزيز الطلب المحلي من خلال الروافع المالية، ولكن ما لم يتم تعديل سعر الصرف نحو الارتفاع لتقليص القطاع القابل للتداول عند الهامش، فإن القيام بهذا من شأنه أن يؤدي إلى التضخم. وآنذاك فإن البنك المركزي الأوروبي سوف يكون مضطراً إلى التدخل من أجل الحفاظ على مصداقية التزامه باستقرار الأسعار، والذي يشكل تفويضه الأولي. ومن غير المستغرب أن تجد ألمانيا صعوبة في تحقيق نمط مستدام من النمو المتوازن في منطقة اليورو على هيئتها الحالية.

إن استعادة النمو تتطلب التحليل الدقيق للتوازن البنيوي، والانتباه إلى القيود المفروضة على الطلب في القطاع غير القابل للتداول، والتركيز على المعوقات التي تحول دون توسع القطاع القابل للتداول.

وسوف يدرك أي شخص مطلع على التحولات البنيوية في جانبي العرض والطلب في الصين وجود بعض أوجه التشابه مع الحالة الألمانية.

وتتلخص النقطة الرئيسية هنا في أن استعادة النمو تتطلب التحليل الدقيق للتوازن البنيوي، والانتباه إلى القيود المفروضة على الطلب في القطاع غير القابل للتداول، والتركيز على المعوقات التي تحول دون توسع القطاع القابل للتداول. وتتمثل بعض هذه المعوقات في جمود جانب العرض، وتتعلق أخرى بالطلب المحلي المتضخم. ولا يجوز لنا أن نتجاهل أياً منهما إذا كنا راغبين في تحقيق التعافي القوي.

وتتأثر أيضاً سرعة التكيف البنيوي بقوة بمدى سهولة تحول العمالة من الجانب غير القابل للتداول إلى الجانب القابل للتداول في أي اقتصاد وعبر شرائح من سلاسل العرض العالمية. وتتباين درجات مرونة سوق العمل في البلدان المختلفة إلى حد كبير، وتشكل الإصلاحات التي تزيد من درجة المرونة أهمية بالغة. على سبيل المثال، كانت الإصلاحات في ألمانيا في الفترة 2003-2006 سبباً في زيادة المرونة بشكل كبير (ولو أن ذلك تم في بيئة حميدة من الاعتدال على مستوى العالم وفي منطقة اليورو).

وهناك الكثير من المبالغات المحيطة بفوائض الحساب الجاري الكبيرة في ألمانيا. ولكن تماماً كما تعاني اقتصادات منطقة اليورو المكافحة من العملة المبالغ في تقدير قيمتها، فإن ألمانيا لديها عملة غير مقدرة كما ينبغي لها، وهو ما يميل إلى إنتاج فوائض خارجية، وبحكم التعريف فائض في المدخرات في مقابل الاستثمار.

وتميل العملة المبالغ في خفض قيمتها أيضاً إلى إنتاج نموذج نمو غير متوازن من النوع المعاكس: قطاع قابل للتداول ضخم الحجم وطلب كلي محلي غير كاف. ولأن القطاع غير القابل للتداول في الاقتصادات المتقدمة يميل إلى خلق فرص عمل أكثر، فإن هذا النموذج من الممكن أن يؤدي إلى مشكلة في تشغيل العمالة (حتى ولو تخفى جزئياً وراء خفض ساعات العمل بدلاً من الاستغناء عن العاملين).

من حيث المبدأ، تستطيع ألمانيا أن تحاول تعزيز الطلب المحلي من خلال الروافع المالية، ولكن ما لم يتم تعديل سعر الصرف نحو الارتفاع لتقليص القطاع القابل للتداول عند الهامش، فإن القيام بهذا من شأنه أن يؤدي إلى التضخم. وآنذاك فإن البنك المركزي الأوروبي سوف يكون مضطراً للتدخل من أجل الحفاظ على مصداقية التزامه باستقرار الأسعار، الذي يشكل تفويضه الأولي. ومن غير المستغرب أن تجد ألمانيا صعوبة في تحقيق نمط دائم من النمو المتوازن في منطقة اليورو على هيئتها الحالية.

وسوف يدرك أي شخص مطلع على التحولات البنيوية في جانبي العرض والطلب في الصين وجود بعض أوجه التشابه مع الحالة الألمانية.

وتتلخص النقطة الرئيسية هنا في أن استعادة النمو تتطلب التحليل الدقيق للتوازن البنيوي، والانتباه إلى القيود المفروضة على الطلب في القطاع غير القابل للتداول، والتركيز على المعوقات التي تحول دون توسع القطاع القابل للتداول. وتتمثل بعض هذه المعوقات في جمود جانب العرض، وتتعلق أخرى بالطلب المحلي المتضخم. ولا يجوز لنا أن نتجاهل أياً منهما إذا كنا راغبين في تحقيق التعافي القوي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة