عام 2010 يشهد انطلاق حرب العملات   
الخميس 1432/1/18 هـ - الموافق 23/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:27 (مكة المكرمة)، 14:27 (غرينتش)

شاهر الأحمد-الجزيرة نت

احتلت الخلافات العالمية حول أسعار صرف العملات الرئيسية وعلى رأسها الدولار الأميركي واليوان الصيني واليورو الأوروبي أبرز مكانة على صعيد التحديات الاقتصادية التي اتسم بها عام 2010.

وتفاقمت الخلافات الدولية حتى تحولت إلى ما أصبح يعرف بـ"حرب العملات" بين الطرفين الأساسيين الولايات المتحدة والصين.

وعكست الأزمة عمق الهوة المتزايدة بين اقتصادات الدول المتطورة المأزومة نتيجة تداعيات الأزمة المالية العالمية التي تفجرت خريف عام 2008، واقتصادات الدول الصاعدة (على رأسها الصين والهند والبرازيل) المستمرة في تحقيق نمو.


تدشين المصطلح
ويعد وزير المالية البرازيلي غيدو مانتيغا أول من أطلق مصطلح "حرب العملات" على أزمة تسعير العملات في العالم في سبتمبر/ أيلول الماضي في إشارة إلى توجه العديد من الدول لتخفيض عملاتها بغية ترويج سلعها وزيادة تجارتها لتحقيق المزيد من المكاسب.

وانتشر بعد ذلك تعبير "حرب العملات" وأطلق على العديد من الخلافات المبيتة بين قادة أكبر القوى الاقتصادية في العالم، وخاصة تلك الأكثر تصديرا مثل الصين وألمانيا واليابان والدول الطامحة إلى تصدير المزيد مثل الولايات المتحدة ودول منطقة اليورو.

وبدا العالم نتيجة هذه الخلافات على شفا حرب عملات سيغرق فيها الجميع، فواجه العديد من الدول اتهامات بالتلاعب بسعر صرف عملاتها الوطنية لتحقيق أغراض محلية دون النظر إلى الآثار السلبية لمثل هذا التلاعب على الاقتصاد الدولي برمته. وكان أهم الاتهامات هي تلك المتبادلة بين الصين وأميركا.

"
تبرر الصين عدم ترك تحديد قيمة اليوان للسوق، بأن ذلك سيؤدي لارتفاع سعر عملتها بشكل كبير مما سيؤدي إلى إفلاس العديد من الشركات الصينية وسيتسبب في ارتفاع معدل البطالة، وسيولد اضطرابات اجتماعية
"
أميركا والصين

ورغم أن العملة الصينية سجلت صعودا مطردا منذ إعلان البنك المركزي الصيني في 19 يونيو/حزيران الماضي اعتزامه زيادة مرونة أسعار الصرف في السوق الصينية، فإن واشنطن لم تتوقف عن انتقاد السياسة النقدية الصينية وطالبت الصين برفع قيمة اليوان بوتيرة أسرع.

واستمر الأميركيون في اتهام بكين بالتلاعب بالعملات وخفض اليوان بنسبة عالية، الأمر الذي يمنح السلع الصينية ميزة على غيرها من السلع برخص أثمانها مما يصعب حركة الإنتاج في المصانع الأميركية ويزيد من البطالة.

واعتبرت بكين من جهتها أن مشكلات واشنطن وعجزها التجاري ليست مسؤولية صينية، وأن عليها بدلا من تحميل المسؤولية للآخرين أن تجتهد في حل مشاكلها. وأكدت على أن سياستها النقدية متماسكة ومسؤولة وتراعي مصالحها بالدرجة الأولى ومصلحة الاقتصاد العالمي بالدرجة التالية.

وتبرر الصين عدم ترك تحديد قيمة علمتها للسوق، بأن ذلك سيؤدي لارتفاع سعر اليوان بشكل كبير مما سيؤدي إلى إفلاس العديد من الشركات الصينية وسيتسبب في ارتفاع معدل البطالة، وسيولد اضطرابات اجتماعية.

الأوروبيون واليابانيون يعتبرون أنهم ضحايا لحرب العملات، فمنطقة اليورو تعاني أزمة ديون سيادية عصفت حتى الآن بكل من اليونان وأيرلندا ويتوقع أن تتسع لتشمل دولا أخرى بينها إسبانيا والبرتغال.

وانتهجت العديد من الدول الأوروبية في مواجهة الأزمة المالية سياسة تقشفية تهدف لخفض العجوزات في موازناتها. كما شهد عام 2010 في هذا السياق جدلا حول تفكك الوحدة النقدية الأوروبية (اليورو) بعد عقد واحد فقط من إطلاقها.

اليابان من جانبها التي تعتمد في نموها بشكل رئيسي على الصادرات تدخلت خلال 2010 عدة مرات لوقف ارتفاع الين من خلال ضخ كميات كبيرة من عملتها في السوق مما جعلها عرضة للانتقادات.

كما تدخلت الهند لوقف ارتفاع الروبية مقابل الدولار بينما ثبتت كوريا الجنوبية سعر الفائدة لمنع تدفق رأس المال الأجنبي من زيادة الضغوط التضخمية.


روبرت زوليك دعا لدراسة اعتماد الذهب معيارا دوليا موحدا لتحديد أسعار العملات (الفرنسية-أرشيف)
مطالب تغيير
ونتيجة لاختلال الأوضاع في أسواق العملة طالب عدد من المسؤولين الدوليين بإحداث تغيرات في نظام الصرف، فاعتبر رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي بن برنانكي في نوفمبر/ تشرين الثاني أن النظام المالي العالمي غير قابل للاستمرار، وقال إن "النظام النقدي الدولي كما هو مبني اليوم، يعاني خللا بنيويا".

وفي نفس الشهر فاجأ رئيس البنك الدولي روبرت زوليك الأوساط الاقتصادية بدعوته قادة مجموعة العشرين إلى دراسة إمكانية العودة إلى اعتماد الذهب معيارا دوليا موحدا لتحديد أسعار العملات.

ودعا كذلك لإشراك اليوان الصيني إلى جانب العملات الرئيسية (الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني) في وضع نظام عالمي لتسعير العملات.

غير أن مراقبين استبعدوا العودة إلى اعتماد الذهب، معتبرين أن تصريحات زوليك وغيره من المسؤولين الدوليين تعكس مدى التخبط الذي يعيشه الاقتصاد الدولي، وفقدان قواعد واضحة أو مخارج بينة.


"
الوضع المتأزم الذي يعيشه العالم يرجع بعض المراقبين نذره إلى سبعينيات القرن الماضي عندما أنهت الولايات المتحدة ربط الدولار بالذهب، وألغت اتفاقية بريتن وودز التي أبرمت عام 1944
"
نذر مبكرة
ويرجع بعضهم نذر الوضع المتأزم الذي يعيشه العالم إلى سبعينيات القرن الماضي عندما أنهت الولايات المتحدة ربط الدولار بالذهب، وألغت اتفاقية بريتون وودز التي أبرمت عام 1944.

وإلغاء ربط الدولار بالذهب مكّن واشنطن من تعويم الدولار وطبع ما تشاء من دولارات الأمر الذي أدى لاضطراب النظام النقدي العالمي.

فنتيجة لزيادة عرض الدولارات في الأسواق فإن الطلب عليها ينخفض ويقل سعرها مقارنة مع باقي العملات، الأمر الذي يجعل أسعار صادراتها في الخارج أفضل من صادرات الدول المنافسة.

غير أن تراجع الدولار يفقده مكانته باعتباره مستودعا مستقرا للقيمة والمدخرات وبالتالي فهو يفقد قدرته على القيام بالوظائف المطلوبة منه دوليا بوصفه عملة احتياط ووسيطا في تبادل السلع وتسعيرها.

الدول المتضررة من جانبها لا تقف موقف المتفرج فتتدخل هي الأخرى في أسواق الصرف لخفض سعر عملاتها ويضطرب النظام الاقتصادي الدولي بصورة بلغت ذروتها عام 2010.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة