الارتباك الحالي في أسعار نفوط الإشارة   
الأحد 1432/3/25 هـ - الموافق 27/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 0:08 (مكة المكرمة)، 21:08 (غرينتش)
 


*سعد الله الفتحي
 
أصبح من الصعب على المتابعين لأسعار النفط في الوقت الحاضر أن يعرفوا بالضبط مستوى الأسعار بسبب الخلط بين أسعار نفوط الإشارة والحاجة التي تبدو ماسة إلى تفسيرات.
 
قبل أيام كنت أطالع في شريط الأخبار أسفل شاشة التلفزيون أن "النفط تجاوز 85 دولارا للبرميل في آسيا"، وبعد ثوان معدودة أشار الشريط إلى أن "نفط خام برنت يقترب من 104 دولارات للبرميل". إذن، ما هي أسعار النفط خاصة بالنسبة لعامة الناس الذين ليسوا من المتخصصين في هذا الموضوع؟
 
ظاهرة مربكة
"
هناك أكثر من 160 نوعا من النفط الخام المتداول تجاريا في جميع أنحاء العالم،
ولكل منها خصائص مختلفة من حيث الكثافة والمحتوى الكبريتي
وحصيلة المنتجات التي يمكن الحصول عليها

"
هذه الظاهرة الجديدة مربكة وخاصة أننا غير معتادين عليها، ويشير السعران أعلاه إلى نوعين من النفط الخام المرجعي أو نفط الإشارة، وأقصد بذلك نفط غرب تكساس الوسيط ونفط برنت.
 
وكان السعران تاريخيا قريبين من بعضهما بعضا من حيث الأسعار التي كانت تتحرك بما يقرب التوازي صعودا أو نزولا بينما نراها الآن أصبحت في حالة انفصام عن بعضها.
 
هناك أكثر من 160 نوعا من النفط الخام المتداول تجاريا في جميع أنحاء العالم، ولكل منها خصائص مختلفة من حيث الكثافة والمحتوى الكبريتي وحصيلة المنتجات التي يمكن الحصول عليها عن طريق التكرير في مصافي بسيطة أو متطورة.
 
لذلك، أصبحت الحاجة واضحة لوجود ما يؤشر على أسعار هذه النفوط بصورة مطلقة أو نسبة إلى بعضها بعضا، ومن هنا ولدت فكرة نفط الإشارة أو النفط المرجعي بالنسبة للأسعار.
 
عندما كانت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) تتبع نظام السعر الثابت في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كان النفط العربي الخفيف نفطا مرجعيا أو نفط إشارة، يحدد مؤتمر أوبك مستوى سعره بالاتفاق، وتسعر نفوط الدول الأعضاء بموجب ذلك بعد الأخذ بنظر الاعتبار الفروق النسبية في الأسعار الناتجة عن فرق النوعية والموقع الجغرافي.
 
وحتى النفوط من خارج أوبك كانت تأخذ ذلك بنظر الاعتبار في تسعير نفوطها لكي تبقى في وضع تنافسي في السوق، ولكن ذلك النظام انهار في عام 1986 ببروز السوق الفورية وتوسعها السريع بحيث لم تعد أوبك قادرة على تحديد الأسعار واكتفت منذ ذلك الوقت بالاتفاق على تحديد سقف الإنتاج وحصص الدول الأعضاء بغية استهداف حد معين من الأسعار.
 
الأسواق الآجلة
"
على الرغم من أن تداول خام برنت في البورصة أقل من تداول خام غرب تكساس الوسيط، فإن خام برنت اعتمد كنفط إشارة في تسعير ما يقرب ثلثي النفوط المتداولة تجاريا

"
وفي نفس الوقت نما بشكل كبير نشاط أسواق العقود الآجلة أو السوق المستقبلية، وأصبح خام غرب تكساس الوسيط (كثافة 39.6 بموجب معهد النفط الأميركي وبمحتوى كبريتي 0.24% وزنا) نفطا مرجعيا أو نفط إشارة بالنسبة لبورصة نيويورك، وخام برنت (كثافة 38.3 ومحتوى كبريتي 0.37% وزنا) بالنسبة لبورصة لندن.
 
أما بورصة سنغافورة فإنها تتعامل بالنفطين السابقين أيضا إضافة إلى بعض النفوط الآسيوية الثانوية.
 
والملاحظ من الأرقام أعلاه أن النفطين قريبان من بعضهما بعضا وكلاهما ينتمي إلى مجموعة النفوط الخفيفة الحلوة أو القليلة الكبريت وأن خام غرب تكساس الوسيط أخف قليلا وأقل كبريتا إضافة إلى موقع إنتاجه الجغرافي قرب أكبر سوق للنفط الخام في العالم.
 
وعليه وبالرجوع إلى المعدلات التاريخية فإن فارق السعر بين النفطين كان عموما بين 1 و2 دولار للبرميل لصالح خام غرب تكساس الوسيط.
 
وعلى الرغم من أن تداول خام برنت في البورصة أقل من تداول خام غرب تكساس الوسيط، فإن خام برنت اعتمد كنفط إشارة في تسعير ما يقرب ثلثي النفوط المتداولة تجاريا نظرا لقربه من منتجي الشرق الأوسط ذوي الحجم الكبير في السوق العالمية.
 
وقد ظهرت أيضا الحاجة إلى نفط إشارة أثقل وأكثر كبريتا نظرا لأن هذا ما يميز أغلب نفوط الخليج العربي ونفوط أخرى في العالم، وقد اختير نفط خام دبي (32/ 2.0%) في وقت ما لهذا الغرض لكون أغلب إنتاجه كان يباع في السوق الفورية.
 
كما أن نفط خام عمان (36.3/0.79%) قد استعمل للغرض ذاته، وفي وقت لاحق اعتمد معدل خامي دبي وعمان لزيادة الحجم المتداول وخاصة بالنسبة للمبيعات باتجاه الشرق.
 
متطلبات نفط الإشارة
"
إن من متطلبات نفط الإشارة أن يتم تداول جزء كبير منه في السوق الفورية أو السوق المستقبلية للحصول على شفافية في السعر، كما أن حجم إنتاجه يجب أن يكون معقولا
"
إن أغلب الدول تستخدم أكثر من نفط إشارة واحد لتسعير نفوطها، فعلى سبيل المثال استخدمت دول الخليج العربي خام برنت بالنسبة للصادرات إلى أوروبا وخام غرب تكساس الوسيط بالنسبة للصادرات إلى أميركا ودبي/عمان للصادرات إلى آسيا.
 
وفي كل شهر تقوم الدولة المنتجة بتعديل معادلة التسعير التي تتضمن سعر نفط الإشارة المعتمد يضاف أو يطرح منه معدل النوعية والموقع الذي يتغير تبعا لتطورات السوق.
 
إن من متطلبات نفط الإشارة أن يتم تداول جزء كبير منه في السوق الفورية أو السوق المستقبلية للحصول على شفافية في السعر، كما أن حجم إنتاجه يجب أن يكون معقولا لضمان ما يكفي من السيولة ومنع حشر السوق في زاوية.
 
وأخيرا يجب أن تكون نوعيته معروفة ومستقرة وقد خبرتها شركات التكرير. وقد اجتمعت هذه المتطلبات في نفوط الإشارة المعروفة بدرجات متفاوتة.
 
والملاحظ أن تداول خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت في زيادة مضطردة أكثر من أي وقت مضى بسبب كثرة النشاط في السوق المستقبلية وتوسع عدد ونوعية المشاركين فيها بسبب المضاربة.
 
وكانت أحجام تداول خام غرب تكساس الوسيط في 2006 نحو 300 مليون برميل يوميا بينما تداول برنت 180 مليونا في اليوم. وفي أوائل عام 2011 زاد حجم التداول لكلا النفطين لأكثر من 800 و500 مليون برميل يوميا على التوالي.
 
ولكن حجم النفط الخام العماني في بورصة دبي الحديثة التأسيس لا يزال متواضعا بنحو 12 مليون برميل في الشهر ولكنه يتزايد.
 
علامات إجهاد
ومع ذلك، بدأت علامات الإجهاد على هذا النظام خاصة ما يتعلق بالفروق السعرية بين خامي برنت وغرب تكساس الوسيط، ففي 2007 تحولت في بعض الأحيان ولو مؤقتا لصالح برنت، وفي أوائل عام 2009 تم تداول خام غرب تكساس الوسيط عند 10 دولارات خصم عن برنت وتوقفت المملكة العربية السعودية عن استخدام خام غرب تكساس الوسيط في تسعير نفطها الخام إلى الولايات المتحدة.
 
وعلى العموم بلغ متوسط الفرق لصالح برنت بين أغسطس/آب 2010 ونهاية العام حوالي 2.2 دولار للبرميل، ثم اتسع بشكل حاد ليصل إلى قرابة 20 دولارا للبرميل في الآونة الأخيرة.
 
ويوصف نفط غرب تكساس الوسيط الآن بأنه "مؤشر مكسور" وأنه أصبح "غير ذي بال"، كما تقول فاليرو للطاقة، وهي إحدى شركات التكرير الشهيرة.
 
ويقال إن السبب في ذلك انخفاض إنتاج خام غرب تكساس الوسيط وفي الوقت نفسه ارتفاع المخزونات في كوشينك بولاية أوكلاهوما التي تعتبر نقطة البيع لهذا النفط بسبب واردات أعلى من كندا وانخفاض نسبة العمل في بعض المصافي.
 
في حين أن سعر النفط في أوروبا (قياسا بسعر برنت) يرتفع نتيجة لانخفاض حجم مزيج برنت المعروض والتوتر في الشرق الأوسط.
 
إن مخزون خام غرب تكساس الوسيط وصل إلى أكثر من 38 مليون برميل من أصل 45 مليون برميل سعة التخزين المتوفرة. علما بأن خطوط الأنابيب إلى الموانئ للتصدير من هذه النقطة غير متوفرة وربما تنشأ مستقبلا لتلافي ما يحدث حاليا.
 
زيادة التقلبات
"
فشلت سلة أوبك من النفط الخام التي يعلن سعرها يوميا لتصبح نفط إشارة ربما لأن الغرض منها أن تكون كمؤشر للمنظمة لضبط مستوى إنتاجها مستهدفة نطاقا من الأسعار
"
ويتفاقم الوضع بسبب الاهتمام المتزايد في تداول برنت حاليا نظرا لأهميته في السوق الفعلية وتعبيره بشكل أكثر واقعية عن حالة السوق.
 
هذا الوضع قد يطول ويجعل من الضروري لمنتجي النفط البدء في البحث عن حلول أخرى حيث إن انخفاض إنتاج مزيج برنت قد تجعل منه في يوم ما "مؤشرا مكسورا" أيضا.
 
إن تذبذب الفروقات النسبية بهذا الشكل الحاد سيؤدي إلى زيادة التقلبات في السوق وعدم استقرارها، وإن على أوبك بوصفها أكبر مصدر محاولة إيجاد حل لحماية مصالحها.
 
فقد فشلت سلة أوبك من النفط الخام (معدل حسابي لاثني عشر نفطا واحدا من كل دولة) التي يعلن سعرها يوميا لتصبح نفط إشارة ربما لأن الغرض منها أن تكون كمؤشر للمنظمة لضبط مستوى إنتاجها مستهدفة نطاقا من الأسعار.
 
ولا أدعي أنني أملك الحل الذي يقتضي مناقشات مستفيضة في أوبك، لكن النفط العربي الخفيف الأكبر إنتاجا في العالم إضافة إلى توسطه مواصفات الأنواع العالمية قد يكون مؤشرا ناجحا كما كان في السابق.
 
ويمكن أيضا الرجوع إلى نقطة تجارية في الخليج العربي حيث يتم خزن وتداول جزء من نفط خام كل بلد بحرية، كما أن المزيد من المناقشة في أوبك قد تفضي إلى أفضل الأفكار لصالح الجميع.



ـــــــــــ
 
* المدير السابق لقسم دراسات الطاقة في الأمانة العامة لأوبك في فيينا
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة