قراءة في القمة الاقتصادية العربية الثالثة   
الجمعة 1434/3/14 هـ - الموافق 25/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:12 (مكة المكرمة)، 11:12 (غرينتش)
العلاقات الاقتصادية العربية محل تساؤل منذ إعلان مشروعات التعاون في خمسينيات القرن الماضي (الجزيرة)

 عبد الحافظ الصاوي

غياب الإلزام 
اعتبار الوقت
إنجاز لصالح الاستثمار
بورصة عربية
تفاوت سلبي

بعد قمم عربية امتدت على مدار نحو ستة عقود، اتجه العرب لعقد قمة جديدة يكون الاقتصاد هو محورها، بعد أن سيطرت السياسة على قممهم السابقة، فقرروا في عام 2009 عقد قمتهم الاقتصادية الأولي بالكويت، والثانية بمدينة شرم الشيخ المصرية في يناير/كانون الثاني 2011، ثم القمة الاقتصادية الثالثة التي شهدتها مدينة الرياض مؤخرًا على مدار يوميْ 20 و21 يناير/كانون الثاني 2013.

ولا يعني ذلك أن القمم العربية السابقة قد خلت من موضوعات ومحاور اقتصادية.

والعلاقات الاقتصادية العربية محل تساؤل منذ الإعلان عن مشروعات التعاون الاقتصادي العربي في خمسينيات القرن العشرين. فجل مقومات التعاون متاحة، ومؤسسات العمل العربي أقيمت منذ سنوات، ولكن بقيت الإرادة السياسية العقبة الكؤود في وجه تفعيل الكثير من القرارات والاتفاقية الاقتصادية التي خرجت ضمن أعمال قمم عربية سابقة.

ويتسم العمل وفق آلية القمة الاقتصادية العربية بعدم إنشاء آلية جديدة للعمل من خلالها مع معطيات المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الدول العربية، لكن معظم القرارات والمشاريع التي قدمت للقمم الثلاث أتت من رحم المؤسسات التابعة لجامعة الدول العربية، ولم يلاحَظ عليها أي من علامات التغيير الذي يتوقعه المواطن العربي من القمة النوعية الجديدة.

لكن الملاحظ أن الواقع العربي منذ الإعلان عن القمة الاقتصادية الأولى في عام 2009 بالكويت قد شهد متغيرات اقتصادية مهمة، منها ما أسفر عن قيام الثورات العربية، وتعرض اقتصاديات كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا لتراجع في أدائها الاقتصادية، وهي بطبيعتها كانت تعاني من مشكلات اقتصادية مزمنة قبل وقوع هذه الثورات. كما أن السودان -بعد انفصال الجنوب عنه، وفقدانه لمورد مهم هو النفط الذي استأثرت بمعظم آباره دولة جنوب السودان- أصبح يعاني أكثر اقتصاديًا.

مما أفقد القمة الاقتصادية العربية دورها لدى الرأي العام العربي هو كونها لم تشكل آلية للتعامل مع المشكلات الاقتصادية التي تعرضت لها بعض الدول العربية بسبب الأزمة المالية العالمية.

ومما أفقد القمة الاقتصادية العربية دورها لدى الرأي العام العربي، هو كونها لم تشكل آلية للتعامل مع المشكلات الاقتصادية التي تعرضت لها بعض الدول العربية بسبب الأزمة المالية العالمية، أو تشكيل صندوق للإنقاذ العربي لدول ثورات الربيع العربي، على غرار ما اتخذ في دول الاتحاد الأوروبي وتم تكوينه فور تصدع اقتصاديات الدول الأوروبية، وبدأت الدعوة له برأسمال 200 مليار يورو وتجاوز الآن تريليون يورو.

ومن خلال الاطلاع على القرارات والبيان الختامي للقمة -الذي أطلق عليه بيان الرياض- تمكن قراءة النتائج والآثار الآتية:

أولا: غياب الإلزام  
شأن مسيرة العمل العربي المشترك، أتت القرارات المقدمة للقمة تتصدرها الدعوة والترحيب والإحاطة، دون الحسم بإلزام الدول بما أسفرت عنه القمتين الاقتصاديتين السابقتين.

فالصندوق العربي لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة -الذي دعت إلى إنشائه قمة الكويت في يناير/كانون الثاني 2009- لم يستكمل حتى الآن رأسماله البالغ ملياريْ دولار. فما تم من إيداع من قبل الكويت والسعودية في رأسمال الصندوق هو مليار دولار، ودفعت دول أخرى 200 مليون دولار، وبقيت 800 مليون دولار، حصص دول لم تستجب لسدادها في الصندوق بعد.

ويمثل هذا الصندوق أهمية كبيرة للكثير من الدول العربية، وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية، والتداعيات السلبية اقتصاديًا لثورات الربيع العربي، حيث تتزايد أعداد العاطلين، وخاصة بين الشباب، وكان ينتظر أن تسارع بقية الدول العربية بسداد حصتها في رأسمال الصندوق، أو تنجز هذه المهمة دول الفائض المالي العربي، وخاصة أن رأس المال المتبقي لا يمثل معضلة.

ثانيا: اعتبار الوقت
الوقت من المعطيات التي يعول عليها في إنجاز الاتفاقيات الاقتصادية للوقوف على نجاحها وجني ثمارها، ولكن فيما يتعلق بإنجاز مرحلة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، لوحظ أن ما هو مطلوب للانتهاء من هذه المرحلة والدخول في مرحلة الاتحاد الجمركي يحتاج إلى وقت أكثر من نهاية عام 2013.

فمثلًا توفير الدعم والتمويل اللازم للدول العربية الأقل نموًا الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، أتى كمطلب عام دون تحديد من سيقدم هذا الدعم؟ وما هو مقداره؟ وما هي الفترة الزمنية التي ستتم فيها معالجة الآثار السلبية على اقتصاديات هذه الدول لبقائها في عضوية منطقة التجارة الحرة؟.

وعلى الرغم من أهمية الانتقال من مرحلة منطقة التجارة الحرة إلى الاتحاد الجمركي، وإزالة معوقات التجارة بين الدول العربية، فإن الأهم هو هيكل التجارة العربية، حيث إن معظم الصادرات العربية متنافسة، بمعنى أن الدول العربية تنتج سلعا متشابهة، ولذلك لم تغير منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي تم العمل بها منذ أكثر من عشر سنوات نسبة التجارة البينية بشكل كبير، فهي في أحسن تقديراتها لم تتجاوز حاجز 10%. ومن هنا فالمطلوب أن تتواكب البرامج والمبادرات التي تناولتها القمم الاقتصادية العربية الثلاث لتحسين هياكل الإنتاج العربية، حتى تتمكن من تقديم منتجات تلبي احتياجات حقيقية للدول العربية، وتعزز فرص التجارة.

الاستثمارات البينية العربية التراكمية خلال الفترة 1995 - 2011 بلغت 178.5 مليار دولار، وتستحوذ على نسبة 82% منها سبع دول عربية فقط

ثالثا: إنجاز لصالح الاستثمار
من الإيجابيات التي أسفرت عنها قمة الرياض، الموافقة على الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية.

ودعت القمة الدول العربية إلى التصديق على هذه الاتفاقية لكي تدخل حيز التنفيذ في بداية عام 2014، أي بعد عامين. وهي خطوة من شأنها أن تساعد على زيادة الاستثمارات البينية العربية، وخاصة داخل الدول التي تعاني من عجز في التمويل، ولديها معدلات عالية من الفقر والبطالة.

والجدير بالذكر أن الاستثمارات البينية العربية التراكمية خلال الفترة 1995 - 2011 بلغت 178.5 مليار دولار، ولكن تستحوذ على نسبة 82% منها سبع دول عربية فقط.

كما يلاحظ أن الاستثمارات العربية البينية تراجعت بمعدلات كبيرة بعد عام 2008. فبعد أن كانت في عام 2008 نحو 35.3 مليار دولار، تراجعت إلى 12.5 مليار دولار في عام 2011، وذلك وفق بيانات تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية لعام 2011. وكان يُتوقع أن تزداد الاستثمارات العربية البينية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 وليس العكس، وذلك بسبب ما تعرضت له الاستثمارات العربية من خسائر جمة في الدول الغربية والولايات المتحدة على إثر الأزمة المالية العالمية.

وفي نفس مجال الاستثمار، أتت مبادرة خادم الحرمين الشريفين لزيادة رؤوس أموال المؤسسة التمويلية العربية وكذلك المشروعات العربية المشتركة بنسبة 50%، لكي تساهم في التنمية بالدول العربية بشكل أفضل مما هو عليه، لكن لم تقدم المبادرة برنامجا لإيضاح حجم هذا التمويل ومصادره، وهل سيكون طوعيا أم إلزاميا من خلال حصة لكل دولة؟

إن تجربة الصندوق العربي لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي أعلِنت في القمة الاقتصادية الأولى في 2009، ولم يستكمل رأسمال الصندوق بعد مضي أربع سنوات، تجعلنا نتريث تجاه نجاح هذه المبادرة، وإن كنا نعتبر أن إنجاز أي خطوة في هذه المبادرة سوف يكون له أثر إيجابي على الاقتصاديات العربية بلا شك.

رابعا: بورصة عربية
قدمت مملكة البحرين مبادرة بإقامة بورصة عربية مشتركة، على أن تكون البحرين مقرًا لها، وهي خطوة إيجابية من حيث الشكل، ولكن إذا ما تناولنا الموضوع من حيث الجوهر، فإننا نجد أن معظم البورصات العربية تسمح بالتداول الإلكتروني، ولا تضع أي حواجز على الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وبالتالي فإن وجود مبنى للمؤسسة المقترحة هو من قبيل إضافة مبنى جديد إلى مؤسسات العمل العربي المشترك.
هناك خشية من أن يؤدي الأداء الاقتصادي البطيء أو الرتيب في ظل مؤسسات عمل عربي يغلب عليها الطابع الروتيني الحكومي إلى مزيد من انصراف المواطن العربي عن هذه القمة الوليدة

ومن جهة أخرى، فإن البورصات العربية الحالية ذات أثر ضعيف من حيث القيمة المضافة لاقتصاديات الدول التي توجد بها، فمعظم البورصات يغلب على أعمالها وجود سوق نشط للتداول أي المضاربة، ولكن سوق الإصدار في الأسواق العربية الذي يوجـِدُ مشروعاتٍ جديدة ويخلق فرص عمل ويقدم سلعا وخدمات للمجتمع، لا يمثل إلا هامشًا ضئيلًا يكاد لا يتجاوز 5% من نشاط البورصات العربية.

خامسا: تفاوت سلبي
شأن التعاملات الاقتصادية العربية أن تساهم فيها مجموعات معينة وهي بطبيعتها الدول العربية الكبرى، ولا تأخذ الدول العربية الأقل نموًا الاهتمام اللازم لكي تحرص على عضويتها في المؤسسات العربية.

فبالنظر إلى ما جاء من قرارات قدمت للقمة بشأن الربط الكهربائي بين الدول العربية، وجد أن الربط الكهربائي لدولة الإمارات بدول الخليج العربي قد تم في أبريل/نيسان 2011، ومن المقرر أن يدخل الربط الكهربائي بين مصر والسعودية حيز التجريب عام 2015، بينما نجد أن موريتانيا سوف تكلف بعثة للوقوف على إمكانياتها في مجال الكهرباء، حتى يمكن ربطها بالدول العربية المجاورة خلال الفترة القادمة. وهو ما يعكس تفاوتا في درجات التعاون العربي يجب الالتفات إليه مستقبلًا. 

وختاما، يخشي في ظل هذا الأداء للقمة الاقتصادية العربية أن تصبح -كسابقاتها من القمم- مسرحا لإلقاء خطابات لا تمس مشكلات حقيقية للمواطن العربي، ولا تقدم له حلولا يجد أثرها في حياته. فإذا كانت الدعوة للقمة الاقتصادية النوعية هي نوع من الهروب من القمم العربية التي يغلب عليها الطابع السياسي، فإن الأداء الاقتصادي البطيء أو الرتيب في ظل مؤسسات عمل عربي يغلب عليها الطابع الروتيني الحكومي سوف يؤدي إلى مزيد من انصراف المواطن العربي عن هذه القمة الوليدة.

الأمر الثاني الذي قد يؤثر بشكل ملحوظ على النتائج الإيجابية للقمم الاقتصادية العربية القادمة، هو أن تطول الفترات الانتقالية في دول الثورات العربية، أو أن تتطور حالة عدم التعاون أو الرضا من قبل بعض النظم العربية مع دول ثورات الربيع العربي، مما يعمق مشكلاتها الاقتصادية وبالتالي يمتد هذا التأثير عربيًا، وتكون له دلالاته السلبية على القمة الاقتصادية العربية القادمة المقرر لها أن تنعقد في تونس عام 2015.  
ــــــــــــــــــــ
كاتب مصري 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة