خلاف بشأن تنمية المناطق الفقيرة بتونس   
السبت 1434/5/12 هـ - الموافق 23/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 18:27 (مكة المكرمة)، 15:27 (غرينتش)
خبير تونسي اقترح إبرام صلح قضائي مع رجال أعمال متورطين بالفساد مقابل استثمارهم بالمناطق الفقيرة (الفرنسية-أرشيف)

خميس بن بريك-تونس

لم تحرز محاكمة رجال الأعمال التونسيين الذين تورطوا في فساد مالي أي تقدم، مما حدا بأحد خبراء القانون بتقديم مقترح لإقامة صلح قضائي معهم، لقاء التزامهم بإنجاز مشاريع في مناطق فقيرة في تونس، وهو ما أحدث ردود فعل متباينة.

ويترقب عشرات رجال الأعمال -الذين صدرت بحقهم بعد الثورة إجراءات تحفظية تقضي بمنعهم من السفر- مصيرهم بحذر ولا سيما ممن تحوم حولهم شبهات الفساد مع نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، إلا أن هذه الإجراءات أزعجت أوساط رجال الأعمال الذين أصبحوا مترددين في الاستثمار.

وسعيا لضرب عصفورين بحجر واحد اقترح أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد -أحد الخبراء البارزين- أن تتم تسوية ملف رجال الأعمال بإبرام صلح قضائي، مقابل حملهم على إنجاز مشاريع بجهات فقيرة قبل منحهم "صك الغفران".

الاستثمار مقابل العفو
ويتمثل مقترح قيس سعيد في إحداث هيئة عليا للعدالة الانتقالية تشرف على ست دوائر تتكون من قضاة وخبراء للنظر في قضايا الفساد السياسي والإداري، والفساد الاقتصادي والمالي، وشهداء وجرحى الثورة، وقضايا حقوق الإنسان، وجبر الأضرار، والأرشيف الوطني.

سعيد: أردت بمقترحي أن تعود الأموال المنهوبة للشعب التونسي مباشرة (الجزيرة)

ويقول سعيد للجزيرة نت إن تسوية ملفات رجال الأعمال تتم عن طريق الدائرة المكلّفة بالفساد الاقتصادي والمالي، التي تنظر في ملفاتهم ثم ترتبهم ترتيباً تنازلياً من الأكثر تورطاً إلى الأقل تورطاً، على حد قوله.

وبعدها تقوم الدائرة بترتيب المناطق المحرومة في تونس ترتيباً تنازلياً من الأكثر فقرا إلى الأقل فقرا على أن يتبنى رجال الأعمال الأكثر فسادا إحداث مشاريع بالمناطق الأكثر فقرا، ثم تعود ملكية المشاريع "إما للدولة أو الأهالي".

ولا تتم التسوية النهائية -حسب سعيد- إلا بعد استظهار رجال الأعمال بملفات تفيد إنجازهم للمشاريع قصد التثبت من إنجازها، على أن يلتزموا بإصلاح العيوب التي قد تطرأ على المشاريع خلال مدة لا تقل عن عشر سنوات.

ويقول "أردت من خلال المقترح أن تعود الأموال المنهوبة للشعب التونسي مباشرة"، مقدرا أن تبلغ قيمة هذه الأموال حوالي 13 مليار دينار (8.2 مليارات دولار) أي قرابة نصف موازنة البلاد لعام 2013.

ترحيب رسمي
ولقي هذا المقترح قبولا كبيرا في الأوساط الشعبية التي تطالب بالتنمية والتشغيل كما قوبل بترحيب رسمي، حيث أكد رضا السعيدي المستشار المكلف بالملف الاقتصادي والاجتماعي لرئيس الحكومة للجزيرة نت أنّ مقترح "الصلح القضائي" سيناقش قريبا في إطار مجلس وزاري.

وأشار السعيدي إلى أن رئيس الحكومة علي العريض سيجتمع مطلع الأسبوع المقبل مع رئيسة اتحاد أرباب الأعمال وداد بوشماوي للحديث بشأن الموضوع الذي تتابعه جهات رسمية عديدة، منها المجمع القضائي والمالي ووزارة العدل ووزارة حقوق الإنسان.

السعيدي: مجلس الوزراء سيدرس تقديم مقترحا تفاعلا مع مقترح قيس (الجزيرة)

ويقول السعيدي "ملف رجال الأعمال سيدرس بمجلس وزاري لتقديم مقترح تفاعلاً مع مقترح قيس سعيد لأن لنا زاوية نظر أخرى وسنتحاور مع جميع الأطراف المتدخلة لتسريع اتخاذ القرارات".

وعن سبب التباطؤ في معالجة ملفات رجال الأعمال الممنوعين من السفر، الذين يقدّر عددهم رسميا بقرابة ثمانين شخصا من جملة 460 ممنوعا من السفر من سياسيين وإداريين، يقول السعيدي إن "التأخير ناتج عن بطء نسق عمل القضاء لكثرة الملفات".

وشدد على أن الحكومة عازمة على التسريع في تسوية ملف رجال الأعمال لدفع مشاريع التنمية في المناطق الفقيرة، التي شهدت بعد الثورة سلسلة من الاحتجاجات وحالة من الاحتقان بسبب تردي الأوضاع.

رأي مخالف
غير أن اتحاد أرباب الأعمال -الذي يضم حوالي 125 ألف منخرط من رجال الأعمال وأصحاب مشاريع ومهنيين وحرفيين- له موقف مغاير تماما من المقترح الذي قدمه قيس سعيد.

الغرياني: مقترح قيس سعيد ينطوي على نظرة عقابية للاستثمار (الجزيرة)

وفي هذا السياق يقول خليل الغرياني -عضو المكتب التنفيذي لاتحاد أرباب الأعمال- للجزيرة نت "نحن غير مقتنعين بهذا التصور"، مشككا في الوقت نفسه بمصداقية الأرقام التي قدمها قيس سعيد عن قيمة الأموال المنهوبة.

وانتقد إطلاق أحكام مسبقة على رجال الأعمال قبل أن تتم محاكمتهم، مطالبا بالتسريع في فتح ملفاتهم حتى لا يؤثر ذلك سلبا على صورة رجال الأعمال وعلى مناخ الاستثمار في تونس، وفق قوله.

ويقول الغرياني إن الاستثمار يقوم على ركائز أساسية كالأمن والاستقرار وتطوير البنى التحتية والتدريب المهني والتشريعات والإجراءات الإدارية، مستغربا مما أسماه "نظرة عقابية" للاستثمار في مقترح قيس سعيد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة