أميركا تقاوم وأوروبا تغرق والاقتصادات الناشئة تزدهر   
الاثنين 1434/2/18 هـ - الموافق 31/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 2:31 (مكة المكرمة)، 23:31 (غرينتش)
الأزمة المالية مستمرة، ومقاربات معالجتها فشلت لحد الآن في القضاء على تأثيراتها  (رويترز)
  محمد أفزاز

رغم الاجتماعات الماراثونية والقرارات الاستعجالية، لم تفلح الدول الغربية خلال العام 2012 في تطويق تأثيرات الأزمة المالية العالمية المستمرة منذ خمس سنوات، وما أفرزته من أزمة للديون السيادية في منطقة اليورو.

فقد ظل الخلاف سيد الموقف بشأن رسم خارطة الاقتصاد العالمي، واستعادة الاستقرار المالي في الأسواق، بين دول ترى في سياسة التقشف وخفض النفقات مخرجا للأزمة، كما هو الحال بالنسبة لألمانيا، وبين دول تعتقد بأن سياسة التحفيز الاقتصادي وضخ سيولة إضافية في الأسواق تشكل الطريق الأسلم لبلوغ حالة الانتعاش، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة.

أما في المنطقة العربية فقد حمل العام 2012 حركة لتدفق رؤوس الأموال من منطقة الشرق الأوسط وآسيا نحو دول الربيع العربي لدعم مساعي هذه الدول في مسارها نحو التحول إلى الديمقراطية.

المتساقطون
ولئن كان الاقتصاد الأميركي -بؤرة الأزمة العالمية- قد بدأ يتلمس طريقه نحو التعافي المشوب بالحذر من وقوع الولايات المتحدة في شراك "الهاوية المالية"، فإن منطقة اليورو ما تزال تحصي ضحاياها من الدول التي ألجمتها الديون، فعطلت حياتها الاقتصادية وتدهورت أوضاعها الاجتماعية وأُسقطت قياداتها السياسية.

فما إن يجتمع القادة والسياسيون والاقتصاديون للاتفاق على إطلاق خطة إنقاذ لفائدة اليونان المهددة بالخروج من الوحدة النقدية الأوروبية في أي وقت، حتى تطل أزمات أخرى برؤوسها ليضطر هؤلاء القادة إلى الاجتماع مرات ومرات للنظر في إقرار خطط جديدة، لكن هذه المرة لفائدة إسبانيا أو إيرلندا أو قبرص، فضلا عن متابعة الوضع في إيطاليا والبرتغال، والقائمة مرشحة للاتساع.

تهديدات
والحالة هذه لم يكن أمام فرنسا وألمانيا تحديدا -كأكبر اقتصادين أوروبيين- بدٌّ من ممارسة مزيد من الضغط على الاقتصادات الضعيفة، لحملها على تبني سياسات تقشف بهدف خفض مستويات عجز الموازنات العامة، وهي سياسات ما لبثت أن أشعلت فتيل الاحتجاجات وشرارات الإضرابات التي طالت دولا لم تحتقن حياتها الاجتماعية منذ أكثر من عقدين، كما هو الشأن بالنسبة لبلجيكا.

كما أدت هذه الضغوط إلى حالة من تبادل الاتهامات بين رئيس مجلس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني الذي اتهم ألمانيا بتسببها في ما تشهده بلاده من تدهور، ووزير الخارجية الألماني فيسترفيله الذي ألمح إلى أن مثل هذه التصريحات قد تهدد السلام الأوروبي الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية.

مربع الصفر
وحتى عندما ظهر بصيص من الأمل ليضيء الطريق مع توصل الحكومات الأوروبية إلى اتفاق بشأن إنشاء هيئة رقابية موحدة على البنوك، مما اعتبر مؤشرا على بداية سيطرة الاتحاد على أزماته المالية، ومع إقرار حزمة مساعدات جديدة لليونان بقيمة 50 مليار يورو تجنب البلاد إمكانية خروجها من اليورو، جاء الإعلام ليطالعنا باعتراض ميركل -ومن ورائها ألمانيا- على ماهية هذه الهيئة ووظائفها الأساسية، وهو ما يشي بعودة الخلاف الأوروبي إلى مربع الصفر.

الصين التي يتوقع أن تقود حالة التعافي الدولي عامي 2013 و2014 بمعدلات نمو لاقتصادها بأكثر من 8%، تحث الخطى لتعتلي عرش الاقتصاد العالمي

ربيع أم خريف عربي؟
وعلى الضفة الأخرى من كوكب الأرض، وبالضبط في المنطقة العربية، انضافت تأثيرات الأزمة المالية إلى استمرار حالة عدم الاستقرار واللا يقين السياسي لتجهز على أحلام الثوار بحصول إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة، على الأقل حتى اللحظة.

ذلك أن الأزمة المالية أجبرت الدول العظمى -أو هكذا تقول- على التخلف عن الوفاء بوعودها بدعم دول الربيع العربي، إلا ما كان من مبالغ مشروطة من صندوق النقد الدولي أو البنك العالمي أو الاتحاد الأوروبي، ليبقى الأمل معقودا على التعاون العربي الذي ترجمته التدفقات المالية من قطر والسعودية ثم الإمارات والكويت، فضلا عن التعاون العربي التركي.

أما حالة عدم الاستقرار نتيجة استمرار الاضطرابات، وفي ضوء الفشل حتى الآن في استكمال بنية الدول الحديثة، فقد بطّأت النمو الاقتصادي وهجّرت الاستثمارات الأجنبية، وقلصت من تدفقات العملة الصعبة، والحديث هنا يستثني سوريا التي انكمش اقتصادها بعشرات المرات، واليمن الذي ما زال يقبع في قاع البئر السياسي.

رب ضارة نافعة
وإن كان من الجائز القول إن الأزمات تولّد الفرص، فإن المستفيد الأكبر من تردي الأوضاع الاقتصادية عالميا -وعلى قاعدة "رب ضارة نافعة"- هي دول شرق آسيا وعلى رأسها الصين، ثم دول أميركا اللاتينية وفي مقدمتها البرازيل، ثم تركيا ودول الخليج العربي المدعومة بفوائض مالية ضخمة.

فهذه الصين التي يتوقع أن تقود حالة التعافي الدولي عامي 2013 و2014 بمعدلات نمو لاقتصادها بأكثر من 8%، تحث الخطى لتعتلي عرش الاقتصاد العالمي. أما البرازيل فقد أزاحت بريطانيا لتصبح سادس قوة اقتصادية عالمية، في حين باتت قطر بصندوقها السيادي اللاعب الأبرز في سوق الاستثمارات العالمية.

ويبقى الوضع في العام 2013 مفتوحا على أكثر من سيناريو واحتمال، بين إمكانية استمرار الأزمة كما ينذر البعض بأنها لن تخفت إلا مع حلول العام 2017، وبين من يتفاءل بقرب ساعة الانفراج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة