البطالة في تونس.. تركة متواصلة   
السبت 1/3/1437 هـ - الموافق 12/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 1:58 (مكة المكرمة)، 22:58 (غرينتش)
خميس بن بريك-تونس

في أحد مقاهي
العاصمة تونس يجلس سليم وأصدقاؤه العاطلون عن العمل لتبادل الأخبار والحديث عن مستجدات سوق العمل، في بلد يعاني من أزمة اقتصادية عمقت أكثر أزمة البطالة لدى الشباب، رغم أن الحكومة تحاول التخفيف من حدتها.

يتذكر سليم خطاب التهدئة الذي ألقاه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي قبل سقوطه منذ خمسة أعوام، حيث وعد بإيجاد حلول لأزمة البطالة، وتوفير نحو ثلاثمئة ألف موطن شغل، متسائلا: إن كان الشباب التونسي قد تسرع بقيامه بثورة؟

يعاني هذا الشاب (27 عاما) -الحاصل على دبلوم في الكهرباء الصناعية قبل أربعة أعوام- من بطالة خانقة بسبب ما عدّه غياب الحلول الملائمة، وانخفاض فرص التوظيف في اختصاصه، وهو ما أبقاه معتمدا منذ سنوات على نفقات والده.

إحباط شديد
يقول سليم إنه يشعر بإحباط شديد بسبب تأزم الوضع الأمني والاقتصادي للبلاد، فرغم أنه يواظب على الذهاب إلى مكتب التشغيل وقراءة إعلانات الجرائد والمواقع الإلكترونية، لم يعثر على وظيفة شاغرة تستجيب لمؤهلاته العلمية.

سليم (يمين) وأصدقاؤه يبحثون عن بدائل منها الهجرة (الجزيرة)

لا يفكر هذا الشاب في أي مشروع خاص، بدعوى أنه لا يملك رأس المال، وأن البنوك تفرض شروطا مجحفة لتقديم تمويلات، بينما أصبح -كغيره من الشباب- يبحث عن تأشيرة للهجرة إلى فرنسا ليلتحق بأحد أقاربه بحثا عن مستقبل أفضل.

ومع تزايد معدل البطالة في تونس الذي بلغ 15.3% هذا العام، بدأت موجة الهجرة النظامية وغير النظامية في الارتفاع، ناهيك عن بروز ظواهر أخرى في المجتمع كالانتحار والانحراف.

وبحسب معطيات وزارة التشغيل، بلغ عدد العاطلين عن العمل في تونس هذا العام نحو 420 ألف شخص بينهم نحو 240 ألفا من حاملي الشهادات العليا، علما بأن الفئة العمرية الأكثر تضررا بالبطالة تتراوح بين 15 و29 عاما.

عوامل فاقمت الأزمة
وزاد من وطأة أزمة البطالة بالبلاد تراجع نسبة النمو لما يقارب الصفر هذا العام، حيث تم تسريح آلاف العمال من المصانع والفنادق بسبب الهجمات التي شهدتها البلاد، والتي أثرت على قطاعي الاستثمار والسياحة، فضلا عن عودة آلاف العمال التونسيين من ليبيا نتيجة توتر الأوضاع.

بن عمار فقد وظيفته بعد هجوم سوسة (الجزيرة)

علي بن عمار وجد نفسه خارج الفندق الذي كان يعمل به في محافظة سوسة (وسط البلاد)، حيث تعرضت الصيف الماضي إلى هجوم استهدف سياحا، والآن أصبح هذا الرجل الذي يعيل تسعة أطفال بلا عمل في بلدته سيدي بوزيد (جنوبي البلاد).

واشتعل الشيب في رأسه ولحيته، وبدا كأنه عجوز هرم مع تردي أوضاعه الاجتماعية، إذ يشير إلى أنه أصبح عاجزا عن تلبية حاجات عائلته من مصاريف الأكل والشرب والأدوية لزوجته المصابة بالسكري.

ويرى هذا الرجل أن الثورة التونسية لم تحقق أهدافها في التنمية والشغل، قائلا "الوضع صعب كثيرا وزاد سوءا؛ في السابق كان الجميع ينعم بالأمن، وكان بإمكاننا السفر للعمل في محافظات أخرى، لكننا اليوم أصبحنا نخشى من كل شيء".

تشكيك بالمنوال الاقتصادي
من جهة أخرى، يقول النقابي والنائب في البرلمان عدنان الحاجي للجزيرة نت إن تونس تعاني من انتشار مخيف للبطالة، خاصة في المناطق الفقيرة التي كانت محرومة من التنمية منذ عقود في فترة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وزير التشغيل: الحكومة تسعى لمساعدة خمسين ألف عاطل (الجزيرة)

ويرى الحاجي أن الحكومات المتعاقبة واصلت إلى اليوم الاعتماد على منوال اقتصادي أثبت فشله في العهد السابق، وأدى إلى اندلاع الثورة بسبب تفاقم معدلات البطالة والفقر والفوارق الجهوية، منتقدا في الوقت نفسه ما يراه غيابا لمشاريع القطاع الخاص لخلق التنمية والشغل بالمناطق الفقيرة.

وتسعى الحكومة التونسية العام القادم إلى خلق نحو 16 ألف موطن شغل، سيتجه منها 12 ألف موطن بالتساوي إلى وزارتي الداخلية والدفاع بهدف تعزيز الأمن وتحقيق الاستقرار.

إلى ذلك، قال وزير التشغيل زياد العذاري للجزيرة نت إن الحكومة أطلقت برنامجا يحمل اسم "فرصتي" لاستهداف خمسين ألف عاطل عن العمل من أجل مساندتهم لإيجاد شغل يتلاءم مع حاجات سوق الشغل وينسجم مع مؤهلاتهم التكوينية.

وأضاف أن الحكومة على وعي بصعوبة نفاذ العاطلين عن العمل إلى سوق الشغل، وأنها ستعمل على المديين المتوسط والبعيد لإصلاح منظومة التعليم والتكوين لتستجيب أكثر مع حاجات سوق الشغل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة