التنمية والتضخم في دول الخليج   
الأحد 1428/12/28 هـ - الموافق 6/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:38 (مكة المكرمة)، 12:38 (غرينتش)


د.هَمّام الشمّاع

-العملات الخليجية والارتباط بالدولار
-النمو المتسارع وتفاوت النمو القطاعي
-زيادة الأجور والرواتب
-ارتفاع الإيجارات
-فقاعة أسواق الأسهم
-فوائض كبيرة سائلة لدى البنوك
-تجارب في معالجة التضخم

باستثناء الصين والهند فقد حققت الاقتصادات الخليجية أعلى معدل للنمو في العالم في الأعوام 2006 و2007، حيث سجلت معدلات نمو غير مسبوقة في هذين العامين تراوحت بين 6% و7%.

ولدى معاينة مؤشرات الأداء الاقتصادي في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في السنوات الخمس الأخيرة، نجد تماثل دول المجلس الست مع تفاوت بسيط في معدلات نموها السنوية، حيث تميزت بالارتفاع الكبير، وهو أمر يعزى أولا إلى الارتفاع الكبير لحصيلة عائداتها من صادرات النفط والغاز، مما جعل المحصلة النهائية للتنمية في دول الخليج استثنائية إجمالا.

وبغض النظر عما إذا كانت هذه التنمية مستدامة أم لا, فقد خلقت حالة من الازدحام الاستثماري أدت إلى ارتفاع كلفة التنمية بسب محدودية الطاقة الاستيعابية. ونتيجة لذلك, و
منذ نهاية العام 2006 حيث حدث الانهيار في معظم البورصات الخليجية، تركزت التوقعات في أن يكون 2007 هو عام الارتفاع القياسي في مستويات التضخم.

"
توقعات باستمرار ارتفاع معدلات التضخم في الخليج عام 2008  والأرقام المعلنة غير موثقة من قبل المؤسسات الاقتصادية المستقلة
"

وأشارت نفس التوقعات إلى أن الأمر لن يتوقف عند 2007، فالعام 2008 سيشهد استمرار الارتفاع في التضخم، خصوصا وأن الأرقام المعلنة غير موثقة من قبل المؤسسات الاقتصادية المستقلة، بسبب عوامل اجتماعية داخلية كثيرة، وهو أمر طبيعي حتى عالميا.

وتعتبر مستويات التضخم في دول الخليج أعلى من الأرقام المعلنة فالمستويات الحقيقية للتضخم بدول الخليج قد تزيد من 50 إلى 100%عن الأرقام المعلنة. وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى أن التضخم يبلغ في الإمارات نحو 9%، فإنه وفقا لدراسات وتقارير غير رسمية, قد يصل إلى 15%، وفي قطر يتراوح بين 18 إلى 20% في حين تشير الأرقام الرسمية إلى أنه 13%.
وفي السعودية أكبر دول المنطقة التي تحتوي على أكبر كميات من احتياطيات النفط، يصل التضخم إلى ما بين 7 إلى 8%، بينما الأرقام الرسمية تشير إلى أنه نحو 5%.

ورغم تشابه البنى الاقتصادية لدول مجلس التعاون, إلا أن تفاوتا ملحوظا يمكن أن تلمسه في معدلات التضخم فيها، مرده التباين في معايير قياس التضخم من دولة إلى أخرى، فضلاً عن اختلاف سنة الأساس لقياس التضخم.

وبديلا عن هموم أسواق الأسهم التي انهارت وشغلت الخليجيين كثيرا في عام 2006 , فإن الشارع الخليجي لم ينشغل بقضية اقتصادية في تاريخه كما ينشغل في الفترة الحالية بالتضخم، إذ يطغى حديث الخليجيين عن التضخم هذه الأيام على أي حدث آخر، فالحديث عن التضخم ومسبباته وعلاجه محل كل الاهتمامات الأخرى، وتتبعه بالنتيجة نقاشات معمقة ومستفيضة عن دور التضخم المستورد عبر تراجع قيمة الدولار الذي ترتبط عملات دول الخليج به بسعر ثابت.

عوامل التضخم
1) العملات الخليجية والارتباط بالدولار
"
انقسام الرأي الفني بشأن مسألة فك الارتباط بالدولار الأميركي باعتبارها أحد أهم الحلول المطروحة لمواجهة التضخم والتقليل من تأثير الدولار الضعيف
"
ينقسم الرأي الفني بشأن مسألة فك الارتباط بالدولار الأميركي باعتبارها أحد أهم الحلول المطروحة لمواجهة التضخم والتقليل من تأثير الدولار الضعيف. فالعديد من المسؤولين الحكوميين الخليجيين يعربون عن ثقتهم بأن مسألة ضعف الدولار آنية ولن تستمر طويلا، في الوقت الذي يرى خبراء أن على الدول الخليجية الاتفاق على آلية جديدة لتسعير عملاتها للتخلص من الآثار قصيرة وبعيدة الأمد لضعف الدولار.

ويعتقد هؤلاء الخبراء أن أزمة السيولة وضعف الاقتصاد الأميركي يقابلها نشاط كبير في الاقتصاديات الخليجية، وسيولة مرتفعة يتوقع أن تشكل الملاذ الأخير للإقراض للمؤسسات العالمية عامة والأميركية خاصة على المدى القصير على الأقل.

لذلك فإن من الطبيعي توقع استمرار التضخم بمستوياته الحالية مع استمرار الضعف الحالي للدولار بسبب ارتفاع فاتورة الواردات، وهو ما سيستمر بالانعكاس سلبا على مستويات التضخم الخليجية في عام 2008.

وتبرز حدة مشكلة انعكاس أثر تراجع قيمة الدولار على التضخم, عندما نعرف أن نحو 35% من واردات دول مجلس التعاون الخليجي هي من أوروبا، وأن نسبة الواردات من الولايات المتحدة لا تشكل أكثر من 10% .

ونتيجة لذلك وبسبب تراجع الدولار فقد انخفض الدرهم الإماراتي على سبيل المثال منذ مطلع 2005 وحتى نهاية 2006 بنسبه 49% مقابل اليورو, وهذا يعني أن قيمة السلع المستوردة من قبل الإمارات من الاتحاد الأوروبي قد ارتفعت 49%. وما ينطبق على الإمارات يسري على دول الخليج باستثناء الكويت التي تخلت عن ربط عملتها بالدولار.

2) النمو المتسارع وتفاوت النمو القطاعي
لا يعتبر التضخم وليد الارتباط بالدولار فقط، وإنما يعود أيضا إلى الإنفاق الحكومي للإيرادات النفطية الهائلة الناجمة عن ارتفاع أسعار الخام إلى نحو خمسة أمثال ما كانت عليه في 2002.

كما أن النمو المتسارع جراء حسن استغلال الإيرادات النفطية لا بد أن يحمل معه قدرا من التضخم، وذلك لتفاوت نمو القطاعات ونمو بعضها بصورة أسرع من الأخرى، مما يخلق عدم تناسب مؤقت، وبالتالي ترتفع الأسعار لفترة ثم تعود لمرحلة التعادل. وهذا هو الجزء المحلي من التضخم وهو ما يلاحظ في سوق العقار.

والتضخم الذي يجتاح منطقة الخليج الآن بدأ مع تراكم الأموال والاتجاه الكبير للبناء والتوسع في المشاريع العامة والخاصة، والتوجه الحاد إلى الاستثمار والاستهلاك وما تتطلبه هذه الحركة الاقتصادية من السلع بمختلف أنواعها والمزيد من العمالة.

3) زيادة الاجور والرواتب
رفعت الحكومات الخليجية أجور ورواتب القطاع العام بما بين 15 و40% عام 2007، ووصلت الزيادة في الإمارات إلى 70%، سيبدأ تطبيقها اعتبارا من بداية عام 2008.

وهناك من يعتقد بأن الطفرة الاقتصادية في الخليج في الأعوام الماضية كانت مصحوبة بزيادة في مستوى الأجور تتراوح ما بين 15% و24%. وأمام تلك الزيادة، رفع القطاع الخاص الرواتب والأجور بنسب بلغت بالمتوسط في دول المجلس الست 9%.

وفي حالة استثناء سلطنة عمان، نجد أن أعلى نسبة ارتفاع في الأجور كانت في الإمارات وقطر، وهما الأكثر تنافسا على جذب العمالة الماهرة إلى القطاع الخاص.

وقد أسهم نمو الاقتصاد الهندي بمعدلات كبيرة في السنوات الأخيرة في زيادة الرواتب في دول الخليج، وذلك للمحافظة على عوامل الإغراء الأساسية في استقدام العمالة. الأمر الذي جعل قطاع الإنشاءات يشهد أعلى معدل زيادة في الأجور, يليه قطاعا الطاقة والبنوك اللذان يحتاجان للعمالة الماهرة، ويتنافسان في السوق على عرض محدود منها.

وتعتبر الزيادات في أجور الوافدين خصوصا من العمالة غير الماهرة الآسيوية بشكل أخص أقل تأثيرا في نتائجها التضخمية من زيادة أجور ورواتب الأيدي العاملة الماهرة ذات الميل الحدي العالي للاستهلاك، والميل الحدي المنخفض للادخار وبالذات الأيدي العاملة المواطنة.

"
تحسن معدل الأجور ليس بالأمر الأهم مقارنة مع نتائجه المتمثلة بارتفاع كلفة المعيشة خليجيا بنحو 24% في المتوسط في الـ12 شهرا الماضية
"
ولكن تحسن معدل الأجور ليس بالأمر الأهم مقارنة مع نتائجه المتمثلة بارتفاع كلفة المعيشة بنحو 24% في المتوسط في الـ12 شهرا الماضية، حيث ارتفعت كلفة المعيشة في الإمارات 28% في عام، واقترب الارتفاع من 27% في الكويت وقطر، و20% في السعودية، وكانت البحرين هي الدولة الخليجية الأقل في ارتفاع كلفة المعيشة التي بلغ فيها نحو 19%.

وأظهر تقرير أصدره موقع متخصص في تقييم الوظائف، أن ارتفاع معدل المعيشة في المنطقة كان مخالفا للتوقعات التي تنبأت بمعدلات أقل من الارتفاع الذي صاحبه عدم رضا شعوب المنطقة بمستوى الأجور. وهذا يعني أن الحلقة المفرغة للتضخم سوف تتواصل.

والمثير للاهتمام أن الارتفاعات الحقيقية لتكاليف المعيشة في دول الخليج كانت ستتعدى هذه الأرقام لولا الدعم الحكومي للأسعار في الأسواق. حيث قُدر أن نسبة الارتفاع في كلفة المعيشة في الـ12 شهرا المقبلة كانت سترتفع إلى أكثر من 33% في البحرين والإمارات، ونحو 32% في قطر، و28% في الكويت، و27% في السعودية لولا الدعم الحكومي للأسعار.

4) ارتفاع الإيجارات
ارتفعت الإيجارات بنسب تراوحت بين 25 و60% في معظم دول الخليج، وانعكست بشكل مباشر على معدل التضخم، ويعود التفاقم في أزمة السكن إلى استمرار ازدياد الطلب على الوحدات السكنية والمكتبية في السنوات الماضية، والتي يرجح استمرارها للسنوات المقبلة إلى حين دخول وحدات جديدة إلى السوق.

كما تعود أسباب ازدياد الطلب إلى استمرار توافد الأيدي العاملة الأجنبية إلى المنطقة متحفزة بنمو حجم الأعمال والذي يعود بدوره إلى تسارع وتيرة التنمية, غير أن الطفرة في عوائد الاستثمار العقاري في دول الخليج التي حفزتها وفرة الموارد المالية والطفرة العقارية في معظم الدول الصناعية المتقدمة, جعلت الاستثمار العقاري يتركز في الوحدات الفخمة بعيدا عن تلبية الطلب السكني المتواضع لغالبية طالبي السكن.

وأحدث ذلك موجة كبيرة من الزيادة العامة في الطلب على الوحدات السكنية مكنت الشركات العقارية المستثمرة في البناء الفخم من رفع الأسعار، وساعدها في ذلك وفرة السيولة المالية وكذلك السماح بدخول شرائح جديدة من المستثمرين الأجانب، وفسح المجال أمام إنشاء شركات جديدة سواء للاستثمار أو التمويل العقاري أو الخدمات العقارية. كما أن المصارف ساهمت إيجابا في تأمين التمويل اللازم وأحيانا التمويل المفرط، على شكل قروض ميسرة وطويلة الأجل لتمويل بناء عقارات أو شرائها.

5) فقاعة أسواق الأسهم
ساعد الارتفاع الهائل في مؤشرات الأسواق المالية في العام 2005 في توسيع سلسلة آثار نفسية وسلوكية على المستثمرين في البورصات، دفعت باتجاه الإنفاق التبذيري والهدر في الموارد، حيث أسهمت الأرباح السريعة السهلة في تكوين أنماط سلوكية للإنفاق أسهمت في رفع وتيرة التضخم. ولكن حركة التصحيح المعمقة التي دخلت الأسواق في منتصف العام 2006، لم تتمكن من إعادة توجيه وترشيد هذا السلوك الذي بقي ملازما للشرائح المترفة بشكل خاص،
مدعوما بتزايد الإيرادات النفطية.

6) فوائض كبيرة سائلة لدى البنوك
أسهم التطور الذي شهده القطاع المصرفي تقنيا والتوسع الذي دفع إلى ترسيخ العادات المصرفية في ظل نمو مضطرد للصيرفة الإسلامية، في تراكم سيولة هائلة لدى الجهاز المصرفي في دول الخليج, كان على المصارف ابتكار الوسائل الكفيلة باستغلالها. وبرز من بين تلك الوسائل القروض الشخصية التي يتم الترويج لها بكل الوسائل والتي اتجهت في معظمها إلى الاستهلاك المعتمد غالبا على الاستيراد الذي ينقل التضخم من المنشأ.

"
معالجة التضخم في دول الخليج أسهل من معالجته في الدول المتقدمة أو الاقتصادات النامية غير النفطية بسبب الوفرة المالية
"
تجارب في معالجة التضخم
تعتبر معالجة التضخم في دول الخليج أسهل من معالجته في الدول المتقدمة أو الاقتصادات النامية غير النفطية، لسبب بسيط وهو الوفرة المالية. فمعظم الطلب يتم تغطيته عن طريق الاستيراد.

وسواء كان التضخم ناجما عن زيادة الطلب أو عن ارتفاع كلفة السلع المستوردة, فإن الموضوع يمكن أن يتم بزيادة المعروض السلعي أو من خلال التحكم بسعر الصرف.

وتلعب السياسة النقدية في الدول الصناعية دورا حاسما في التحكم بالتضخم، حيث تغير البنوك المركزية في دول العملات الرئيسة أسعار الفائدة مرارا تبعا للمتغيرات في معطياتها الاقتصادية، دون إهمال الوسائل الكمية التقليدية المعروفة في السياسة النقدية.

"
دول الخليج بحاجة إلى تنسيق السياسات النقدية والمالية ليس فقط لمكافحة التضخم وإنما أيضا لخلق الظروف المناسبة لاستقبال الوحدة النقدية في عام 2010 
"
وتحتاج دول الخليج إلى تنسيق السياسات النقدية والمالية ليس فقط لمكافحة التضخم آفة التنمية, وإنما أيضا لخلق الظروف المناسبة لاستقبال عام 2010 عام الوحدة النقدية، على أسس سليمة وذلك من خلال رفع أسعار الفائدة بما يؤدي إلى ضبط حجم السيولة في التداول والحد من الإنفاق، مقابل تشجيع الادخار وزيادة الاستثمار وبما يؤدي إلى عدم إلحاق أضرار بالطلب وإبطاء النمو الاقتصادي.

كما تحتاج دول الخليج إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي العام, إذ إن ذلك أسهل بكثير من ترك النمو ضحية لاستفحال التضخم مع كل ما يترتب عليه من أضرار بالغة تتعدى الاقتصاد إلى مجالات عديدة أخرى.

وتحتاج دول الخليج أيضا إلى إنشاء وتوحيد أنظمة ضريبة دخل مباشرة تسهم في تمويل الإنفاق الحكومي من مصادر ذات أثر محايد على التضخم، كونها مقتطعة من دورة الدخل، ووضع خطة للأثمان يحدد بموجبها السقف الائتماني للقروض الشخصية، تحت رقابة صارمة من البنوك المركزية في المنطقة.

ومما يلائم استقبال الوحدة النقدية وضع وتفعيل أنظمة وتشريعات محاربة الاحتكار، وتفعيل وسائل زيادة الشفافية في مجال التجارة والأسعار العالمية، من أجل تقليص هامش الاستغلال والتلاعب وخلق حوافز ضريبية للشركات العقارية للتوجه نحو البناء الإسكاني المتواضع الذي يتناسب مع الطلب.
____________________________
مستشار اقتصادي في شركة الفجر للأوراق المالية الإماراتية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة