بين الاقتصاد والحرية   
الثلاثاء 1432/5/24 هـ - الموافق 26/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 12:29 (مكة المكرمة)، 9:29 (غرينتش)

اندفع الشباب للمطالبة بحقوقهم بعد فشل الحكومات في تحقيق طموحاتهم (رويترز–أرشيف)

 

في عام 1959 كتب العالم السياسي والاجتماعي الأميركي سيمور مارتن ليبسيت "كلما زادت الدولة غنى، كانت الفرصة أكبر للمحافظة على الديمقراطية".

 

وقد أصبحت تلك المقولة حكمة يتناقلها العامة لتعني أن الثروة هي نتاج الحرية السياسية.

 

لكن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط قلبت تلك النظرية رأسا على عقب.

 

وفي مقال نشرته صحيفة فورين بوليسي الأسبوعية، قال تشارلز كيني مؤلف كتاب "لماذا تنجح التنمية الدولية وكيف يمكننا تحسين وضع العالم", والعضو في مؤسسة أميركا الجديدة، قال إن من المؤكد أن المعدلات العالية للنمو الاقتصادي لم تكن الدافع وراء المد المطالب بالحقوق السياسية.

 

ففي كل منطقة الشرق الأوسط تراوح معدل النمو الاقتصادي أكثر بقليل من 1% سنويا خلال الثلاثين سنة الماضية.

 

وفيما عدا نمو مجموعة من أصحاب المشروعات من الطبقة الوسطى، تطور بالكاد القطاع الخاص، بينما اقتصرت الفرص في قطاع الأعمال على قلة محظوظة.

 

وقد هيأت تلك الظروف البيئة المواتية للطغاة والمستبدين، بينما استبعدت بالطبع مؤيدي الديمقراطية.


 

الحريق الهائل

وفي نهاية المطاف، جاء محمد البوعزيزي بائع الفاكهة المضطهد في بلدة سيدي بوزيد التونسية, الذي سبب إشعاله النار في نفسه إضرام حريق هائل في العالم العربي.

 

وعليه, فهل يمكن القول إن عكس نظرية ليبسيت هو الصحيح، وإن غياب الفرص الاقتصادية هي التي مهدت الطريق أمام هذا المد نحو الديمقراطية"؟

 

يقول تشارلز كيني إن النمو الاقتصادي هو مدعاة للارتياح والرضا الشعبي والاستقرار في كل من الدول الديمقراطية والمستبدة على حد سواء. لكن إن كنت تريد حقا الحديث عن الانتقال من الحكم الفردي أو الاستبدادي إلى الديمقراطية, فلعل أفضل رهان لك هو مزيج من الكساد الاقتصادي مقترن بتدفق من الطموحات التي يتم تحقيقها.

"

في مصر ارتفعت نسبة دخول الشباب إلى الجامعات من 14% إلى 28% في العقدين الماضيين، وارتفعت في تونس من 8 إلى 34% في نفس الفترة، وفي ذات الوقت ارتفعت البطالة في الشرق الأوسط بين الشباب إلى 25%
"

 

إن أفضل مثال لربط الأداء الاقتصادي بالتغيير السياسي في الشرق الأوسط هو حقيقة أن الحكومات تسقط بعد بعث آمال كبيرة في جيل الشباب، لكنها في النهاية لا تستطيع تحقيقها.

 

ففي مصر ارتفعت نسبة دخول الشباب إلى الجامعات من 14% إلى 28% في العقدين الماضيين، وارتفعت في تونس من 8 إلى 34% في نفس الفترة.

 

وبالرغم من ذلك فقد ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب في الشرق الأوسط في الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة إلى أعلى معدلات في العالم لتصل إلى أكثر من 25%. وربما زادت النسبة عن ذلك في مصر وتونس ليلعب الاقتصاد دورا في الأحداث الأخيرة، بحيث أذكى الشعور بفقدان العدالة.

 

وقد  خلصت دراسة صدرت في 2009 , وأشرف عليها الاقتصادي دارون أوموغلو وزملاؤه، إلى أن "المعدلات المرتفعة للدخل الفردي لا تدفع نحو الانتقال من حالة فقدان الديمقراطية إلى الديمقراطية, ولا  يمكنها منع الانتقال إلى انعدام الديمقراطية من الديمقراطية".

 

نحو الديمقراطية

وفي الحقيقة, فإن كان ما حدث في القرن الأخير يدل على شيء, فهو أن الدول ذات الدخل المتراجع تتحرك نحو الديمقراطية بدرجة أسرع من تلك الدول التي شهدت نموا في دخلها.

 

فالاتحاد السوفياتي انهار وتفتت في التسعينيات بسبب انهيار الاقتصاد وليس في الخمسينيات حينما كان النمو سريعا, كما أن الدول الأفريقية التي استقلت حديثا اتجهت نحو الحكم الفردي في الستينيات والسبعينيات, وهي فترة الأداء الاقتصادي الناجح, وتحركت نحو الديمقراطية في الثمانينيات والتسعينيات, حينما تباطأ النمو بشكل واضح وكبير.

 

والقول بأن الكساد يسرع من سقوط الأنظمة الممقوتة لا يعني أنه متطلب ضروري، إذ إن قضية الارتباط بين الصدمات الاقتصادية والاضطراب السياسي ما زالت خاضعة للنقاش.

 

ويقول تشارلز كيني إن وسائل الاتصال الاجتماعية مثل تويتر وفيسبوك والقنوات التلفزيونية الفضائية لعبت دورا في نشر حمى الثورات, لكن ربما كان الأبطال الحقيقيون للحرية هم الحكام المستبدين الذين لم يستطيعوا الوفاء بوعودهم. وربما فهم هؤلاء أخيرا أن السبب الرئيسي هو الاقتصاد.


 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة