طموحات الصين الإصلاحية   
الأربعاء 27/1/1436 هـ - الموافق 19/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:44 (مكة المكرمة)، 14:44 (غرينتش)

 مايكل سبنس

حملة شي جين بينغ لمحاربة الفساد
نموذج الاقتصاد الصيني
إلغاء الحاجز بين القطاعين العام والخاص

حملة شي جين بينغ لمحاربة الفساد
أحرزت الحملة الضخمة التي يشنها الرئيس الصيني شي جين بينغ لمحاربة الفساد تقدماً ملموساً في تحقيق عدد من الأهداف الرئيسية، فقد قطعت شوطاً طويلاً نحو استعادة الثقة في التزام الحزب الشيوعي بالنظام القائم على الجدارة، وقاومت نمطاً دام عقودا من الزمان من هيمنة القطاع العام، وقلصت قدرة المصالح الخاصة على منع الإصلاح، وعززت شعبية شي بين الجهات الفاعلة في القطاع الخاص، وإن كان نجاحها في التعامل مع البيرقراطية أقل وضوحاً إلى حد كبير.

باختصار، عملت الجهود التي يبذلها الرئيس شي لاستئصال الفساد على تمكين الحزب والإصلاحيين. والسؤال الآن هو: إلى أي مدى قد يذهب الحزب والإصلاحيون بطموحاتهم الإصلاحية؟

المشكلة في الصين ليست حجم الأصول التي تمتلكها الدولة، بل هي تَرَكّز هذه الأصول بين قلة من الشركات والصناعات، وهو الموقف الذي يفرض مخاطر على الأداء الاقتصادي. ومن هنا فإن الحل المنطقي لا يكمن في التخلص من حيازات الدولة من الأصول، بل في تنويعها بمرور الوقت

من المؤكد أن شي لم ينته بعد، فقد وضع الخطوط العريضة لمجموعة من الإصلاحات القانونية في الجلسة المكتملة الرابعة للحزب الشيوعي في الشهر الماضي بهدف خلق فرص أكثر تكافؤاً للقطاعين العام والخاص. وإذا نُفذت على النحو الصحيح، فإن هذه الإصلاحات من شأنها أن تخلق نظاماً أكثر كفاءة وفعالية وتمهد الطريق للداخلين إلى السوق وتعزز تطبيق قوانين المنافسة في الصين.

ومن شأن تعظيم الولاء لسيادة القانون أن يؤدي أيضا إلى خلق بنية أساسية قانونية ومالية تعمل على الحد من الاحتيال في القطاع الخاص، بما في ذلك إعداد التقارير المالية. وهذا -جنباً إلى جنب مع القدرة المتزايدة على الوصول إلى رأس المال- من شأنه أن يساعد في التعجيل بتطوير قطاع الخدمات الذي يُعَد ضرورة لخلق فرص العمل في المناطق الحضرية.

وتحسين إدارة الأصول العامة الضخمة في الصين والتي تشمل 3.5 إلى 4 تريليونات دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، وحيازات كبيرة من الأراضي، وأغلبية في ملكية الشركات المملوكة للدولة والتي تهيمن على الاقتصاد، من شأنه أن يكمل هذه الجهود، بل وقد يساعد في تعزيز المنافسة، وتشجيع الإبداع، وتعزيز النظام المالي، وتوسيع فرص الحصول على رأس المال.

والسؤال هو: كيف ستتمكن الصين من تحقيق هذا؟

نموذج الاقتصاد الصيني
في الوقت الحالي، يتبع اقتصاد الصين إلى حد ما نموذج المرتفعات المسيطرة اللينيني القديم، حيث يمتلك الحزب كل السلطة السياسية ويسيطر على الشركات والقطاعات الرئيسية، حتى في الوقت الذي يدفع فيه القطاع الخاص المزدهر عجلة النمو وتشغيل العمالة.

في هذا السياق، يشكل هذا النوع من "المهنية القائمة على الجدارة" والذي تلاحقه الصين الآن, أهمية بالغة, لكنه لا يصلح بديلاً للمنافسة الحقيقية في القطاع العام أو القطاع الخاص.

بطبيعة الحال، يستطيع شي أن يعلن ببساطة أن النسخة الصينية من رأسمالية الدولة كانت ناجحة في الماضي، وستواصل نجاحها.

لكن التجربة مع ديناميكيات الاقتصاد الكلي في الاقتصادات المتقدمة (حيث تتجه الصين) تجعل هذا الموقف ضعيفا، وهو بالتالي ليس الموقف الذي يُرجح أن يتخذه شي.

والبديل هو الشروع في تنفيذ برنامج مستمر للخصخصة لتقليص جانب الأصول في ميزانية الدولة العمومية الضخمة.

وقد عانت اقتصادات متقدمة كثيرة بشدة بسبب تكوين ميزانياتها العمومية مع وجود أصول رديئة.

والمشكلة في الصين ليست حجم الأصول التي تمتلكها الدولة، بل هي تَرَكّز هذه الأصول بين قلة من الشركات والصناعات، وهو الموقف الذي يفرض مخاطر على الأداء الاقتصادي. ومن هنا فإن الحل المنطقي لا يكمن في التخلص من حيازات الدولة من الأصول، بل في تنويعها بمرور الوقت.

وينطوي هذا النهج على عدد من الفوائد، فهو أولاً وقبل كل شيء كفيل بالتوفيق بين الميزانية العمومية الضخمة للدولة والدور المتوسع الذي تلعبه الأسواق، وتعزيز فرص العمل، وتحفيز الإبداع، ودفع عجلة تحول الاقتصاد بنيويا.

ولتحقيق هذه الغاية، يشكل الاستثمار العام في البنية الأساسية ورأس المال البشري والقاعدة المعرفية والتقنية للاقتصاد أهمية حاسمة.

وعلاوة على ذلك، فإن تنويع حيازات الصين من الأصول يعمل على تعميق أسواقها المالية بشكل كبير.

وعلى مدى السنوات المقبلة، مع زيادة الحصة المتداولة أو القابلة للتداول من رسملة سوق القطاع المملوك للدولة من قاعدتها المنخفضة اليوم التي تتراوح بين 10 و15%، فإن المزيد من المستثمرين المؤسسيين -مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين- ستصبح مشارِكة في تجارة الأسهم الصينية، والتي يهيمن عليها حالياً مستثمرو التجزئة.

وهذا من شأنه أن يزيد من خيارات الادخار المتاحة للسكان الذين يتزايد ثراؤهم، وأن يعزز من دعم الاستثمار والتنمية في الأمد البعيد.

إلغاء الحاجز بين القطاعين العام والخاص
أسواق الدين أيضاً ستستفيد من مثل هذه المبادرة، ذلك أن إلغاء الحاجز بين القطاعين الخاص والعام من شأنه أن يحدّ بمرور الوقت من الميزة التي يتمتع بها القطاع العام في الوصول إلى التمويل المصرفي، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى توسع أسواق سندات الشركات.

تحسين إدارة الأصول العامة الضخمة في الصين (نحو 4 تريليونات دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، وحيازات كبيرة من الأراضي، وأغلبية في ملكية الشركات المملوكة للدولة)، قد يساعد في تعزيز المنافسة وتشجيع الإبداع وتعزيز النظام المالي، وتوسيع فرص الحصول على رأس المال

ومع امتلاك كيانات عامة مثل نظام الضمان الاجتماعي وصناديق الثروة السيادية للمزيد من محافظ الأصول المتنوعة، فإن الحوافز ستتضاءل بشكل كبير للتدخل في السوق على النحو الذي يحابي الكيانات القائمة التي تمتلك فيها الدولة حصة كبيرة. وهذا، جنباً إلى جنب مع تعزيز إنفاذ قانون المنافسة، من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو تعزيز تكافؤ الفرص للجميع في الأسواق.

وستساعد المسؤوليات الائتمانية المحددة بوضوح والحكم الرشيد في ضمان إدارة الأصول العامة على النحو الذي يعظم العائدات المعدلة وفقاً للمخاطر الطويلة الأجل، مع استفادة الدولة والمواطنين واضطلاع السوق بدور الحكَم على الكفاءة والإبداع.

وقد تظهر الشركات المملوكة للدولة الأفضل إدارة -أو تظل- ككيانات ناجحة وبارزة وقادرة على التكيف مع المنافسة المتوسعة في السوق والجمع بين الإبداع والاقتصاد الكبير الحجم.

الواقع أن إدارة أصول القطاع العام يمكن أن تتم بالاستعانة بمصادرة خارجية، مع تنافس مديري الأصول الخاصة على هذه الوظيفة. وهذا من شأنه أن يعجل بتطوير قطاع إدارة الأصول، مع فوائد بعيدة المدى تعود على المدخرين والمستثمرين.

والصين ليست مضطرة للتخلي عن شبكة الأمان التي توفرها الحيازات الضخمة من الأصول لكي تسمح للسوق بالاضطلاع بدور حاسم في الاقتصاد الجزئي. ولكن بوسعها أن تتخلى عن نموذج المرتفعات المسيطرة وأن تطور نسختها من "رأسمالية الدولة" لدعم أفضل مزايا العالَمين. وكل المطلوب هو التزام دائم قوي من قِبَل الحكومة بالمصلحة العامة، وبطبيعة الحال بإستراتيجية إصلاحية تتسم ببراعة التنفيذ.
ـــــــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هوفر. أحدث مؤلفاته كتاب "التقارب التالي.. مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة