الأسواق الناشئة وخطر الغرق   
الأحد 4/11/1434 هـ - الموافق 8/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 23:34 (مكة المكرمة)، 20:34 (غرينتش)

 

هل توشك الأسواق الناشئة على مواجهة أزمة؟
تباطؤ النمو يشكل مصدرا للقلق
ضعف النظام المصرفي العالمي خاصة بأوروبا

هل توشك الأسواق الناشئة على مواجهة أزمة حتمية؟
مع تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل كبير في العديد من البلدان ذات الدخول المتوسطة، وهبوط أسعار الأصول بشكل حاد في كل القطاعات، هل توشك الأسواق الناشئة على مواجهة أزمة حتمية؟

بعد أعوام من المكاسب في الناتج الإجمالي -والقوية أحيانا- منذ الأزمة المالية في عام 2008، بدأ التأثير المجمع عليه المترتب على تباطؤ النمو الطويل الأجل في الصين والنهاية المحتملة للسياسات النقدية المفرطة في التساهل في البلدان المتقدمة، يكشف عن قدر كبير من الهشاشة.

إن قدرة هذه التداعيات في إحداث صدمة كبيرة في الأسواق الناشئة يجعل المرء يتساءل عن حجم المشاكل التي قد يحدثها تحول أكثر دراماتيكية.

فهل تملك الأسواق الناشئة القدرة على احتواء أزمة جديدة؟ وما السياسات التي قد تجلبها جولة جديدة من الإقراض من قِبَل صندوق النقد الدولي؟ وهل تعلّم صندوق النقد الدولي أخيراً من أزمة منطقة اليورو أن أعباء الديون العامة والخاصة تشكل عوائق كبيرة تحول دون النمو، وأنه ينبغي له أن يزيد من التشديد على أهمية شطب الديون وإعادة هيكلتها؟

لا تزال أسواق الأسهم والسندات في البلدان النامية تعاني من نقص السيولة نسبياً حتى بعد الازدهار الطويل، وبالتالي فإنه حتى أكثر التحولات تواضعاً في المحافظ الاستثمارية تظل قادرة على إحداث تقلبات كبيرة في الأسعار

كانت السوق قاسية بشكل خاص في التعامل مع البلدان التي تحتاج إلى تمويل عجز كبير في الحساب الجاري، مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإندونيسيا. ومن حسن الحظ أن مزيجاً من أسعار الصرف المرنة والخدمات الدولية القوية والأنظمة النقدية المحسنة والتحول بعيداً عن الديون بالعملات الأجنبية، من شأنه أن يوفر قدراً من الحماية.

ومع ذلك فإن سنوات من الشلل السياسي وتأجيل الإصلاحات البنيوية أدت إلى خلق نقاط ضعف.

لا شك أن بعض البلدان مثل الأرجنتين وفنزويلا كانت مفرطة في اعتمادها على أسعار السلع الأساسية المواتية والظروف المالية الدولية الميسرة لتوليد النمو. ولكن الأوقات الطيبة حجبت نقاط الضعف في العديد من البلدان الأخرى أيضا.

تباطؤ النمو يشكل مصدرا للقلق
ويشكل تباطؤ النمو مصدرا للقلق أعظم كثيراً من تقلبات أسعار الأصول الأخيرة، حتى لو استولت هذه التقلبات على المزيد من العناوين الرئيسية.

فلا تزال أسواق الأسهم والسندات في البلدان النامية تعاني من نقص السيولة نسبياً حتى بعد الازدهار الطويل، وبالتالي فإنه حتى أكثر التحولات تواضعاً في المحافظ الاستثمارية تظل قادرة على إحداث تقلبات كبيرة في الأسعار.

وحتى وقت قريب كان المستثمرون الدوليون يعتقدون أن توسيع محافظهم الاستثمارية في الأسواق الناشئة أمر بديهي، وكان العالم النامي ينمو بشكل جيد في حين كانت البلدان المتقدمة راكدة تقريبا.

وبدأت الشركات تتنبه إلى وجود طبقة متوسطة متنامية وقادرة ليس فقط على دعم النمو الاقتصادي بل أيضاً الاستقرار السياسي. وحتى البلدان التي احتلت المراتب الأقرب إلى القاع في مؤشرات الفساد العالمية -على سبيل المثال روسيا ونيجيريا- كانت تتباهى بارتفاع عدد السكان من المنتمين إلى الطبقة المتوسطة وارتفاع الطلب على السلع الاستهلاكية.

ولم يتغير الخط الأساسي للقصة، ولكن تقارب فوارق النمو جعلت الأسواق الناشئة أقل بديهية في نظر المستثمرين، ومن الطبيعي أن يفرض هذا تأثيرات كبيرة على أسعار الأصول في هذه البلدان.

إن اتخاذ خطوة نحو تطبيع الفوارق في أسعار الفائدة -التي أدى التيسير الكمي إلى خفضها بشكل مبالغ فيه- ليس بالأمر الذي قد يكون مدعاة للذعر. ولا ينذر تراجع أسعار السندات بعد بتكرار أزمة الديون في أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن العشرين أو الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات.

إذا تحول التباطؤ في الأسواق الناشئة إلى شيء أكثر سوءا، الآن أو في غضون بضع سنوات، فهل سيكون العالم مستعدا لمواجهته؟

والواقع أن بعض الأسواق الناشئة -على سبيل المثال كولومبيا- كانت تصدر ديوناً عامة بفوارق متدنية إلى حد غير مسبوق في أسعار الفائدة مع سندات الخزانة الأميركية. ولا بد أن وزراء مالية هذه البلدان أدركوا، برغم ابتهاجهم إزاء انخفاض تكاليف الاقتراض إلى مستويات قياسية في بلدانهم، أن هذا قد لا يدوم طويلا.

صحيح أن أسباب القلق وفيرة. ومن الحماقة أن نتصور على سبيل المثال أن المزيد من الديون بالعملة المحلية من شأنه أن يلغي إمكانية اندلاع أزمة مالية.

ومن غير المطمئن على الإطلاق أن نعلم أن البلدان قادرة على اللجوء إلى استهداف معدلات تضخم أعلى من 10%، وطباعة النقود في محاولة للخروج من أزمة الديون.

فهذا يعني التخلي عن عقود من تعزيز الأسواق المالية، وانهيار البنوك، ومعاناة الفقراء على نحو غير متناسب، وتعثر النمو.

وبوسع البلدان بدلاً من ذلك أن تفرض ضوابط صارمة على رأس المال وتنظيمات الأسواق المالية لاحتواء المدخرين، كما فعلت البلدان المتقدمة بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن القمع المالي لا يخلو من الآلام ويكاد يكون من المؤكد أنه يقلل من كفاءة التخصيص في أسواق الائتمان، وبالتالي يؤثر على النمو في الأمد البعيد.

وإذا تحول التباطؤ في الأسواق الناشئة إلى شيء أكثر سوءا، الآن أو في غضون بضع سنوات، فهل سيكون العالم مستعدا؟ هنا أيضاً سنجد سبباً جدياً للقلق.

ضعف النظام المصرفي العالمي خاصة بأوروبا
إن النظام المصرفي العالمي لا يزال ضعيفاً بشكل عام، وخاصة في أوروبا. وهناك قدر كبير من عدم اليقين يحيط بالكيفية التي قد يتعامل بها صندوق النقد الدولي مع أزمة في سوق ناشئة بعد تجربتها في أوروبا، حيث اضطر إلى الموازنة بين السياسات الرامية إلى تشجيع التغير البنيوي المطلوب بشدة في منطقة اليورو وتلك الرامية إلى الحفاظ على النمو الاقتصادي في الأمد القريب.

وقد أثارت التجربة الأوروبية تساؤلات صعبة حول ما إذا كان صندوق النقد الدولي يتعامل وفقاً لمعايير مزدوجة مع البلدان الأوروبية (حتى تلك مثل اليونان التي هي في الحقيقة من الأسواق الناشئة).

لا بد أن يكون التباطؤ في الأسواق الناشئة بمثابة طلقة تحذير بأن شيئا أشد سوءا قد يحدث

وإننا لنأمل بطبيعة الحال ألا تتطور الأمور إلى هذا الحد. ويبدو من غير المرجح أن يتخلى المستثمرون الدوليون عن الأسواق الناشئة حاليا، خاصة وإن آفاقها في الأمد البعيد لا تزال تبدو أفضل كثيراً من آفاق الاقتصادات المتقدمة.

وعلاوة على هذا فإن الشعور الحالي بأن منطقة اليورو تجاوزت المرحلة الأسوأ يبدو مفرطاً في التفاؤل. فقد كان الإصلاح البنيوي متواضعاً للغاية في بلدان مثل إيطاليا وفرنسا.

وتظل تساؤلات جوهرية، بما في ذلك حول كيفية تشغيل اتحاد مصرفي في أوروبا، خلافية ومثيرة للجدل. فقد اختفت علاوة المخاطر الكبيرة المفروضة على إسبانيا تقريبا، ولكن مشاكل الديون لديها لم تختف.

من ناحية أخرى، وعبر الأطلسي، أصبح الاستقطاب السياسي في واشنطن مقلقاً للغاية، في حين تلوح في الأفق كارثة أخرى في ما يتصل بسقف الديون.

إن التراجع اليوم إلى أسواق الأصول في البلدان المتقدمة قد ينقلب سريعاً إلى التراجع بعيدا منها.

ولا بد أن يكون التباطؤ في الأسواق الناشئة بمثابة طلقة تحذير بأن شيئاً أشد سوءاً قد يحدث. ولا نملك الآن إلا الأمل في أن يكون العالم أفضل استعداداً مما هو عليه الآن في حال وصوله إلى ذلك اليوم.
ـــــــــــــــــــــــ
كبير خبراء الاقتصاد الأسبق لدى صندوق النقد الدولي، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة